ثلاث سنوات كاملة مرت على ما جرى فى سوريا .. ثلاث سنوات من التشرد والهدم والدم .. مصالح ومخططات مهدت لبدء ما جرى.. لكن بسطاء صادقين لاحت أمامهم أضواء الحرية فخرجوا يهتفون بالغناء والتصفيق "سوريا بدها حرية" حتى بدأت قرقعة السلاح .. فضاع الجميع .. وانهدمت البلاد .. وبدا أن حلم "الدولة الحرة" قد غدا نوعا من العبث .. بعد أن انهدمت الدولة أصلا .. فأنّى لها أن تدرك الحرية؟!
السياسى والمفكر السورى المعارض هيثم مناع، رئيس "هيئة التنسيق الوطنية فرع المهجر"، التى تمثل معارضة الداخل وتتبنى التغيير السلمي والحل السياسي منذ اليوم الأول للأزمة، كتب يوما فى غضون شهر تشرين الثاني الماضى، قائلا ان الحركة الشعبية في تونس ومصر أوجدت بيئة عامة للتغيير السلمي وأيقظت المقاومة المدنية، وأن الحراك الشعبى الأول فى مدينة درعا، مسقط رأسه، رفع شعارات "لا إخوان ولا سلفية بدنا دولة مدنية"، "سلمية ولو قتلوا كل يوم مية"، "لئن بسطت إلى يدك لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك لأقتلك إنى أخاف الله رب العالمين." لكن ما حدث هو أن هناك أطرافا قررت منذ البداية تحديد المسار والمآل من الخارج على حساب الحراك الشعبي المدني السلمي، وكان ذلك من جنايات المأساة السورية، على حد قوله.
ساهم مناع فى الكشف عن حقيقة ما جرى، عندما كتب موضحا، ان الجميع يذكر كيف أطلقت عناصر إخوانية صفحة "الثورة السورية ضد بشار الأسد" منذ شهر كانون الثاني 2011، على موقع "فيسبوك"، وطالبت بالخروج فى ذكرى مجزرة حماة يومي 4 و 5 شباط. وبعد الدعوات الى الثورة فى 15 اذار، من جانب نفس الصفحة، خرجت صحف لتكتب صباح يوم 16 اذار عن مظاهرات وضحايا، ولم يكن قد سقط أي جريح أو قتيل في ذلك الوقت، لكن الخطاب كان جاهزا عند البعض، بل والتضليل الإعلامي أيضا، كما يقول مناع.
وبهذا يمكن القول، ان الحل السياسي للأزمة قد تم اجهاضه مبكرا، منذ يومها الأول، ولكن عاد الحل السياسي ليطرح نفسه من جديد، وسط ضغوط هائلة من القوى الخارجية، سواء تلك التى تدعم النظام السوري، أو الأخرى التي تدعم معارضة الخارج، حيث أقنعت، أو أجبرت، هذه القوى حلفاءها السوريين من الجانبين على الجلوس معا على طاولة واحدة للحوار، فى اطار ما يعرف باسم "مؤتمر جنيف 2"، بجولتيه الأولى والثانية، الذى تحول الى "مكلمة سبابية"، عنوانها العام هو، "الرفض الكامل والتخوين المتبادل".
لم تلتزم المعارضة الخارجية، المتمثلة فى "الائتلاف الوطني السوري"، بالمحددات التى كانت هى ذاتها قد وضعتها لقبول الحوار مع النظام، كالافراج عن المعتقلين وفك الحصار عن المدن وسحب الآليات العسكرية منها، ولم يلتزم النظام بالاطار الذى حدده مؤتمر "جنيف 1" للحل، المتمثل فى تشكيل حكومة انتقالية بالتوافق بين النظام والمعارض، ففي ظل الضغط الغربي "الأمريكي"، ذهبت المعارضة الى جنيف بلا محددات، وفى ظل الضغط الشرقي "الروسي"، ذهب وفد النظام الى جنيف، بينما يصرح أعضاؤه قبل استقلال الطائرة، بأنهم لن يسلموا مفاتيح دمشق لمجموعة من الصغار الواهمين، لذا فقد كان طبيعيا أن يفشل "جنيف 2"!
وفى ظل الأنباء التي تشير الى الاحباط الذى يشعر به منسق الحوار ذاته، المبعوث الدولي العربي للأزمة السورية الأخضر الابراهيمي، واحتمال تقديمه استقالته قريبا، فإن ملامح الصورة المستقبلية للحل السياسي تبدو غائمة، غامضة، مضطربة، غير مبشرة. لاسيما في ظل ميل طرفي الصراع حاليا، بعد فشل الجولة الثانية من مفاوضات جنيف، الى الحسم العسكري على الأرض، ربما ليس لتحقيق انتصار كامل، يبدو مستحيلا لأى طرف، بل على الأقل لتحسين الوضع التفاوضي، فى اطار الحل السياسي، أى أن التفاوض يجرى بلغة الرصاص! ولكن هل تريد القوى الخارجية، المؤيدة للنظام والمعارضة على السواء، نجاح الحل السياسي حقا؟
فيما يتعلق بموسكو، فإن الحل الذى يمكن قبوله ينبغى أن يكون حلا "سوريا أوكرانيا" مشتركا، وهو ما طرحه الروس على الأمريكيين بالفعل، عقب الجولة الثانية من مفاوضات جنيف، بطلب مناقشة القضيتين "كحزمة واحدة"، لتبادل التنازلات والمصالح بالطبع، لكن الأمريكيين رفضوا.
وفيما يخص واشنطن، فإن الحديث عن الدعم الكبير للحل السياسي، يوازيه توقعات استراتيجية للمخابرات الأمريكية بأن الحرب الأهلية فى سوريا يمكن أن تستمر عشر سنوات أخرى وربما أكثر، فعن أي حل سياسي يتحدثون؟!
لكن المصلحة الأمريكية متحققة فى كل الأحوال، بالحل السياسي وبدونه، فقد انهدمت الدولة الكبرى، الواقعة على حدود الحليف الاسرائيلى المترقب، المتحفز.
حقا ان النظام فى هذه الدولة لم يطلق رصاصة واحدة لتحرير أرضه المحتلة فى الجولان على مدار 40 عاما، لكن من المفيد "أمريكيا واسرائيليا" أن تنهدم هذه الدولة أيضا، وأن تسوى بالأرض تماما، وهو ما يجري بالفعل منذ 15 اذار!
كلمة أخيرة تبقى .. لاعبو الشطرنج الدوليون .. يحركون البيادق العربية .. تحت اسم الحرية .. التى افتقدناها طويلا .. فتعلقنا بأول أمل للوصول اليها .. وظننا حراكنا "ربيعا" .. لكننا ضللنا الطريق كثيرا .. كثيرا! (عن "الأهرام" المصرية)
