كثيرات من نسائنا يصلن إلى أواخر الثلاثينيات وحتى أوائل الأربعينيات دون أن يتزوجن. هؤلاء النساء يبدأن بفقدان الأمل في الزواج بسبب جيلهن. إنها ظاهرة ما يمكن تسميته بـ "نزل سِعرها في السّوق"، والتي تعني أن الاحتمال بأن تحظى مثل تلك الفتاة بعريس قد قلّ بسبب عدم وجود اهتمام كافٍ بها لدى الشباب، وبسبب المنافسه الشّرسة التي تكوّنها مجموعة الصّبايا الأصغر منها سِنًا والأكثر جمالاً. أنا أعيش في مجتمعنا العربي في حيفا، وأعلم أن المجتمع قاسِ، وأنه يحكم على الصبايا بحسب أعمارهن ومظهرهن الخارجي. والحقيقة أنه بالإمكان تبديل عقول بعض النساء الجميلات بحاسوب بدائي وقديم من نوع "كومودور"، دون أن يلاحظ أحد الفرق. وبكلمات أخرى، فإنّ الجمال عادةً ما يدفع الفتاة إلى عدم الاهتمام بعقلها، فبدلاً من أن تقرأ كتابًا، نراها تصب ما كل لديها من طاقاتها في دهن أصابعها بالـ "مانيكور"، وهو الأمر الذي يؤدي عاجلاً أم آجلاً إلى تحقق المقولة عن كون الجميلات أقل ذكاءً من القبيحات.
أن الظاهرة التي سمّيتُها "نزل سِعرها في السّوق" تؤدي إلى ظاهرة أخرى، هي ظاهرة الـ"إستِجواز"، أي رغبة الفتاة في الزواج بكل ثمن. هذه الظاهرة، والتي هي نتاج المجتمع الذكوري القاسي، تحطّ من نظرة الفتاة التي لم تتزوج في سن مبكر إلى نفسها.
في هذا السياق، أذكر أنه قبل حوالي ثلاث سنين، قدم أحد أعمامي من الخارج في زيارة للبلاد. يومها كنت أسكن مع زميل لي في شقّة في منطقة الهدار الأعلى. أذكر أنني كنت أحضّر نفسي للذهاب إلى الناصرة لاستقبال عمي، حين جاءني زميلي وهو يقول: "فؤاد، في بِنْت بَعرفها، بنت حلال، عمرها 35، ومِش متجوزي. بشَرفكْ، بركي تحكي مع عمك عنها، هيي كثير حابي تتعرف عليه". حين سمعت ما قاله زميلي، تمنيت بيني وبين نفسي لو يتعامل مجتمعنا باحترام أكبر مع نساء مثل التي تحدث عنها زميلي، وذلك لأن الصورة التي وصفها بها كانت وكأنه يريد أن يبيع صندوق بندورة. مع هذاً، لم "أفَسِّل" زميلي وقمت بالفعل بعرض صندوق البندورة، على شاكلة امرأة في الخامسة والثلاثين، على عمي. وكما كنت أتوقع، فقد تعامل عمّي مع الموضوع وكأنه نكتة غير موفقة. الأمر المؤلم، هو أني فهمت من هذه الحادثة أن على المرأة التي تريد أن تتزوج في جيل الثلاثين وما فوق، أن تقلل من قيمتها وأن تتعامل مع نفسها كمنتوج تودّ تسويقه، وذلك بسبب خوفها من أن تبقى وحيدة وأن لا تجد شريك الحياة المنشود.
منذ بضعة أيام احتفلت إحدى معارفي بعيد ميلادها التاسع والعشرين، وهذا جعلني أتساءل: هل تشعر هي أيضًا بضغوطات المجتمع بأن عليها أن تتزوّج لكي لا تبقى وحيدة؟ الأمر ذاته ينطبق على العديد من صديقاتها وعلى الكثيرات من صبايا مجتمعنا اللواتي تعانين من قسوة "سوق الزواج".
لو كنتُ خلقتُ طفلة، ولو بلغ عمري الواحدة والثلاثين، كما هو الآن، ولو لم تتوفر لي فرصة للزواج، فإن أفضل ما كان كنت أفعله هو أن أجلسُ أمام النافذة وأشرب كأس نبيذ وأقول لنفسي: "في عريسْ أو فِشّ عريس، الدنيا دايمًا حلوه"!
