30 يونيو وصور عبد الناصر
دائما في قمة الاستعداد لقدوم الشهر الفضيل رمضان، تكون المسلسلات العربية والبرامج الفنية هي الدهاليز البراقة المفعمة بالحركة والجذب والاضواء ووجوه الممثلين والممثلات، حيث يحفر القائمون على هذه المسلسلات عبر الصور المتناثرة والاعلانات اللاهثة حفر تلهف وملاحقة واهتمام وانتظار لكي تصيد المشاهد العربي ويسير وراء شاشاتهم الفضائية، ويصبح التنافس التجاري الفني بين القنوات والفضائيات من علامات النجاح الكاسح.. لكن المشاهد العربي الذي يعتبر المسلسلات والبرامج الرمضانية جزءا من الأجواء التي يدخلها برحابة واغراء هذا الشهر يكون قد أخطأ الحساب، لأن هناك واقعًا يجبره على الدخول فيه ويدفعه لرؤية الحقيقة العارية البعيدة عن التزييف، واقع المجتمعات العربية المتناحرة، المظلومة، المنهكة، البائسة، الفقيرة.. هنا المسلسلات الحقيقية الناطقة باسم المواطن الذي اراد التعبير عن رفضه.
ان الطوفان البشري الذي نزل الى الشوارع والميادين والحارات والأزقة والجسور المصرية ونادى برحيل الرئيس محمد مرسي لهو اصدق مثال على الازمات التي تعيشها الأمة العربية والاسلامية، أزمات الربيع العربي الذي تكلل بثورات لم ترتق الى احلام الشعوب بل اغرقتها في مستنقعات من الخلافات والاقتتال والدمار والدماء والهيمنة الخارجية والمؤامرات. السيناريو الشعبي المصري أذهل العالم، وتبين أن مخزون واحتياطي الوجع والانتظار قد نفد، وان بوصلة الشعب أكبر وأقوى من المخططات التي تُكتب وترسم في المكاتب الفوقية البعيدة عن نبض الشارع الذي يملك بوصلة الزلزال.من راقب الرئيس محمد مرسي عن كثب في خطاباته وتصريحاته وتفحص جيدا عباراته التي تتغلغل فيها كميات ضخمة من السذاجة وعدم المعرفة والرضوخ العام لجماعته، يعرف أن هذا الرئيس لا يصلح ان يكون رئيسا، ليس بسبب غياب الكاريزما الخاصة بالزعماء بل بسبب غياب الرؤية والمقدرة السياسية على ادارة الدولة (لقد شبهه الكاتب محمد حسنين هيكل بالعمدة في الارياف). راقبت عشرات البرامج المصرية التي تسخر من الرئيس محمد مرسي، من برنامج "البرنامج" لباسم يوسف الى آدم شو للفنان أحمد آدم، مع أن السخرية والنكتة هي من طبيعة الشعب المصري الا ان هناك أرضية مهدها الرئيس مرسي للتمادي في الصورة الساخرة، فهو لم يساعد نفسه في الخروج من عباءة الرضوخ والطأطأة للآخرين، وكان الشعب المصري بجميع تياراته السياسية يعرف أنه رئيس يتحرك - بالروموت كنترول- فهناك من يهندس ويخطط له، وما قطع علاقته مع سوريا وطرد السفير السوري الا مسمار دق في نعشه، والايام القادمة ستكشف عن الأصابع التي عبثت بالمقدرات والسياسة المصرية، من قطر الى السفيرة الامريكية في القاهرة الى والى... ألخ.
الطوفان البشري الذي طوّق وجود مرسي وقام بقص الحبل السري بينه وبين الرئاسة وصفع الذين راهنوا على استمراريته، هذا الطوفان الهادر الذي كان القول الفصل وقطع برفضه وبكلمة "ارحل" أي مشروع قد يرمم وجود مرسي الذي اعترف بأنه أخطأ في بعض القضايا، ذكّرني بعبارة الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي الي قال لشعبه "الآن فهمتكم"، لكن شعبه لم يغفر له.
الانتظار في الشوارع النابضة بالهتافات المجلجلة و رحلة المد والجزر التي استمرت عدة ايام حتى اجبر الرئيس محمد مرسي على الرحيل يحمل في طياته مئات الاسرار والحكايات التي ستكون مادة دسمة للأيام القادمة والتاريخ المصري الحديث، هذا السقوط المدوي لجماعة الاخوان المسلمين في مصر سيفتح شهية كتاب المسلسلات والافلام، والمستقبل سيكفل لنا مئات المسلسلات والافلام التي ستدور عن هذه الفترة التي كنا شاهدي عيان على احداثها، ولا نعرف هل ستكون مصر هي المقدمة الأولى لنزول الشعوب العربية الرافضة الى الشوارع؟ المجد للشعوب التي تحتم وتصر على التغيير وتكسير الكراسي فوق رؤوس من يستهين بها، المجد للشعوب التي ترفض من أصغر طفل الى أكبر عجوز، فالشعوب هي التي تملك مفاتيح أبواب المستقبل، الشعوب هي الأرض التي تتكسر فوقها جميع الرؤوس التي لا تنحني لها.مهما كتب الساسة والسياسيون و كلما زادت الظلمة على الشعوب امكننا رؤية النجوم، والشعب المصري أثبت بأنه القادر بعد أن وُصم بالاستكانة والعجز وكانوا يسخرون من شعاره - اللي بتجوز امي بنقولوا يا عمي - وعلشان نعلى ونعلى لازم نطاطي نطاطي أغنية شهيرة للفنان سيد درويش، هذا القفز والعلو الآن منحه شهادة تاريخيه تقول - احذروا غضب الشعب المصري - شهادة ستحفظها امريكا وباقي الانظمة العربية التي تلعب في منطقة الخطر بغرورها واموالها واجنداتها التواطؤية.
ان الزعماء لا يموتون بل يبقون في الذاكرة، خميرة العجين وخبز الحاضر، خلال ثورة 25 يناير ضد الرئيس مبارك حملوا صور جمال عبد الناصر ورددوا كلماته، وفي ثورة 30 يونيو أيضا رددوا كلماته واقواله وكان مثالا للزعامة التي تعيش وترتقي بالشعب. وعندما سمعت أغنية "احنا الشعب" تتردد بين الجماهير، كان عبد الناصر حاضرا في الشعب وفي هتافاته وفي احلامه، (احنا الشعب اخترناك من قلب الشعب نحن اخترناك وحنمشي وراك يا فاتح باب الحرية يا ريس يا كبير القلب).
والشعب المصري الآن بحاجة لرئيس يكون في قلب الشعب والشعب في قلبه، لذلك سيكون مسلسل الشعب أكبر وأهم المسلسلات المصرية هذا العام.
