لست هنا بصدد الحديث عن الحلاقة وانواعها، بل لكي اتساءل: لماذا معط ساركوزي شعره؟
للشعر مكانة تسمو او تدنو، بحسب موقعه في الجسم. فمكانة ما تحت الأبط مثلا، ليست كالذي ينمو في مكان آخر اوطأ قليلا، وفي الوسط تحديد. وأرقى الشعر مكانة ما ينبت في الوجه، شوارب كان او لحى. لا بل ان العرب جعلوا من هذين الموقعين رمزا للشرف والوفاء والرجولة والكرامة. يُقسمون بها كما يقسمون بالمقدسات، كتبا او اماكن. واعتادوا على امساك الشارب او اللحية كتأكيد على الوفاء بالوعد مهما كان، ومن هنا جاء اليمين المانع القاطع: "مسكة على هالشوارب"، او "مسكة على هاللحية".
ومن حكاياتنا الشعبية ان شيخا جليلا من قرية جليلية نائية، احتاج الى مبلغ من المال خلال وجوده في مدينة عكا، ثمنا لبضاعة اشتراها ناسيا انه نسي محفظة نقوده في البيت. استشار الشيخ احد معارفه فأشار عليه: اذهب الى البنك وخذ قرضا يغنيك عن "جميلة الناس".
ولم "يكذب الشيخ خبرا". دخل غرفة مدير البنك وعرض عليه طلبه، راح المدير يصغي، متأملا ملامح الشيخ ذي اللحية الطويلة المهيبة وقد خطها الشيب، والوجه الهادئ اللطيف، والعينين الموحيتين بالصدق والوفاء.
- ألديك كفلاء يكفلونك يا شيخ؟ سأله المدير.
- ومن أين لي الكفلاء ولست في قريتي وما من يعرفني هنا.
صمت الاثنان برهة قبل ان يمعط الشيخ بعضا من شعر لحيته قائلا:
- الا تكفي هذه كفيلا؟
تأثر المدير وهو يلمس الصدق في كل كلمة وحركة وقال: لك ما تريد. اخذ الشيخ المبلغ ودفعه ثمنا للبضاعة.
وبما ان من حق العمل الخيّر ان ينتشر، فقد راح الشيخ يروي حكايته على اهل القرية. احدهم، استغل الحادثة. توجه الى البنك، و"دوز دوغري" الى المدير، الذي استقبله بفنجان قهوة وكأس ماء وترحيب سائلا عن طلبه. أخبره بمثل ما فعل شيخنا الجليل.
ووجه اليه المدير الكلام ذاته:
- الديك كفلاء؟
- لا
- ومن يضمن لي انك ستعيد المبلغ الى البنك؟
فما كان من الشيخ الا ان مد يده الى لحيته، ومعط منها خصلات كثة، معيدا على مسامع المدير ما كان سمعه من الشيخ الجليل:
- ألا تكفي هذه كفيلا؟
الا ان المدير ضحك هذه المرة حتى اهتز الكرسي الوثير من تحته، مدركا ان امامه نصابا. ثم امره بالخروج قبل ان يشرب قهوته، قائلا: "معطك مش معط سداد"!
بعض التصرفات لا تحتاج الى كثير ذكاء لادراك ما تخفيه. تعرفون حكاية الثعلب الذي قرر التوبة والبدء بانتهاج الطريق القويم. فلبس ملابس الأحرام وأدى مناسك الحج جميعا. لكن الامر لم ينطل على معارفه، فقفزاته ما زالت هي هي وحيله ما زالت على حالها. والحج لم يغير فيه شيئا. وتعرفون كذلك التعرجات الجنبلاطية.
في البداية طالب ابو تيمور برأس "الاسد"، المجرم المستبد المتسلط، الجبان، قاتل رفيق الحريري. كما أدان تهوّر حزب الله و"توريطه" الدولة اللبنانية في العدوان الذي شنته اسرائيل عليها. واستنجد بأمريكا وبيوتها، لا لجعل اسرائيل تنسحب من مزارع شبعا وسائر الاراضي العربية المحتلة، بل لتخليص لبنان من "آفة التطرف" ومن الانظمة القمعية في المنطقة (طبعا هو لا يعني "دمقراطيات السعودية واليمن ودول الخليج!) (يزعم البعض ان الوليد عرّج على تل ابيب في طريق عودته من واشنطن).
وها هو اليوم، وبعد ان لم "تزبط" مشاريعه المشتركة مع الاجنبي الغريب، يقرر اداء مناسك الحج. واذا به يعتبر ان زيارته لامريكا نقطة سوداء في تاريخه وتاريخ حزبه. وإذا به يخطب ودّ "المجرمين"في دمشق. الا ان احدا لم يشر الى انه معط لحيته، اذ لا لحية له. او انه نتف شعر رأسه (كما فعل ساركوزي) اذ لا شعر في رأسه يستحق النتف ايضا.
ولعلكم تتساءلون: وما دخل ساركوزي حتى ينتف شعر رأسه.
انا أقول لكم.
احد الزعماء في المنطقة هدد مصر – لا فرنسا – بتدمير سد اسوان واغراق ارض الكنانة عن بكرة ابيها. ثم "عدّل" خطوته، فهدد مصر – لا فرنسا – بقنبلة ذرية لا تبقي ولا تذر. وبما ان الطنجرة الليكودية كانت تبحث عن غطاء يناسبها، فقد وجدته في افيغدور ليبرمان. قرر نتنياهو تعيينه ليمثل الوجه الاسرائيلي "الجميل"، وزيرا للخارجية "خبط لزق"! وعندما اُعلمت باريس بذلك، "طار ظبان عقلها"، وعبّر رئيسها (رغم يمينيته) عن دهشته واستغرابه لاختيار مثل هذه الاسطوانة المشروخة او الابرة المشرومة. "أأمعط شعري؟" قال لنتنياهو.
اما الأعراب، فلم يمعطوا شعرا ولم ينتفوا شاربا، في البداية "شطوا ونطوا"، وقرروا ألا تطأ قدم ليبرمان ارض مصر الطيبة. لكنهم سرعان ما انصعاوا للمدجّن. عادوا الى المنطق و"العقلانية" اذ لا يليق بزعيمة العالم العربي ان تنجر خلف النفايات المهنية المصرية وهيئات المجتمع المدني المتطرفة في مصر، يجب ان تبقى "حضارية". ثم أليس تعيين ليبرمان وزيرا للخارجية، شأنا داخليا بحتا؟!! وإثباتا لتوجهها "الحضاري" هذا، وجديّتها في اعادة الجندي جلعاد شليط الى بلده واهله، قررت توجيه دعوة للوزير ليبرمان بالذات، لزيارة النيل والاهرام والصعيد وسد اسوان وضريح "بطل" السلام انور السادات. وربما يقوم مرافقوه من المهندسين والخبراء، برسم خرائط الاراضي التي سيغمرها الفيضان حين يحين الحين!! شأن داخلي ايها الصلعان والقرعان؟!!
وبالمقابل، وتعبيرا عن "رغبة" الحكومة الاسرائيلية في "السلام" والتعايش مع الجيران العرب، وجهت تحذيرا يقضي بعدم ضم حزب الله "الارهابي"، الى حكومة "الشيخ" سعد وليد بيك والحكيم جعجع. وربطت امكانية التوصل الى سلام (استسلام) مع سوريا، بفسخ علاقتها مع ايران وحزب الله، وبطرد "منظمات الارهاب" من اراضيها، واشترطت على العرب جميعا فتح اجوائهم امام الطائرات الاسرائيلية المغيرة على ايران الفارسية "غير المسلمة"!! بمساعدة صديقنا اوباما!
اوباما هذا فيه صفة عربية بارزة، فهو يعلن من جهة، شبه عداء لاسرائيل بسبب نشاطها الاستيطاني في الاراضي الفلسطينية، تماما مثلما يعلن الملوك والامراء والرؤساء العرب عداءهم لها، ومن ناحية اخرى، تقوم امريكا باجراء مناورات جوية مع سلاح الجو الاسرائيلي في المجال الجوي الامريكي، للتدرب على تزويد الطائرات بالوقود، خلال طيرانها لمسافات بعيدة (مثل ايران!). ماذا تريدون اكثر من هذا العداء الامريكي للسياسة الاسرائيلية؟!
ولم ينتف زعيم عربي واحد لحية او شاربا او شعر رأس لا تلوموهم. فماذا عساهم يفعلون وقد خلت وجوههم من هذا النوع من الشعر، وليس في اجسادهم من مواقع الشعر سوى تلك البؤر في الاماكن التافهة، تحت الأبط، او حول الاعضاء الذكورية، وربما حتى هذا النوع لم يبق له اثر. اذ تمت ازالته – لا كما البؤر الاستيطانية – قياما بواجب المعاشرة مثلا..-
***
* تنقير *
بسبب ازدياد "منسوب الاخلاق" الاسرائيلية، اخترعت الصناعة هنا جهازا للكشف عن البطانيات ومجففات الشعر ومآزر الحمام وغيرها، مما يحمله رواد الفنادق لدى مغادرتهم لها..
