استيقظ أبو عرب باكرا، فدخل الحمام واستحم وتطيب ولبس ملابسه وكأنه سيذهب للاشتراك بحفل زفاف أو للاشتراك في برنامج تلفزيوني ذائع الصيت. بعدها تناول وجبة الفطور وهم بالخروج، وخلال مسيره من البيت إلى محطة الحافلة القريبة استوقفته جارته فهيمة الشمطاء وذات اللسان الطويل بسؤالها:
- إلى أين أنت ذاهب يا أبا عرب؟
فرد أبو عرب بقوله: "أنا ذاهب إلى التحناه لكي أسافر في الباص إلى كنيون المدينة القريبة".
- فسألت: "وماذا ستفعل في الكينيون؟"
- "سمعت أن هناك مفتصاع، أعلنت عنه شركه البلفونات"؟
- "مفتساع ماذا؟"
- يمنحوك حفيلا، تشمل 200 هودعاه مجانا، زمان افير مجانا،مزكيرا الكترونت مجانا، جليشا بالانترنت مجانا، وتستطيع أن تشتر المخشير ب 36 تشلوميم. ماذا تريدين أفضل من ذلك؟".
- "والله مفتساع مليح ومريح. وبعد ذلك ماذا ستفعل؟ "
- "سأذهب إلى حانوت المحاشفيم، لان المفتساع عنده حتى نهاية الشهر. محاشيفي خربان، المساخ احترق، المعبيد بطيء، المكليدت بدون كباسات والعخبار قديم وبحاجة إلى تغيير. يقولون بان أسعاره رخيصة وزهيدة كون المحل سينقل من قبل صاحبه إلى مكان جديد لذلك فصاحبه عامل حيسول".
وبعد ذلك، لأنني أدرك انك ستسألينني هذا السؤال، سأعبئ طوفس لوطو وسأعود أدراجي إلى البيت.
- "نسيت أن أسالك عن السبب الذي دعاك الى عدم الامتثال في مكان عملك اليوم".
- " كما تعرفين فقد تعلمت في المدة الاخيرة كورس يمكنني من أن اعمل مناهيل في ورشه البناء التي سيبدأ ببنائها جارنا علي في الأسبوع القادم".
- "ومنذ متى يعمل جارنا علي ككبلان بنيان؟"
- الله يرزقه، لقد عمل في البداية كصاحب شركة كوح أدام وكان يتقدم للكثير من المخرازيم ويفوز بها، لهذا قرر توسعة أعماله لذلك اقتنى مشئفوت للباطون، جبالات وعدة أخرى للعمل، وبدأ يعمل كبلان".
- "والله كل الاحترام له، فهو يستحق كل خير".
- "حسنا يلا باي جارتنا، ها قد حان وقت مجيء الحافلة".
***
هذا ملخص الحديث الذي دار بين أبو عرب وجارته فهيمة، فلا تؤاخذني عزيزي القارئ من الدول العربية، فيما إذا قرأت الحوار ووجمت، كونك لم تفهم فحوى الحوار كاملا، لا بل وقفت مشدوها متسائلا، هل حقا هاتان الشخصيتان تكلمتا اللغة العربية أم لغة شرق أوسطية مرصعة بكلمات عربية؟
الحق معك، ولكن عليك أن تعرف عزيزي بان هذا الحوار وهذه اللغة هي اللغة السائدة والدارجة بين فلسطينيي الداخل أو عرب 48 أو عرب إسرائيل كما يسمينا البعض عنوة. فاللغة هي أساس الوجود، وهي الكيان وهي الضمير الحي لكل إنسان على هذه الأرض، فكل شخص أو شعب يحاول جاهدا ودائما ترسيخ وتعليم لغته لأبناء ملته، وان يصونها ويحافظ عليها خوف أن تذهب أدراج الرياح وبذلك يفقد هذا الشخص أو تلك الامة نوعا من مميزاتهما وخصوصيتهما وكيانهما وحقهما في الاستمرار على هذه الدنيا.
فنحن كما تعلمون اقلية تعيش بين أكثرية يهودية وفي دولة تعرِّف نفسها بأنها يهودية وتتبع لشعب واحد لا يقبل القسمة على اثنين، كما أنهم ينكرون ويتنكرون لوجودنا وحقنا في العيش على هذه الأرض، لذلك حاولوا جاهدا في الماضي طمس هويتنا ومحو تاريخنا وأسرلتنا، ولكن جهودهم هذه باءت بالفشل كوننا حافظنا على تاريخنا، نضالنا وهويتنا والاهم من ذلك على لغتنا الشماء.
ولكن وللأسف الشديد، ومع مرور الوقت بدأنا نشعر بان لغتنا العربية بدأت بالتآكل والاضمحلال في أفواهنا، حيث إن أغلبنا يحاول جاهدا ترصيع اكبر كم ممكن من الكلمات العبرية في حديثه ظنا منه بأنه يستطيع أن يبرز للآخرين مدى ثقافته العالية ومدى فهمه لدخاليجها، كما تراه يعمل جاهدا على استعمالها في أي موضوع ونحو. وهناك الكثير ممن يعتقدون بأنهم إذا ما ادخلوا العبرية إلى لغتهم فان كلامهم سيصبح أكثر سهولة وسلاسة للفهم، كما انه يعتقدون بأنهم يستطيعون التعبير عن رأيهم بصورة أجلى وأوضح، وهناك ثلة من الناس ممن تعزي أنفسها بقولها: "بأننا نعيش بين اليهود، نعمل معهم، نتعلم معهم، نتسلم رسائلنا بلغتهم فما المانع في أن نندمج في مجتمعهم ونتحدث بلغتهم، فنحن على مدار 66 عاما ما زلنا نتحدث بلغتنا ونقرأها، وليس كما يفعل إخواننا العرب من حولنا فاللبناني والجزائري والتونسي يتحدثون الفرنسية إلى يومنا هذا، مع العلم أن الاستعمار الفرنسي قد دُحر وهزم قبل سبعين عامًا.
ولكي نضع النقاط على الحروف، أود أن اذكر بعضا من المفارقات التي حدثت معي لكي تثبت صحة أقوالي.
*أولها*
في إحدى القرى العربية الجليلية، يقام هناك سوق شعبي مرتين من كل أسبوع، ويأتي إليه الكثير من الزوار من البلدات العربية المجاورة واليهود من المستوطنات القريبة طمعا في زهد أسعار المعروضات من خضار وفواكه، ملابس وعطور، توابل وأدوات منزلية. وفي هذا السوق يعمل صديقي الحميم والذي دائما يستوقفني ليسألني عن حالي وأحوالي ولأنه يعتبرني زبونه الدائم. يعجبني لديه ترتيبه للخضار والفواكه، وطريقة تعامله، ولا اذكر أني سألته يوما عن الأسعار، فدائما آخذ قدر احتياجاتي من البضاعة المعروضة، وعند انتهائي من انتقاء ما نضر من خضار وفواكه، فانه يزين لي الأغراض وبدوري أقوم بدفع المبلغ المطلوب.
صديقي هذا يبيع كسائر زملائه من الباعة بالعشرة شواقل وكأن الرقم عشرة هو رقم مقدس ومن غيره لما كانت تجارة (فالخمسة كيلوات من البندورة بـ10، وكيلو المانجا بـ10، وسبعه كيلو بصل بعشرة، وثلاثة كيلو موز بعشرة وهكذا....). ولكن في إحدى المرات استوقفني منظر تلك السيدة اليهودية التي أتت إلى بسطته وهي تركب نظارات واقية من الشمس، ترد ذؤابتها بيدها وتسبل له عينيها، وتسأل البائع عن أسعار بضاعته، فعمل جاهدا على حساب سعر الكيلو الواحد بالشاقل، فهي غير معتادة على شراء الخضار بالعشرة شواقل ولا بكميات كبيرة، ورأيته أيضا يصب جل اهتمامه في مساعدتها وانتقاء الأفضل، وترك الزبائن الآخرين ينتظرون، وبعد هذا كله بدأ يزين لها حاجياتها، فما كان في جعب أكياسها سوى حبتان من البندورة، رأسي بصل، بضع خيارات وباذنجانة صغيرة، فما كان منه إلا أن قام بإهدائها ضمة نعناع وتمنى لها إتمام يوم هانئ، وزجر الصبي الذي يعمل معه لكي يقوم ويحمل أكياس الخانم إلى السيارة، عندها جن جنوني وفقدت رشدي، ليس من باب الغيرة – معاذ الله - ولكن من باب الازدراء من ناحية والشفقة من ناحية أخرى على هذا البائع وأمثاله، عندها قررت أن تكون هذه اللحظة هي لحظة الفصل بيننا.
*هاك حادثه أخرى*
في احد الأيام قررت أن اعمل مراقبا لامتحانات التوجيهي (البجروت) في المدارس، فذهبت لأجل ذلك إلى إحدى الشركات وهناك قامت الموظفة بتسجيل تفاصيلي الشخصية ووعدتني بأنها ستقوم باستدعائي في اقرب فرصة سانحة ممكنة، ولكن قبل بدئي بالعمل علي الاشتراك بدورة مكثفة لمدة ساعات يتم فيها شرح القوانين المتعلقة بالأمر بشكل عام ومسهب، كما يتم التدريب على كيفية تعبئة النماذج الخاصة بالطلاب، وبالفعل وبعد عدة أيام قامت الموظفة اليهودية باستدعائي للمشاركة في الدورة في تاريخ وساعة محددة، فذهبت، وهناك وكان العديد من الأشخاص الذين طلبوا العمل مثلي ينتظرون دورهم، المشترك في ما بيننا أننا كلنا عرب باستثناء امرأة يهودية واحدة، كما أن المرشدة التي ستقوم بإرشادنا هي أيضا عربية. ولكن تلك المرشدة العربية وللأسف الشديد أبت أن تشرح المادة إلا باللغة العبرية..
طبعا أنا اعترضت على ذلك لأننا عرب ومن العيب أن تكون لغة المخاطبة فيما بيننا هي اللغة العبرية، عندها توجهت إلي المرشدة وسألتها عن سبب ذلك، فكان ردها: "هناك امرأة يهودية لا تفهم العربية " فقلت لها: "بما إنني أتكلم اللغة العبرية وأتقنها، فحري بتلك السيدة أيضا أن تتعلم العربية وتتقنها" لكن جوابي هذا لم يرق للمرشدة كما يبدو لذلك عادة الكرة بقولها: "هناك مصطلحات، لا يصلح لفظها إلا بالعبرية، وهي لا تعرف بدورها أن تترجمها حرفيا إلى العربية". فقلت لها باني أجيد العبرية خير اجادة، لذلك فان أي مصطلح قد تواجهها صعوبة في ترجمته أرجو بالتوجه إلي وأنا سأقوم بدوري بترجمته وعلى الرحب والسعة، هذا الجواب أيضا لم يلق الاستحسان لديها، لذلك بدأت بنعتي بكلمات أشبه بالنابيّة ولكنني لم أقف مكتوف الأيدي ورددت لها الصاع صاعين، فاشكر ربي على انه زودني بلسان سليط حاد وجارح.
عندها انقسم العرب إلى عربين، عرب بالعربي وعرب لا يهم، عندها قررت الخروج من القاعة وليس قبل أن أوجه كلمة إلى الموجودين بان كل من يبقى داخل القاعة لإتمام المحاضرة والدورة فهو بنظري بمثابة منافق جبان، عندها خرج الجميع مطأطئي الرؤوس ولم يبقَ سوى المرشدة واليهودية.
ولكي لا تمل مني يا عزيزي القارئ ومن سردي لأحداث شخصيه، قم وامش في شوارع قريتك وانظر إلى لافتات الحوانيت والمحال التجارية، فللأسف الشديد فان غالبية هذه اللافتات مكتوبة بالعبرية (افيزري ريخف هشلوم، رحيتسات مخونيوت احمد، مأفيات الياس، مسعدات هأحيم، موساخ كذا، بيت مركاحت كذا، مسبرات كذا... والامثلة كثيرة) وكأنك تظن بان رواد وزبائن هذه المحلات مقتصرون على اليهود دون غيرهم، أو انه إذا امتلك صاحب الحانوت القليل من الحياء والخجل فانه يكتب على اللافتة باللغة العربية ولكن بحروف خجولة وصغيرة وتحت الكلمات المطبوعة باللغة العبرية حتى انه في قريتنا وفي البلدة القديمة وفي زقاق ودهليز مظلم، هناك حانوت واللافتة طبعا بالعبرية فلا اعرف ما السبب، فليس هناك زائر أو سائح أو مستشرق قد يأتي في يوم من الأيام ليقتني الجبنة الصفراء والزيتون من هذا الحانوت.
ختامًا أود أن أوجه كلمة عتاب لمعلمي اللغة العربية في مدارسنا والذين يتحدثون جل الوقت مع طلابهم باللغة العامية، حتى أصبحت اللغة الفصحى بالنسبة للجيل الصاعد لغة ثالثة تلت العامية والعبرية، لذلك أرجو من المعلمين والمديرين والقيمين على الأمر كما والأهل الاكارم تذويت اللغة لدى طلابهم وأبنائهم منذ نعومة أظفارهم وإلا أصبحنا كالديك الذي أراد أن يقلد مشية الحجل. وفقكم الله.
(دير حنا)
