إسرائيل هي الآمر الناهي

single

سمعنا وتابعنا، جميعًا، تصريحات الرئيس الأمريكي أوباما، في الشهور الأولى لاستلامه الحكم، وكيف بدأ بجد واجتهاد يخطط ويعمل في داخل بلاده للنهوض بها من مصيبة  الانهيار الاقتصادي الذي بات يهددها والذي لا محالة واقع وقد وقع. وحيث انه ليس بمستطاع أحد أن ينكر بأن هذا الانهيار في الاقتصاد له علاقة وثيقة بالسياسة الخارجية الحمقاء، سياسة الحروب وإخضاع الشعوب بالقوة، والشعوب عادة لا تخضع للقوة، التي اتبعها سلفه سيئ الذكر بوش والتي تسببت في الإنفاق العسكري الهائل، مما أدى إلى هذا التدهور المخيف في الاقتصاد الأمريكي، لذا فقد أخذ يرتب  أوراق سياسة بلاده  في الخارج والتي في بعضها يمكن أن نقول قد أصاب أو كاد ولو بعض الشيء  وأخطأ في بعضها.
في العراق مثلا، أعلن انه سيسحب القوات الأمريكية وفي وقت لاحق، وأبرم، وعلى الأقل، اتفاقا بهذا الشأن مع حكومة العراق، هذا بغض النظر عن مضامين هذه الاتفاقية وفي صالح من تكون وبذا يكون قد بذل محاولة ما لإصلاح خطأ سلفه وأرضى تلك الأصوات التي تنادي وتطالب بإعادة القوات الأمريكية من عملية الغزو الهمجية وغير المبررة والتي ما كانت دفاعا عن المصالح ألأمريكية،  بقدر ما كانت خدمة لأهواء إسرائيل، ومن ورائها الصهيونية العالمية وتنفيذًا لأمرها. وكما تبين فيما بعد فإن لا مصلحة البتة كانت لأمريكا، إنما أرادت إسرائيل ذلك .
 أما في أفغانستان فقد قرر الاستمرار في القتال وما زال، حتى الآن، متورطا هناك ونراه بين الحين والآخر يقرر إرسال المزيد من القوات، سواء أمريكية أو من دول حليفة، وهنا، وبحسب رأيي، فهو لا يسلك طريق الصواب وقد وقع في الخطأ وهذا الأمر سيكلفه الكثير دون جدوى ولن يحرز انتصارا. وهذا ما يقوله  بعض قادة جيشه.
أما في المسألة الإيرانية، فما زال، حتى الآن، يتحسس الطريق الذي سيتبعه، وعلى ما يبدو فإنه يميل إلى الحذر بالرغم من تحريض إسرائيل المتواصل وطلبها استعمال القوة لإجبار إيران التخلي عن برنامجها النووي الذي تعتبره إسرائيل خطرا عليها. وهو يحاول أن يصل إلى ذلك عن طريق الحوار ويماطل في طلب إسرائيل، وليس مستبعدا أن ما حدث في إيران على أثر الانتخابات أن يكون نتيجة لتدخلات خارجية كان الهدف منها تغيير النظام هناك ومن ثم سياسته، من الداخل ودون عناء وتحمل مسؤولية استعمال القوة، وهنا فهو على صواب ليس من حيث تدخله في شؤون إيران الداخلية لكن من حيث انه  لم يرضخ لأهواء إسرائيل التي لا يهمها إلا نفسها وليهلك العالم.. فقط هم يعيشون.
ثم ان هنالك مسألة رابعة ينظر إليها بجدية وهي مشكلة الصراع العربي الإسرائيلي وضرورة إيجاد حل لها. فعلى ما يبدو أنه فهم تماما بان هذه المسألة هي أساس كافة الصراعات التي تدور في المنطقة. وفهم ثانيا أنه بإيجاد الحل والذي حتما  لن يكون إلا في صالح إسرائيل، وباختصار فإن السلام، وليس غيره، هو الذي يؤمن بقاءها في العيش في هذه المنطقة ولذا رأيناه  يصر على تطبيع علاقات بين إسرائيل وكافة الدول العربية وعساه أن يكون أيضا قد تفهم  مدى الظلم الذي وقع على الشعب ألفلسطيني.
 بدأ متحمسا لذلك ومندفعا، ربما كان ذلك عن طيب قلب، وفاته أن العالم ما زالت تحكمه جماعات المافيا وأن الحق للقوة وأن كلمات  مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها.. ما هي إلا مسميات ومجرد شعارات لأنه لو طبقت قولا وفعلا لما كان هنالك ظلم ولما وُجد إرهاب. بدأ مشواره للحل بالطلب من إسرائيل وقف البناء وكل في الأراضي المحتلة واستبشر الناس خيرا. في البداية علا صوته وتتالت زيارات مبعوثه المكلف  بمتابعة القضية ثم ما لبث أن خفت صوته وهذا ليس لمجرد أن إسرائيل رفضت طلبه فقط، فعلى ما يبدو قد استدعت الأنشطة الضاغطة عليه، وخاصة من داخل الولايات المتحدة، وبدأ يتراجع وظهر وكأنه يحاول تطبيع العلاقات بين الدول ألعربية وإسرائيل، أولا وقبل وقف البناء. ولم يقف عند هذا الحد، فنراه في الآونة الأخيرة يستجدي طلب وقف البناء المؤقت لمدة محدودة، لسنة أو بضعة أشهر. ثم ماذا بعد انقضاء هذه المدة؟ هل يعني ذلك: عودوا للبناء؟ لأنه لا يعقل أن يكون حل خلال هذه الفترة، ثم يذهب إلى ابعد من ذلك، فهو يستثني القدس من طلبه وقف البناء وهذا معناه اعتراف ضمني بطلب نتنياهو أن القدس موحدة عاصمة إسرائيل إلى الأبد وأنا على اعتقاد، بأن نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، العمل الذي لم يجرؤ عليه ولا رئيس أمريكي قبله سيتم في عهد أوباما.  
أن ألقاعدة التي تشرعنها إسرائيل وتسير عليها هي أن امتلاك أية دولة لأي سلاح متطور وحتى لو لم يكن  نوويا  هو عمل غير مشروع، أما عندما تمتلكه هي فهو مشروع. كل عمل حربي أو تجسسي تقوم به، حتى التجسس على أمريكا نفسها هو دفاع عن النفس، وطز يا أمم متحدة ، أما عندما يستعمله الغير فهو إرهاب وعمل لا أخلاقي، والويل ألويل لأية صحيفة أو دولة تحاول أن  تلمح ولو تلميحا،  كما هو حاصل الآن مع الحكومة السويدية، اثر نشر إحدى صحفها خبرا مفاده أن جنودا في الجيش الإسرائيلي يتاجرون بأعضاء بشرية لفلسطينيين. واليوم تقع في نفس الخطأ صحيفة اسبانية ويستدعى سفير اسبانيا. نعم فليتأدبوا، فإسبانيا ومن مدة ليست بالبعيدة في نهاية عهد تسيبي ليفني غيرت قانونا كان يجيز لمحاكمها محاكمة قادة إسرائيليين ارتكبوا جرائم حرب طبعا لصالح إسرائيل.  لنقل ان هذا كذب، يا ليبرمان، لكن ماذا تقدر أن  تقول إسرائيل لمجموعة من جنودها أطلقت على نفسها اسم "كاسرو الصمت"! الصمت عن ماذا يا ترى؟ فهؤلاء لو لا ما طفح بهم الكيل وعيل صبرهم من هول ما رأوه، ولم يعد بهم من طاقة للتحمل والسكوت على الجرائم والأعمال البشعة ألتي ارتكبت ومازالت ترتكب، وإلا ماذا نسمي حصار غزة وخنق الناس جوعا؟ عائلات بأكملها أبيدت دون ذنب وقصة الطبيب من غزة الذي كان يعمل في مستشفى في إسرائيل وكيف قضوا على عائلته والقصص كثيرة ومثيرة ولا مجال لإعادة سردها والكل يعرفها وهؤلاء الجنود كاسرو الصمت لو ما  رأوا أفظع منها لما  تحدوا الرقابة وتكلموا. وقبل غزة، كانت مذبحة مخيم جنين، وحتى ان مبعوثين من الأمم المتحدة مُنعوا من دخول المخيم كي لا يقفوا على حقيقة ما يحدث. 
باعتقادي أن هذه الزوبعة والعزف على وتر حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، قد أثيرت مرات عديدة وكانت تثار كلما دعت الحاجة فعندما أرادت أمريكا حشد الدول العربية ضد صدام عزفوا على هذا الوتر وتجمع الأخوة العرب، حتى سوريا البعث أرسلت جيشا وأملوا، ولم يحصدوا شيئا وخاب أملهم، وكانت الرابحة الوحيدة هي إسرائيل حيث كانت رغبتها التخلص من صدام فحصل وحصد الشعب الفلسطيني زيادة هائلة في الاستيطان وسلب الأرض وهدم البيوت والسكوت الأمريكي على ذلك.
 وللتجييش ضد إيران أيضا عزفوا على هذا الوتر. صوروا للعالم  أن امتلاك إيران لسلاح ذري خطر على العالم كل العالم، أما امتلاكهم لأكثر من مائتي رأس نووي، فلن يكون منها خطر، وضعوا هذا الموضوع على رأس سلم أولويات دول العالم، ليصبح شغلهم الشاغل  وتم جعله عناوين رئيسية تتصدر الصفحات الأولى في وسائل الأعلام في العالم، وهنا هم كمن يضرب  عصفورين بحجر واحد، الأول هو أمكانية وجود تعاون دولي يتولى منع إيران من اكمال مشروعها، وقد ظهر ذلك واضحا من  زيارات وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة رايس  للمنطقة وكيف كانت تحاول لف  الدول العربية، ثم لا ننسى زيارة بوش، حيث استقبله القادة العرب بالرماح والسيوف، وتم ضمه الدول العربية، إلى هذا الحلف غير المعلن المعادي لإيران، أي ليكونوا هم وإسرائيل صفا واحدا، إيران العدو وإسرائيل الصديق. وهذا في واقع الحال سيتخلله تعاون، والتعاون بدوره سيؤدي إلى تطبيع ومن هنا يبلغون مبتغاهم، الذي هو الهدف الثاني، وهو الوصول إلى تطبيع علاقات مع الدول العربية وتجاوز القضية الفلسطينية يعني  طمسها وتهميشها بحيث تصبح مستثناة بنفس الوقت كانوا بذلك يمنحون إسرائيل الوقت الكافي للاستمرار في تهويد الأرض المحتلة وتمكينها من فرض وقائع جديدة على ألأرض.
وفي هذه المرة نرى أن مسالة تسوية الصراع تثار، ونوهم أنفسنا ونقول هذه المرة أمريكا عازمة على إحياء عملية السلام وبدء المفاوضات، ونعود لنحلم ونأمل بالكثير الكثير، وبينما الخبراء والمسؤولون بين صد ورد، ويشتد تهويد القدس وتتسارع عملية ألبناء في الأراضي المحتلة، مقابل ذلك تبادر بعض الدول العربية إلى تلبية مطلب الرئيس اوباما للتعبير عن حسن النية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وأكثر من ذلك فان ليبرمان يصرح بأنه يريد شطب مصطلح اسمه قضية فلسطينية من سجلات وزارته وبحسب رأيه لا حدود 67 ولا دولة فلسطينية. أنسوا يا عرب والحقيقة أنها صراحة ما بعدها من صراحة فليفهمها الأخوة ألعرب.
إن هذه ألهيصة ستمر كسابقاتها. ألعالم  يرقب  وينتظر أن يأتي أوباما بشيء يذكر، وإذا بالمفاجأة تأتي من نتنياهو فيخرج ليصرح عن المصادقة على بناء 2500 وحدة سكنية وبعد لم يجف مداد تلك الكلمات حتى تلاه تصريح آخر بناء  500 وحدة سكنية. ماذا كان موقف الإدارة الأمريكية هذه المرة؟ لم تستنكر لكن قامت بالواجب وأعربت عن أسفها!! آن الأوان أن نفهم أن أمريكا بغض النظر من يكون الرئيس، اذا قصدت الحل فلن يكون الا في صالح إسرائيل والرابحة منه إسرائيل، ولو كانت تريد الحل الصحيح والتماثل مع الشعب الفلسطيني،فهنالك قرارات في هيئة الأمم  اتخذت  في الماضي كفيلة بحل النزاع حلا عادلا وبسرعة. تعالي يا أمريكا وفقط نفذيها ولا ضرورة لعقد مؤتمرات ومشاورات كلها مضيعة للوقت. إسرائيل لا تستطيع أن تعصى إرادة دولية حازمة. ولكن أمريكا لا تريد لأن إسرائيل لا تريد وهي الآمر الناهي.
واختم بسؤال للاخوة العرب، أتريدون من إسرائيل أرضا؟ هل تصدقون أنفسكم؟ إسرائيل تشتري  في الأردن وحتى  في شبه جزيرة سيناء نفسها وتريدون منها أن تتنازل لكم عن ارض؟ أطمئنكم أنه مهما طال أمد هذه الزوبعة ففي النهاية ستعبر كسابقاتها، وإسرائيل ستستمر في مخططاتها الاستيطانية والتطبيع حاصل، والرابحة الوحيدة هي إسرائيل . وعندها ستجتمع الجامعة العربية!

 


(كفر كنا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

انهضي يا مصر و اقشعي ثوب الذل و الهزيمة

featured

تعميق تناقضات الاحتلال

featured

رحلة مع ناجي العلي في شمال بلادنا

featured

في هذا الزمن الرديء - أتذكرك-

featured

وثيقة تاريخيَّة عن سجلّ نضالي

featured

عنصرية الاحتلال تلحس قرارها العنصري

featured

من مدينة "همبورغ" [2]