عن عمر فاروق والمقاطعة

single

لم يتسنَّ لي في المرات السابقة التي زار بها عمر فاروق البلاد حضور عروضه كما هذه المرة أيضا، وهو الفنان والموسيقي التركي الصوفي المقيم في أمريكا، والذي تأتي زيارته هذه المرة اشدّ وقعا من المرات السابقة. فلم يقتصر دوره فقط على كونه فنانًا، إنما تخطاه ليصبح  في موقع المساءلة والمحاسبة؛ فقد تعالت هذه المرة أصوات تنادي بمقاطعة العرض في الناصرة وجميع حفلاته، وأنا إذ افهم فكرة  المقاطعة واحترم النيةّ والرسالة والمقولة السياسية التي تقف من ورائها، اعتبرها هذه المرة زائدة ومنقوصة المعنى والفحوى. وها هي بعض ملاحظاتي على مقاطعة عمر فاروق خاصةً وعلى فكرة المقاطعة عامةً.
ما أوافق مجموعة المقاطعة عليه تماما، ولا اشك بأهميته، هو ضرورة التزام الفنان والوفاء لدوره  كانسان إلى جانب دوره كفنان يطمح في إيصال جمالية فنه وإبداعه إلى العالم الواسع، فالمطلوب من الفنان أن يضفي المزيد من الأبعاد الإنسانية لفنه و الربط ما بين إبداعه ورسالته الفنية الشاملة لتحوي الفن والسياسة.فكون المثقف والفنان هو صاحب تخصص معين لا يُعفيه من واجبه في أن ينقل لشعبه وللعالم اجمع رسالة إنسانية سياسية ذات صوت صادق خاصّة عندما يحمل اسما لامعا تصغي له  الآذان. وماذا يمكن أن يكون اكثر تميّزا  من وضعيتنا كفلسطينيين في هذه الفترة  لنستعين بفنان مثل عمر فاروق لإيصال صوتنا ورسالتنا؟!  ففي اشد الأحداث صعوبة وهي المستمرة دائما يأتي ظهور عمر فاروق : في قمة وأوج استمرار موبِقات الاحتلال الإسرائيلي والبطش وخرق حقوق الإنسان، واستمرار معاناة الفلسطينيين على الحواجز، وبناء المستوطنات في الضفة الغربية، وإضراب الأسرى عن الطعام في السجون الإسرائيلية وتعنّت الإسرائيليين بعدم إطلاق سراح الاسرى، وفي اوج المفاوضات على جلعاد شليط وفي محاولات السلطة الفلسطينية بتحصيل اعتراف ومقعد في الأمم المتحدة، وتدهور العلاقات التركية الإسرائيلية إلى أسوأ حالاتها في تاريخ العلاقات بين البلدين واستفحال الثورات العربية وإسقاطاتها في العالم العربي و وو... يحضر عمر فاروق إلى الناصرة والى البحر الميت في آن واحد ليقدّم لنا ما يعزفه دون أي تفكير أو تخطيط سابق أو برنامج سياسي، وأنا افهم على مستوى المشاعر السؤال الذي يعلو كيف ممكن أن نستمع في هذه الظروف إلى عمر فاروق؟؟ لكن يتبادر الى ذهني في المقابل  سؤال آخر، هل من الممكن تحميل عمر فاروق أكثر مما يحتمل؟ هل نريد ان نستعين بعمر فاروق لإيصال صوتنا إلى العالم ؟ ولماذا هو دون غيره؟ هل يدرك عمر فاروق أهمية دوره كفنان وانسان؟ واذا هو غير مدرك، هل علينا أن نقاطعه ولا نوعّيه لهذا الدور؟ وهو الذي وفقا لرده الرسمي على حركة المقاطعة، لا يملك الكثير من الحنكة السياسية،  لهذا لا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل ولا ينبغي أن نحاول حل قضايانا السياسية من خلال مقاطعة العرض أو عدم مقاطعته.

 

أما القضية الأساسية التي يجب الوقوف عندها، هي فكرة وحركة المقاطعة،وهي حركة تنشط مؤخرا في فلسطين من اجل فرض المقاطعة على دولة إسرائيل كدولة احتلال وكمخلّة للنظم الدولية والمعايير الأخلاقية من خروقات لحقوق الإنسان، فتقوم الحركة فيما تقوم بتجنيد المثقفين والمتنورين وأصحاب الرأي الحر والفكر والأكاديميين والممثلين والمغنين للعزوف عن الاتصال مع إسرائيل وتبادل العمل والخبرات المهنية كجزء من الخطوة الاحتجاجية لتشكيل الضغط على دولة إسرائيل لإنهاء الاحتلال.
ولعل ابرز حملة مقاطعة شهدها التاريخ المعاصر، والتي على غرارها تقوم حركة المقاطعة في فلسطين، هي المقاطعة من اجل إنهاء نظام الابرتهايد في جنوب أفريقيا– نظام الفصل العنصري. وقد نجحت هذه الحملة بالاضافة إلى عوامل اخرى بإنهاء هذا النظام في العام 1994.ولعل ابرز المركّبات التي ساهمت في إنجاح حركة المقاطعة وإنهاء الابرتهايد هو الضغط الدولي الذي شكلّ آنذاك على البريطانيين من اجل إنهاء النظام والضغوطات الدولية الواسعة، لا سيّما الاقتصادية التي شاركت بها الكثير من الدول. وما كان لحملة جنوب أفريقيا النجاح بدون الضغوطات الخارجية. أما المركّب الهام جدا في إنجاح حملة المقاطعة كانت المقاطعة الداخلية التي لعبت دور المحفّز الأساسي لاستجابةٍ دوليةٍ هائلة تمثّلت في فرض حصار اقتصادي شامل ضد جنوب أفريقيا، كما جمعت الحركة الجماهيرية الديمقراطية المحلية كافة المنظمات التي عارضت نظام التفرقة العنصرية،  بما في ذلك النقابات العمالية والمنظمات الطلابية والنسائية والمنظمات غير الحكومية والتجمعات المدنية والمنظمات الأكاديمية وكذلك الشركات المتعاطفة،وكذلك تم تنظيم بعض الحملات الأخرى من ضمنها حملة المليون توقيع.
وهنا يسأل السؤال:هل تنجح حركة المقاطعة في فلسطين بالعمل على نفس نمط حملة المقاطعة في جنوب أفريقيا ؟ وهل هي مدركة لأهمية التعبئة الداخلية والمواظبة على تجنيد جميع الأطر والتنظيمات من اجل إنجاح الحملة ؟ والسؤال الأهم هل من الممكن تطبيق الحملة داخل دولة إسرائيل؟ هل نستطيع أن نعمل بهذا الشكل؟ هل نستطيع أن نعمل بالقدر الكافي على تجهيز الجمهور وتوعيته لأهمية المقاطعة ونشرح أبعادها ونتائجها؟ هل نستطيع أن نقاطع إسرائيل اقتصاديا وبشكل كامل؟ هل نستطيع أن نكف عن شراء المنتجات الإسرائيلية؟
إن واقع العرب الفلسطينيين في الداخل هو واقع مركّب وفي غاية التعقيد،فلا يمكن تضييق "النظر" والمناداة لحملة مقاطعة في وضعية لا نستطيع أن نطبّق ما ننادي به بشكل كامل.من الصعب جدا تطبيق هذه الحملة في دولة إسرائيل، إذا كنّا نريد لحملة المقاطعة النجاح فعلينا أن نخلق مقوّمات الحملة الناجحة، فلا يمكن أن ينحصر هدف الحملة في مجموعة معيّنة دون غيرها، وهي المجموعة المسيّسة في المجتمع التي تقتصر على مجموعة لا تتعدى العشرات من الأشخاص.ولا يمكن الإعلان عن مقاطعة عرض موسيقي معيّن في حين يذهب 600 شخص لحضور العرض في الناصرة  في حين أن الجزء الكبير منهم  لم يسمع بتاتا عن حملة المقاطعة ولم يعرف أسبابها.ولا يمكن أن تكون المقاطعة انتقائية ، بحيث نقاطع عمر فاروق ولا نقاطع اندريا بوتشيلي الذي جاء للبحر الميت، وظافر يوسف الذي جاء الى حيفا،وبيتر روجرس-  المناهض للاحتلال الذي جاء لإحياء حفلة في تل أبيب قبل شهرين.لا يمكن أن نعلن عن مقاطعة عمر فاروق ولا نقاطع  الأكاديميين الذي يأتون إلى الدولة ويحصلون على دكتوراة فخرية،كوزيرة التربية الألمانية البروفيسور آن شوان التي حصلت مؤخرا على دكتوراة فخرية من الجامعة العبرية في القدس. ولا يمكن أن ندعو  لمقاطعة اقتصادية بينما نحن نعمل في دولة إسرائيل وندفع الضرائب الباهظة التي تذهب 30% منها للدولة  والمؤسسات المالية الضخمة ( التأمين وصناديق التقاعد) كما أن ندعو لمقاطعة إسرائيل أكاديميا لأننا ندرس في الجامعات الإسرائيلية ، ولا نستطيع الكثير من الأمور ليس لأننا لا نريد ، بل لان وضعنا المركّب يحتّم علينا عدم المقاطعة.
برأيي يجب أن تدور الحملة في المقام  الأول  حول توعية الناس وتثقيفها في هذا الموضوع.علينا العمل مع المجتمع لتعزيزه  ليفهم  اولا ما يدور حوله وليفهم ما تقوم به دولة اسرائيل من  مخالفات لحقوق الإنسان وانتهاكات للقانون الدولي.ومن أجل تحقيق هذا لا بد من التمحوّر في أنفسنا وفي مجتمعنا؛هذا أهم بكثير من حملة مقاطعة لا شركاء لها - لا داخليين ولا خارجيين.
ويسأل السؤال المهم هل من الحنكة السياسية ان نتوقع من فنان لا يملك موقفا سلبيا من قضيتنا ان لا يأتي لاسرائيل لاننا لا نريده ان يأتي؟ وهل من الحنكة السياسية ان نحوّل فنانًا محايدًا كعمر فاروق إلى عدو بدل تجنيده الى جانبنا بسبب حملة لا نستطيع نحن تطبيقها ؟؟  برأيي من يؤمن أن المقاطعة هي الحل الأمثل فيجب أن تكون المقاطعة التي ينادي بها شاملةً ثقافيا أدبيا فنيا واقتصاديا ، متابعة ومواظبة على العمل لا تكل ولا تمّل ليلا ونهارا، ومتعاونة مع الأطر الباقية ومتواصلة مع الشعب البعيد عن حلقات النقاش الفكرية؛ وأن تكون منظّمة وليست عشوائية وتحترم  الرأي المغاير دون أن يطعن به احد،ولا توزع الشهادات الوطنية للناس:فمن لا يقاطع هو غير وطني ومن يقاطع هو حتما وطني وفلسطيني.علينا تحضير الجمهور للمقاطعة وشرح أسبابها وأهدافها ، بعد ذلك من الممكن ان  تكون المقاطعة آلية ذات تأثير ووقع على المجتمع وعلى الدولة لتحدث التغيير والتأثير على الجماهير.وان لم يحصل ذلك، سيبقى هذا الحراك  يدور في إطار استشراء القوالب الجاهزة والكليشيهات المستهلكة التي لا تحدث تغييرًا -لا نوعيًّا ولا كمّيًّا.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الجبهة بيتكم الدافئ العامر فادخلوه ولن تندموا

featured

"مرجلة" إمبراطوريّة الارتباك

featured

من يمثل المعارضة في جنيف2؟

featured

كيف فقدت بصيرتك في زحمة الدم؟

featured

جيش الاحتلال الإسرائيلي: بين الفساد الأخلاقي والضائقة البشرية

featured

هل حزب العمل في طريقه إلى الانقسام؟

featured

الى الامام ايتها المخيّمات الحمراء