حين تكون الدِّيمقراطيَّة والإعلامُ الحرُّ انتقائيًّا، ويُلقي بضوئه على زاويةِ دون أخرى أو يُلقي بعتمتهِ على الجهةِ التي لا تتماشَى مع مصلحتهِ، بل تُخرِسُ أصواتًا بجهازها الكاتم، حتى لا يعلو صوتٌ على صوت دعايتهم وحتى لا تكون صورةٌ، غير التي يصوِّرُونها للمشاهدين، وحتَّى يبقى مشهدُ التَّحريضِ والتَّضخيمِ والتَّشكيك المُغرِض والموجِّه، هو المشهدَ والشَّاهِدَ والمشاهَدَ والمشهودَ بزيفهِ وتسويفهِ وتزويرهِ وتشويههِ بافتراءاتٍ رخيصة وخسيسة، ليكونَ سلعةً جاهزةً لطرحِها على المستهلِكين من المحرِّضين والعنصريِّين وضعاف النُّفوس، حتَّى من ابناء جلدتك، يصدِّقون دعايتهم ويروِّجون لها، حينها ينتصرُ "الإعلام الحرُّ" ويصبح أداةً سلطويَّة تخدمُ بلاط السُّلطان وسيفهِ..
حين قَتل الارهابيُّ الأطفالَ في طولوز، وتبيَّن لاحقًا انَّه عربيٌّ جزائريٌّ مسلمٌ، بدأ التَّحريضُ الأرعنُ، حالا، في كلِّ وسائل الإعلام المتعدِّدة على العربِ والمسلمين، دون أن يُرَدُّ سيفُ التَّسويف إلى غمده.
حين هاجم زعران "بيتار يروشلايم" العنصريُّون، بكلِّ ما لديهم من "عتاد"، عائلةً مقدسيَّةً أتت مجمَّع المالحة، للتَّنزُّهِ ولشراء بعض حاجيَّاتها، كذلك هاجموا العمَّال العرب فيه، لكونهم عربًا، ومن بعدها بدأت شلَّة الدَّاشرين تنعق بأعلى صوتها "الموت للعرب" و"مات محمَّد"، ففي هذه الحادثة، طغى صمتُ القبورِ على الإعلام، وكأنَّ شيئًا لم يكن، لأنَّ هذا الدمَ محلَّلٌ بناموس أخلاقهم الصَّهيوني، وعندما فضحت صحيفة "هآرتس" الخبر، بدأوا التَّحقيق. حيث عمَّمت شرطة حيفا بيانًا، في الاسبوع المنصرم، على لسان قائد لواء السَّاحل، مفاده:
أَنَّ مجموعة من الشَّباب العرب هاجمت جنديَّين يهوديين، إذ ان: " حادثة اعتداء على جنود، لا تحصل كلَّ يوم، ويجب معاقبة المعتدين حسب ما ينصُّ عليه القانون". وقد وصفت وسائل الإعلام المُحرِّضة، وما أكثرها، أنَّ شبابًا من العرب هاجموا جنديَّين وكتبت الصُّحف "بالبُنط" العريض، أنَّ العرب في حيفا ارتكبوا "لينشًا" بحقِّهما (مصطلح اللينش تعني إعدام بدون محاكمة)، وتبيَّن لاحقًا أنَّهما كانا يرتديان ملابسهما العاديِّة. وبدأت زوبعة وجوقة التَّحريض، من جمهور المتسلِّلين إلى المواقع الالكترونيَّة من تعليقات نابيّة وعنصريَّة وسافلة ووقحة على العرب، لا تليق بأخلاقنا الحميدة ترجمتها ولا بنشرِها.
وحين يقوم أمريكيٌّ بقتل زملائه في المدرسة رميًا بالرَّصاص، يُتَّهمُ حالا بالتَّخلف العقليِّ أو أنَّه كان تحت تأثير الكحول أو عقّارات مخدِّرة أو مهدِّئة للأعصاب لذلك لم يسيطر على نفسه أو على تصرُّفاته..
الخلاصة: إين هي مِهنة الإعلام من مِهَنيَّتها، وأين هي حرَّيته في حرِّيتها وأين هو شرف الصَّحافة وإذا لم تجدْ هذا الحيِّز من العمل المحايد، والهادف الإيجابي، يكون الاعلام قد فقدَ موضوعيَّته ومصداقيَّته ومِهَنيَّته وشرف مهنته ويصبحُ مغامرًا في السِّياسةِ ويلعبُ بالنَّارِ، ومثيرًا للفتن التي تؤدِّي بالبلاد والعباد إلى هاوية الخراب والدَّمار..
يجبُ على الإعلام أن يكونَ مستقلاً ونزيهًا، ليستطيعَ أن ينهضَ بالمجتمع، ويساهمَ في عمليَّة التَّقارب ونَبذِ الاحتراب، ومنارةً تبيِّنُ عيوب النِّظام لإصلاحهِ، وصوتًا للذين لا صوت لهم، ليكون رافعة سلامٍ وتنمية ومحبَّة ومساواة وديمقراطيَّة.
فالحقيقة أمانة والكذب والافتراء خيانة..
