لا احد منا يملك الحقيقة مهما كان مثقفا أو متعلما أو وطنيا أو مناضلا أو باحثا أو... فهناك امور كانت تعتبر حقيقة في يوم ما او مكان ما هزّها ورجّها الزمن فأصبحت عكس ما امست، ففي طفولتنا كنا نعتقد أنّ واحدا يساوي واحدا، وان واحدا زائد واحد يساوي اثنين فاذا هذا القول بعيد عن الصحة مثل بعد المسافة بين طموحات شعبنا وبين طموحات الحركة الصهيونية. وعلى الرغم من أن كثيرين منّا يؤمنون بما اؤمن به ويفكرون الى حدّ ما كما أفكر، الا ان كثيرين منا ومن هؤلاء الكثيرين ايضا يتحدثون بصوت عال معتقدين ان علو الصوت وقوته تؤثر على السامع وتقنعه وتقمعه، ناسين او متناسين ، جاهلين او عارفيبن، ان للكلمة المهموسة الهادئة اثرا اكبر واعظم على نفس الانسان وعقله، كما ان الكثيرين منا وبخاصة القادة السياسيين يحترفون التصريحات العالية الصاخبة التي تشبه المفرقعات النارية ذات الصوت العالي القوي وذات الحضور القصير والأثر السيء ولا يفكرون فيما بعد التصريحات بل همهم ان يلفتوا الانظار اليهم وحالهم مثل حال السيد جحا حينما كسر مزراب العين.
من مهام القيادة الوطنية او القيادة السياسية حماية الجماهير لا أن تحتمي بها، ودورها ان تقود الجماهير لا ان تنّقاد لها او أن تقودها الجماهير، وعليها ان تناقش القضايا الملحة وتدرسها وتسأل: وماذا بعد؟ والى اين؟ ولكن من المؤسف ان عددا كبيرا من هؤلاء القادة تقودهم الجماهير وتوجههم الجماهير فيلجؤون الى التصريحات النارية والخطب العصماء ليسجلوا نقاطا وهمية لصالحهم كما ان معظم هؤلاء يصرحون ويخطبون وبعدئذ يفكرون، هذا اذا وهبهم الله المقدرة الكافية على التفكير، في حين ان الانسان السويّ يفكر ثم يتحدث.
ومن المحزن اننا نمر في فترة زمنية، ونتيجة لظروف موضوعية، سياسية واجتماعية واقتصادية، اصبحنا فيها عرضة لتصديق الوشايات والشائعات المغرضة وصرنا نتسابق في نقل النميمة ونصدق كل ذلك واصبحت الوشاية والشائعة والنميمة حقيقة لا نقاش فيها.ولا يبحث معظمنا عن مصدر هذه الشائعات وهذه النمائم ولا يسألون انفسهم عن هدفها وعن غرضها ومن تخدم ولمصلحة من تذاع.
قبل عقود خلت، في ايام الشباب، كنا حينما نناقش احد كبار السن ونحشره في زاوية يرد على الواحد منا "هذا الذي اقوله لك سمعته من خواجة او من يهودي". وكأن هزيمة 1948 قد رسّخت في عقله بأن الخواجة او اليهودي يملك الحقيقة والمعرفة وحده واما اليوم فعندما تناقش البعض، وهم كثر، يقولون لنا: هذا ما كتبته"معاريف" او بثته "الجزيرة". ولا يخطر ببالهم ان الجزيرة قد تخطىء وقد تنحاز وقد تخفي الرأي الآخر وتتعامى عنه وان جنون قوة الاعلام وجنون العظمة افقد عددا من نجومها الصواب، كما لا يفكرون للحظة بهدف "معاريف" من نشر الخبر وبمن يقف وراءه وبمدى صحته؟
ولأننا نحب النميمة ونتغذى بالشائعات والوشايات ونجري وراء الاخبار المثيرة التي تنشرها "معاريف" واخواتها ونتناقل ما تبثه "الجزيرة" واتجاهها المعاكس ونتعامل معها كحقائق وتصبح
الكذبة او الشائعة او النميمة حقيقة تاريخية..وهيهات هيهات واين هي الحقيقة التاريخية؟؟ ولأننا نفتقد في احيان كثيرة، وفي اوقات كثيرة، لقادة ذوي قامات عالية وذوي بعد نظر ثاقب وذوي رؤيا عقلانية وذوي رؤية حادة، يقفون في وجه تسونامي الشائعات واعاصير العواطف ويفضحون الاكاذيب ويعرّون الراقصين على الدم وعلى اشلاء الضحايا ويسألون انفسهم والناس: وماذا بعد؟ والى اين؟ ولمصلحة من؟ ولأننا كذلك فأن وضعنا صعب ومقلق ولكننا لسنا حالة ميؤوسا منها. بل نحن نستطيع ان نشخص الحالة وان نعالجها وان نقوّمها لمصلحة شعبنا ولحاضرنا ومستقبلنا اذا فكرنا بروية وهدوء وعقلانية.
