يحكى أنّ مكفوفا وقف على نخّاس بسوق الدوابّ وقال له: أبغي حمارًا ليس بالكبير المشتهر، ولا بالصغير المحتقر، إذا خلا له الطريق تدفّق، وإذا كثر الزحام ترفّق، إن أقللت علفه صبر، وإن أكثرته شكر، وإذا ركبته هام، وإن ركبه غيري نام.
فقال له النخّاس: اصبر، فإنْ مسخ الله القاضي حمارا أصبت حاجتك إن شاء الله.
من يطلّع على صحف اليوم، ويفتّش بسراج وفتيلة عن موقف حازم جازم، لا يجده إلا عند حكّام إسرائيل؛ لا لوقف الأنشطة الاستيطانيّة، لا للانسحاب الكامل، لا لدولة فلسطينية حرّة ومستقلّة وتتحكّم بمقدراتها وبخيراتها وبأجوائها وبمياهها وبترابها و ...و...، لا لعودة اللاجئين، نعم للقدس موحدة وعاصمة إسرائيل الأبدية، نعم لتبادل دمغرافي ما بين المستوطنين وعرب المثلث!!
"شو بدكوا أحزم من هيك مواقف!"
أمّا ماذا يريد الحكام العرب الذين يقفون في سوق الدواب كالمكفوفين، لا يعرفون أيّ حمار يبغون؟ ورغم قلّة العلف يصبرون ويكابرون!
هناك العديد من اللقاءات والاجتماعات السرية والعلنية، والتصريحات النارية والتطمينية، وأوباما ما زال مضطربا، ويحضّر ويستعدّ ويتأهّب ويهمّ، ثم يدرس ويحضّر ويلتقي بالزعيم الأول والثاني و... ويعدّ للعشرة، يزوره ويعرض عليه الرئيس المصري فيلم "أريد حلا"، ويلفت انتباهه لصراخ الممثلة الكبيرة فاتن حمامة : أريد حلا. فيصرخ أوباما: أريد حمارا ليس بالكبير ولا بالصغير ويقاطعه أصحاب السعادة والجلالة والفخامة و... بصوت واحد موحّد وعلى نفس الدرجة الموسيقية يقولون له: قل أريد المبادرة الأمريكية، ويتداركون ويصحّحون، لا المبادرة العربية وفشر توماس فريدمان!
ويسأل أوباما الزعامات العربية إن كانت قد قررت التطبيع، أم السلام، أم إنهاء حالة النزاع مع إسرائيل بعد انسحابها إلى حدود 1967 ؟!
وجاء ردّ بعض الإخوة، نحن لا ننتظر!!
لا بأس من أن تتحوّل مبادرة الإدارة الأمريكية، التي نقلها الصحفي الصهيوني توماس فريدمان إلى الأمير عبدالله (ثم أصبح ملكا)، إلى مبادرة الأمير ... ومن ثم إلى المبادرة العربية بعد إقرارها واعتمادها في قمة بيروت سنة 2002، المحمولة على صهوات الخيول العربية الأصيلة، للسياحة وللاستجمام وللتعديل، بدون تدفّق وبترفّق تامّ، وإذا ركبها غير الفلسطيني نامت، والفلسطيني مشغول بانقساميْن؛ انقسام الضفة وغزّة، وانقسام فتح وحماس.
أنا لا أستغرب من معاملة الإدارة الأمريكية للزعامات العربية كغنائم، ومن أنّها تبقي صداقتهم وصدقهم طيّ الكتمان وسرّا مخفيّا قد يشكّل كشفه تهديدا أعظم من بديل المبادرة، ومن انشغال الإدارة الأمريكية وحكومة إسرائيل بالنووي الإيراني وبالنهايتيْن؛ العظمى والصغرى لوقف النشاط الاستيطاني، إذ تطالب الإدارة الأمريكية بوقف الاستيطان لمدة سنة على الأقلّ، أمّا إسرائيل فترفّقت وأبدت استعدادا لستة أشهر على الأكثر !!
لا نحن لسنا شركاء في حالة الذل والهوان!!
لنُصِب حاجتنا الفلسطينية أيها الفلسطينيّ! لنصبح على خير!
