ليلة السلاسل

single

ما ينوي الوزير يسرائيل كاتس تأطيره بقانون، يوجب استبدال اسماء مواقع وبلدات عربية ببدائل رسمية عبرية، لا يتعدى كونه فعلاً استفزازياً من جهة، وتجسيداً لما كرسته بالفعل الحركة الصهيونية قبل إقامة دولة إسرائيل ومارسته أجهزتها الرسمية منذ الإعلان عن إقامتها.


وقصة أبناء جيلي مع هذا الوزير هي قصة طويلة تشهد عليها ساحات الجامعة العبرية وما تركته من ذكريات تخثرت في مخيلاتنا، فلا أعتقد أن كل من درس في جامعات البلاد بتلك السنوات يستطيع محوها فتبقى هذه حاضرة دائماً كلما اجتمعنا صدفةً أو في أي مناسبة.

كان تنظيمهم الطلابي يسمى "كاستل" وعلى رأسه برز الوزير السابق تساحي هنجبغي والوزير الحالي يسرائيل كاتس وكان ثالثهما مهاجراً جديداً من الاتحاد السوفيتي ويدعى أفيغدور ليبرمان والشهير دلعاً بأيفيت.

وليبرمان هذا لم يجد العبرية في حينه، ولا اعرف كم أجاد الروسية لأنني لا أعرفها، لكنه أجاد لغة البلطجة والتحريض، فحتى في تلك السنوات لم يكن أنحف مما هو عليه اليوم وساعدته هذه الخصال، بعدما التصق بالوزيريين أعلاه، ليقبل حارساً في أحد نوادي الجامعة وحتى أن كثيرين احتسبوه حارساً شخصياً لتساحي هنغبي.

هم ثلاثة يمثلون مع آخرين يتبوأون مثلهم مراكز إدارية هامة في هذه الدولة، جيلاً كاملاً انتقل بممارسته الفعليه نقلة نوعية ميزته، باعتقادي، عن جيل المؤسسين لهذه الدولة.

أقول هذا، لأننا لمسنا في تلك السنوات بوادر تلك القفزة، فبعد ما كانت قيادات هذه الدولة المؤسسة تحمل ما حملته من أفكار وخطط إزاءنا، عنوانها وجوهرها كان وما زال، عدم استساغة بقائنا في وطننا، تحولت هذه، من خلال جيل هؤلاء الثلاثة إلى برامج عمل تنفذ في وضح النهار، باستغياب لسلطة القانون ودونما خشية محاسبه أو عقاب، لا بل استشعرهؤلاء حقيقة خطيرة حتمت واستدعت استعداء العرب، الاعتداء المباشر عليهم وزيادة جرعة التطرف ضدهم كحوافز ومقومات تؤدي إلى الكسب السياسي الشخصي والحزبي ولهذا عندما سؤل تساحي هنجبي مرة عن كيف يستطيع إزالة صفة البلطجة عنه أجاب باستهزاء انه لا يوافق السائل والدليل على ما حصل معه وترقيه سلم الإدارة والنظام في الدولة.

لا ادري كم من القراء يذكر تلك الليله من شهر كانون الثاني لعام 1979 عندما قاد هؤلاء الثلاثة، مدججين بالهراوات والسلاسل الحديدية، ومعززين بعشرات البلطجيين المستوردين من أحياء القدس الغربية، اعتداءاً دموياً على عشرات من طلابنا العرب في ساحات الحرم الجامعي، مخلفين الجرحى والمصابين.

لم يكن هذا الاعتداء هو الاول من نوعه، وما كان الأخير، لكنني أسوقه دليلاً على تاريخ هؤلاء وعلى ما أحرزوه من مكاسب شخصيه على الرغم من هذا التاريخ وربما بفضله.


عززوا صفوفهم بزعران من خارج الحركة الطلابية، درجوا، حتى في تلك السنوات، على ترديد شعار الموت للعرب، ليس فقط في ملاعب كرة القدم، بل في وجوهنا وبشكل يومي. هؤلاء أصبحوا آباءاً لجيل لقن وشرب من هذه المياه الآسنة، فلا عجب ولا غرابة أن يصرخوا وأبناؤهم بمثل هذا الشعار في أيامنا هذه، ولا عجب ولا غرابه أن يستعيضوا بما انتجته تكنولوجيا العصر من رسائل عبر هواتفهم تدعو قطعانهم لصيد فريستهم العربية، بدلاً من السيارة والحافلة التي نقلتهم في حينه من ضواحي القدس وتبقى الفريسة هي الفريسة.

كنا طلاباً عرباً موحدين، على الرغم من اختلافاتنا السياسية، انتماؤنا الفلسطيني لا يشوبه خلل ولا تنافس على هويتنا الوطنية عوامل لم نتح لها حيزاً، فعشنا وهمنا هؤلاء السائبة، عصيهم حولتنا إلى حزب وكلنا "رفاق" وكم تركنا صديق عاشرناه ردحاً دونما أن نعرف لأي نبي يصلي بليله وأيهم يستشفع.

إلى جانبنا كانت منظمة طلابية إسرائيلية يسارية واسمها "كامبوس". وقفت معنا في وجه هؤلاء اليمينيين. اختلفنا مع بعضهم في كثير من الأمور السياسية، ولكننا توحدنا على العديد من الأمور، وحولها اجتمعنا ولأجلها عملنا، وفي طليعتها كان دائماً خطر هؤلاء السائبة وما سيعيثونه من فساد اذا تملكوا وسادوا.

لقد تغيرت أموراً كثيرة كثيرة، فنحن لم نعد موحدين حتى حول البديهيات وأولويات قادتنا يشوبها الخلل وهذا يضرب بمجتمعنا الذي أمسى مشظي.

واليسار الإسرائيلي كاد أن يتبخر، وسوسه في عوده، وهذه حكاية أخرى.



أما اليمين فطغى واستبد وما كان يعرف "بليلة السلاسل" أصبح وأمسى اعتداءاً يومياً على شبابنا وخطراً محدقاً فينا كأفراد ومجموع. هذا اليمين الذي استعان بالتاريخ ليزور التاريخ، يعتقد أن الجغرافيا لن تكون عصية عليه. هل حقاً سينتصر التاريخ لسارقيه؟ وهل حقاً ستقبل الجغرافية تطويعاً كهذا؟

وكي لا نترك للتاريخ والجغرافية ما ليس لهما، علينا نحن ان نحفظ ونحافظ عليهما وعلى أجيالنا القادمة أن تعرف ماذا تكون الشجره وأين هي الخالصة وما هي العياضية والمسمية وأن ما يستخرج من عصر بضع برتقالات يسمى عصيراً وليس "ميتس"!

 

كفرياسيف

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل سيحملون "البشارة" من ادارة اوباما

featured

زيارة غزة أمام اختبار الأفرقاء لإقامة الدولة

featured

إلى روح شهداء انتفاضة القدس في الناصرة

featured

في الرعب من ذاك التنظيم

featured

غزة ...الانبعاث الجديد للقضية الفلسطينية

featured

دمشقغراد بلد المعجزات

featured

سياسة التنكر والتحريض ضد الفلسطينيين

featured

الهدف والوسيلة من خوض الانتخابات المحلية