يختلف اليهود في امريكا حول السياسة الاسرائيلية. كثير من المنظمات الاكبر في اللوبي، مثل الايباك ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى تقودها اوساط متشددة‘، تدعم سياسة الليكود في التوسع،وتعارض اتفاقية اوسلو وعملية السلام. غالبية اليهود على المستوى الشعبي يقبلون التنازلات مقابل السلام. وهناك عدة منظمات صغيرة معادية لسياسة اسرائيل، ومؤيدة للشعب الفلسطيني، اتحدت في السنوات الاخيرة تحت اسم" الصوت اليهودي الامريكي من اجل السلام"، وهم خارج اللوبي. يجدر القول انه،رغم الخلافات بين المنظمات المتشددة ومنظمات الوسط - وهم الاكثرية - فان الكل يدعم العطاء السخي لاسرائيل.
ليس مستغربا، ان قادة المنظمات في اللوبي يتشاورون مع القادة الاسرائيليين، ليتأكدوا ان ما سيطرحونه، سيصب في مصلحة اسرائيل. هذا وتتفق المنظمات في اللوبي على اهمية حماية اسرائيل من النقد، اما مسألة الضغط عليها لتقديم تنازلات، فهذا من المحرمات. فمثلا، إدجار برونفمان؛ رئيس المؤتمر اليهودي سابقا، اتهم بالخيانة، عندما كتب رسالة للرئيس بوش ، يطالب بها إقناع اسرائيل بالامتناع عن بناء الجدار سنة 2003. وقال منتقدوه، انه من الجنون تحت اي ظرف من الظروف، ان يقوم رئيس الؤتمر اليهودي، بالتأثير على رئيس الولايات المتحدة للعمل على تغيير قرار اتخذته حكومة اسرائيل. كما انه، عندما قام رئيس المنتدى السياسي الاسرائيلي- سيمور رايخ، بالاقتراح على كوندوليسا رايس، بان تطلب فتح معبر ايرز لتخفيف الحصار على فلسطينيي غزة، سنة 2005، شُجب موقفه ووُصف باللامسؤول. وقيل له: "ليس مقبولا ان يعمل اليهود في امريكا على "النبش" في الشؤون الامنية لاسرائيل. تراجع رايخ قائلا: " كلمة الضغط على اسرائيل ليست في قاموسي بالمرّة".
وجود منظمات تعمل للضغط على صانعي القرار، هي قضية شائعة وشرعيّة في الولايات المتحدة. تُعَد الايباك ثاني اقوى هذه المنظمات في امريكا.
يعتبر المسيحيون المتشددون من الاعمدة المؤثرة لصالح اللوبي الاسرائيلي، ومنهم شخصيات ذوو تأثير كبير في امريكا. مثل جاري باور، رالف ريد، بات روبرتسون ودِك ارمي وغيرهم من اعضاء الكونجرسِ. ينطلق هؤلاء من الايمان بان بعث اسرائيل هو رؤيا نبوية، حيث يعتقدون انه في آخر الايام سوف يتجمع كل يهود العالم في ارض اسرائيل التاريخية، وسوف تنشب حرب يذهب ضحيتها ثلثا اليهود. وهكذا سيمحى الشر من العالم ويتحقق العيش بسلام وامان. من هذا المنطلق، فان دعم اسرائيل وتوسعها، هما ارادة ربانية، وان تعمل عكس هذا يعني مخالفة ارادة الله. سنة 1996 عقد المؤتمر الثالث للمسيحيين الصهاينة،وقد اقر ما يلي" ان الارض التي وعد الله بها شعبه، ينبغي ان لا تقسّم...اذا اعترفت الامم بقيام دولة فلسطينية على ايّ جزءٍ من ارض اسرائيل،فسترتكب خطأ." وعلق زعيم هذا الحزب السيد بات روبرتسون على ذلك قائلا: " ان الشلل الذي اصاب رئيس حكومة اسرائيل؛ شارون في يناير 1996 ، هو عقاب رباني لتنازله عن قطاع غزة. لقد قسّم شارون ارض الله، وما اصابه هو نذير لكل زعيم من بعده يقوم بخطوات مماثلة."( اليس هذا الفكر فكرا سلفيا متشددا؟ ثم التنبؤ بالقضاء على ثلثي اليهود! الا يمكن اعتباره دعوة لهلوكوست ثان؟ اين محاربة ومحاربو اللاسامية؟ وكيف يسكتون على المسيحيين الصهاينة؟ ويتحالفون مع من ينادي بمحرقة قادمة لليهود؟ ح.م)
مركب ثالث في اللوبي لا يقل اهمية هم المحافظون الجدد، وهم اغيار. من اهم الشخصيات: جون بولطون مندوب امريكا السابق في الامم المتحدة، روبرت بارتلي المحرر السابق لمجلة –وول ستريت، ويليام بينيت- الوكيل السابق لوزارة التعليم، جون كيركباتريك ايضا سفير سابق في الامم المتحدة وغيرهم.
تعطي السياسة الامريكة امكانيات كبيرة لنشطاء المنظمات المختلفة للعمل على الترويج لقضية معينة، وتمنحهم فرصا كبيرة للتأثير. امكانية التأثير اكبر عندما تكون القضية لا تعني كل الجمهور، كما هو الحال في معظم قضايا السياسة الخارجية. هذا ويحاول القادة والسياسيون ارضاء هذه المجموعات. فعندما تكون القضية تخص السياسة الخارجية فاي قرار من جانب صناع القرار، سوف لن يجر معارضة كبيرة من قبل الجمهور. لا يختلف اللوبي الاسرائيلي بطريقة العمل عن باقي الجماعات مثل منظمة حماية البيئة، او عمال النسيج او منظمات عرقية وما شابه. هذا وليس في عمل اللوبي ما يدعو لرؤيته كمؤامرة كما ينظر مثلا الى قضية " بروتوكولات حكماء صهيون" التي تعتبر تزويرا من اعداء السامية. كل ما في الامر ان المنظمات التي تعمل في اللوبي هي قوية جدا، ولها تأثير كبير، تعمل بشكل منظم ومدروس. بعكس المنظمات التي تعمل لصالح القضية العربية ان وجدت اصلا، فهي ضعيفة وتفتقر الى القوة، الوحدة، والتنسيق، مما يسهّل العمل على اللوبي الاسرائيلي.
على المستوى الاستراتيجي يركز اللوبي على قضيتين: اولا- يتركز العمل بالاساس في واشنطن، للضغط على الكونجرس وعلى السلطة التنفيذية. المفتاح؛ مهما كانت آراء المشرع او صانع القرار في الادارة الامريكية، فإن اللوبي يحاول جعل مساندة اسرائيل، هو الخيار" الذكي". ثانيا – يبذل اللوبي قصارى جهده للتأثير على تصوير اسرائيل ايجابيا في حديث الجمهور، عن طريق اعادة سرد اسطورة انشاء الدولة، وان يجد المبررات لدعم وجهة النظر الاسرائيلية في النقاش العام. الغاية الاساسية هي منع الانتقادات الحادة للسياسة الاسرائيلية، من الوصول الى آذان صاغية على الساحة السياسية. كبت النقاش حول السياسة الاسرائيلية، يضمن استمرار الدعم غير المشروط. عندما تبحث العلاقات الامريكية الاسرائيلية بشكل عميق وصادق، ربما يصل الامريكان الى افضلية تغيير سياستهم مع اسرائيل.
العمود الاساس لفاعلية اللوبي هو تأثيره على الكونجرس. حيث تتمتع اسرائيل بحصانة ضد الانتقاد لسياستها. مع ان الساسة في امريكا وفي الكونجرس لا يدّخرون جهدا في الانتقاد، وتعرية كل القضايا، الا انه عندما تكون سياسة اسرائيل على المحك، يصاب اعضاء الكونجرس بآفة الصم والبكم. بعض الاعضاء يجيدون تلك المهمة، مثل دِك آرمي من المسيحيين الصهاينة الذي صرح مثلا في سبتمبر 2002 – " ان القضية الاولى لديه في السياسة الخارجية، هي حماية اسرائيل". ينبغي ان تكون المهمة الاولى لدى المشرع الامريكي، هي ضمان حماية امريكا. اما هذا المشرع وكثيرون مثله، فيعملون على حماية المصلحة الاسرائيلية قبل الامريكية.
بالاضافة الى اعضاء الكونجرس انفسهم هناك كتيبة من اعضاء اللوبي لا تفارق تلة الكبيتول. هؤلاء يعملون على التأثير على اعضاء الكونجرس لتسهيل اتخاذ القرار لصالح اسرائيل. حيث يعدون لهم الدراسات، الاقتراحات، النقاش، والخطاب من وجهة نظرهم.
سر النجاح في استمالة اعضاء الكونجرس، او من يريد ترشيح نفسه لهذا المنصب، يكمن في مكافأة المؤيد لمشروع اللوبي، ،ومعاقبة من يتحدى اجندتهم. من المعروف ان العنصر الهام في السياسة الامريكية،يكمن في تمويل الحملات الانتخابية. يموّل اللوبي 60% من الميزانية الانتخابية لكل المرشحين. فمن يؤيد ويدعم سياسة اسرائيل " فهو في عيشة راضية" ومن يعارض هذه السياسة، فامُّه هاوية، ويهتم اللوبي بالتفتيش عن الغريم المناسب، وجعله يتفوق على من يتحدى اجندة اللوبي. هكذا يعمل اعضاء اللوبي ايضا، مع الصحفيين والمحررين في وسائل الاعلام.
لا مجال للشك حول فاعلية هذا الاسلوب. وهنا مثال على ذلك: في انتخابات سنة 1984 قرر اللوبي اسقاط السيناتور تشارلز فِرسي من إِلينوي، والذي كما قال عضو بارز في اللوبي، انه اظهر قلة تفهم، وحتى عداء لما يطرحه اللوبي. فماذا كانت النتيجة؟ يقول رئيس الايباك آنذاك؛ طوماس داين: " عمل كل اليهود في امريكا من الشاطئ الى الشاطئ لاسقاط فِرسي. وهكذا نضمن ان كلّ من يشغل منصبا عاما، او يصبو ليشغل منصبا كهذا، يكون قد تعلم الدرس".
وكما ذكرنا سابقا، فإن كثيرا من عمال اللوبي يتمركز في تلة الكبيتول، للعمل على ارشاد اعضاء الكونجرس. يقول دوجلاس بلومفيلد احد هؤلاء: " من الطبيعي ان يتوجّه اعضاء الكونجرس الى العاملين في اللوبي عند البحث عن اي معلومة، قبل توجههم الى مكتبة الكونجرس. ويطلب من اللوبي اعداد الخطابات، اعداد مشاريع قوانين، نصائح تكتيكية، عمل ابحاث، اعداد خطة عمل للانتخابات، ويطلب منهم الدعم، الدعوة، والتأييد في الانتخابات".
المحصلة هي ان اللوبي يشدد الخناق على الكونجرس، ويتحكم في السياسة الامريكية الخارجية. مع ان السياسة تجاه اسرائيل في المحصلة تؤثر على السياسة العالمية، الا ان الخوض بهذه السياسة في العمق ممنوع في الكونجرس.( من رأى خطاب نتنياهو في الكونجرس الشهر الماضي وحدّة التصفيق على كل ما قال، يستطيع ان يرى بايّ مدى تنقاد الهيئة التشريعية في امريكا، للوبي الاسرائيلي، وبالذات لسياسة الليكود ح.م.).
للوبي تأثيركبير على الهيئة التنفيذية، ليس بقدر تأثيره على الهيئة التشريعية. مع ان نسبة اليهود لا تتعدى 3% الا ان تأثيرهم على نتائج الانتخابات هائل. وذلك لاعتماد المرشحين على الدعم المالي للوبي، ولتمركزهم في ولايات حساسة، مثل: كليفورنيا، فلوريدا، إلِنوي، نيويورك وبانسلفانيا. لذلك يعمل المرشحون كل ما بوسعهم لتفادي معارضة اللوبي.
تحاول المنظمات في اللوبي العمل على عدم وصول اي معارض لسياستها الى منصب هام في السياسة الخارجية. عندما اراد كارتر تعيين جورج بول، لمنصب وزير الخارجية، امتنع كارتر عن تعيينه لهذا المنصب، لانه كان يعارض دعم اسرائيل بشكل اعمى.( كذلك اراد الرئيس اوباما تعيين تشارلس فريمان، ذي خبرة 30 سنة في المجال العسكري، رئيسا للمجلس القومي للاستخبارات، والذي عُرف بعدم موافقته على السياسة الاسرائيلية، حيث صرح سنة 2005 انه لا يمكن لعملية السلام الاسرائيلية الفلسطينية النجاح ما دامت اسرائيل تتمتع بهذا الدعم الامريكي . قام اللوبي بحملة تلطيخ لسمعة فريمان، استغل اللوبي علاقة فريمان الوطيدة مع السعودية للتشهير ضده ، حيث سبق له ان شغل منصب سفير امريكا في السعودية. فكان الخيار لديه اما ان يتراجع عن ترشيح نفسه، او ان ينتظر، حتى يفصله اوباما. ظلّ اوباما ساكتا لما يتعرض له فريمان من تجريح على ايدي اللوبي وانصاره. تماما كما ظل ساكتا ابان العدوان الاسرائيلي على غزة، كي لا يغضب اللوبي. لم يبق لدى فريمان الا الانسحاب من الترشح لهذا المنصب.( ح.م)
يتبنى الاتجاه السائد في الصحافة، الدفاع عن الموقف الاسرائيلي. يقول الصحفي اريك الترمان، ان النقاش بين المختصين في شؤون الشرق الاوسط، يسيطر عليه من لا يطيقون الانتقاد للسياسة الاسرائيلية. ويقول انه بين محرري الافتتاحيات في الصحف هناك 61 يؤيدون الموقف الاسرائيلي بصورة تلقائية، مقابل 5 يؤيدون الجانب العربي او الفلسطيني.
اما القنوات الاخبارية فمن الصعب السيطرة التامة عليها، لان المعلقين لا يستطيعون ان يخفوا ما يشاهدونه، مثلا ممارسات الاحتلال. فللحدّ من التقارير غير المناصرة لاسرائيل، يحاول اللوبي منعها عن طريق كتابة الرسائل للمحررين، والمظاهرات الاحتجاجية، ومقاطعة قنوات الاخبار التي لا تنقل تقارير تبيّض صفحة اسرائيل. يقول احد اداريي ال-سي ان ان، انه يحدث ان يتلقى في يوم واحد 6000 رسالة بريد الكتروني، تشكو قصة نقلتها هذه القناة. في سنة 2003 حدث ان نظمت احدى اللجان المعنية في امور الصحافة والمؤيدة لاسرائيل، نظمت هذه اللجنة مظاهرات في 33 موقعا، في آن واحد، امام محطات الاذاعة الوطنية الامريكية، مطالبةً بوقف الدعم المادي لهذه المحطة، حتى تصبح تقاريرها مريحة اكثر من وجهة النظر الاسرائيلية.
هناك منظمات امريكية تدعى العقول المدبرة، وهذه تضم إخصائيين في المجالات المختلفة لرسم السياسة. يعمل اللوبي على التأثير على هؤلاء وادخال اعضاء اللوبي في هذه المنظمات. وقد استطاع اللوبي السيطرة على معظمها في السنوات الاخيرة. وفي سنة 1985 اسس اللوبي منظمة من هذا النوع اسمها: معهد واشنطن لسياسة الشرق الاوسط( الواينب)و، بقيادة مارتين انديك. هدفها المعلن هو اعطاء صورة متزنة وحقيقية عن الشرق الاوسط. ولكن هذه المنظمة تدار وتموّل من قبل اناس متشددين بدعمهم لاسرائيل، واولهم رئيسها مارتن انديك. لو اخذنا معهد بروكينجز مثلا، كان يدار لفترة طويلة من قبل وليام كواندت،المعروف بحياديته ومصداقيته. اليوم يغطي معهد سابان للشرق الاوسط اعمال هذا المركز، ويمول من قبل حاييم سابان، ويقف على رأسه ليس احد سوى مارتين انديك اياه "الموجود في كل مكان".
الجامعات هي المكان الوحيد الذي لا يوجد للوبي سيطرة عليه، فمنذ سنوات التسعين، وخاصة بعد اخفاقات اتفاقية اوسلو، بدأ النقاش يحتدم حول الوضع في الشرق الاوسط ، واخذت تشتد الانتقادات الحادة والتنديد بالسياسة الاسرائيلية. فكان رد اللوبي بتركيز الموارد والكوادر للتصدي ومحاولة الدفاع عن السياسة الاسرائيلية. واخذ يعد الكوادر الطلابية، وجلب محاضرين، وانشاء تنظيمات تحت مسميات مختلفة، عن التعايش والسلام الى آخره، لكن الهدف الاساسي، هو محاولة تبييض صفحة السياسة الاسرائيلية في الجامعات. عمل اللوبي على مراقبة ومتابعة ما يكتبه ويعلّمه اساتذة الجامعات. في سبتمبر 2002 أنشأ مارتين كرامِر و دانيل فايفس، وهما من المحافظين الجدد، ويعملان لصالح اللوبي، أنشأ موقعا على الشبكة العنكبوتية تحت اسم " كامبوس ووتش" فيه ملفات لكل الاكاديميين المشبوهين من ناحيتهم. شُجّع الطلاب في ادخال ملاحظات عن كل مدرس، سواء سلوكية او معلوماتية، خاصة اذا كانت "معادية" لاسرائيل. اعتبر هذا العمل مخالفا، يحد من حرية التعبير، ومهددا لبعض الاساتذة. اضطرّ الاثنان على ازالة الملفات، ولكن شجعا الطلاب على الاخبار عن اي نشاط "معادي".
