مقبولة ومردودة

single
هنالك مشهد في الصلح العشائري، لدى سبر غوره، يقدم الدليل على قدرة العرب على حل إشكالات بالغة التعقيد من خلال فهم متميز وأصيل للعدالة؛ عدالة لا تكون عثرة في وجه استمرار مسيرة الحياة.
يبدأ هذا المشهد عندما يطلب الطرف المعتدى عليه مبلغًا ضخمًا من المال شرطًا للصلح. ويتدخل الأجاويد مؤكدين أن الطلب عادل، ومع ذلك يطالبون الطرف المعتدى عليه إبداء التسامح وتخفيض المبلغ، فيستجيب. وهكذا يصبح المبلغ في نهاية المطاف معقولا. وفي أحيان عدة يقول أصحاب الحق: "مقبولة ومردودة". ويُرجعون المال.
في هذا المشهد تم مراعاة اعتبارين؛ الأول أن الذنب الكبير بحاجة إلى عقاب مناسب، ولكن تنفيذ هذا العقاب يعني خراب بيت الطرف المعتدي، فتأتي هذه الجملة الساحقة "مقبولة ومردودة" لتعني أنه أي نعم نريد حقنا، ولكنا لا نقبل أن نكون عثرة أمام استمرار حياة الطرف الآخر. الحياة أقوى.
تذكرت هذه الجملة "مقبولة ومردودة"، في معنى بعيد عن هذه الأجواء، حينما غزتنا الصحف الإسرائيلية بتوقعات عن نشوب انتفاضة ثالثة في ذكرى النكبة، ولما لم يتم ذلك، فإن الانتفاضة، حسب توقعاتهم الآن، ستأتي في أيلول القادم. موعد إعلان الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة.
كأننا، يا بدر، لا رحنا ولا جينا. وقبل أحد عشر عامًا تنبأت لنا نفس الجهات أن الانتفاضة قادمة إذا ما فشلت قمة عرفات وبراك في "كامب ديفيد". فشلت القمة ولم تحدث الانتفاضة، فجاء شارون إلى المسجد الأقصى تشجيعًا للفلسطينيين للانتفاض. ولمّا فشل، قام الجيش الإسرائيلي بمبادرة تشجيع لامعة فقتل 7 مصلين فلسطينيين، وعندما اندلعت المظاهرات، تم قتل مئة متظاهر فلسطيني في الشهر الأول، وخلال الأيام الأولى للانتفاضة تم إطلاق مليون وثلاثمائة ألف طلقة، وهي كميات رصاص بمقاييس حرب عالمية.
وتبين فيما بعد أن المؤسسة العسكرية المجروحة من الانسحاب في لبنان، أرادت تلقين الفلسطينيين درسًا يعيد للمؤسسة العسكرية هيبتها، وأيضًا للانتقام من أحداث النفق، الذي جرى قبل ذلك بأربع سنوات حيث قُتل وجرح عشرات الجنود الإسرائيليين.. ونجحت المؤسسة الإسرائيلية "بتغطية السموات بالعموات"؛ مرة تنشر إحدى صحفها، وعلى الصفحة الأولى شرطًا، صورة مرعبة لشاب عربي، ملثمًا بالطبع، حاملاً حجرًا. ومرة أخرى تنشر تصريحات فلسطينية متطرفة، كأنها فُصّلت تفصيلا لآلة الدعاية الاسرائيلية.. و كان ما كان. ولذلك من الجدير بنا، ونحن الذين نطوش على شبر ماء وأحيانًا- من فرط الحماس- بدون ماء، أن نسأل من انتفض على من في العام 2000.
ما أشبه اليوم بالبارحة وما أبعده عن البارحة؛ نفس الصورة الآن على الصفحة الأولى في "يديعوت"، ولكن الشاب الملثم، هذه المرة، يحمل سكينا مرعبا.  ولكن، في المقابل، فالشعب الفلسطيني  الذي يستعد لتجنيد اكبر حشد عالمي للاعتراف بدولته لن يسمح بجره إلى الخلف. ولذلك نعود للرد الجميل في صلحنا العشائري، وعن قصيره نقول للناصحين والمتنبئين: شكرًا على نصائحكم. "مقبولة ومردودة".
قد يهمّكم أيضا..
featured

قَمْلَةُ التِّيفُوسِ

featured

صراع بين عملاء أمريكا

featured

حول مقولة "التدخُّل الأجنبي"..!

featured

إسرائيل هي الآمر الناهي

featured

لا بدّ أن ينتصر تغريد الشيوعية على عواء الرأسمالية

featured

خطّة إسرائيل هي دولة لقوات الأمن، فما هي خطّتكم؟

featured

ألسنة متطاولة على تونس