لقد علّمني والدي الكادح، والذي تميز بإرادته القوية السامية، والتي صقلت كما يصقل الفولاذ، من خلال حياة صعبة وقاسية فقد اختبر "الجلد" في الثلاثينيات من القرن الماضي بسبب إضراب المدرسة في كفر ياسيف، بعد مقتل شباب من القرى المجاورة على أيدي الانتداب البريطاني، ولم يتجاوز عمره الـ 15 عاما، وفي عام 1948 اعتقل وآخرين من القرية، وعانى من الضرب المبرح وهدد بالقتل إلا إذا قام بتسليم سلاحه، والذي تم إخفاؤه من قبل بعض "زعامات" ذلك الوقت، وفي عام 1958 كان من الرفاق الذين تم نفيهم الى مدينة صفد، ونتيجة لذلك خسر كل منتوجه الزراعي وتحول الى عامل، وعام 1967 عام النكسة كان من الرفاق الذين تمت مطاردتهم.
وأذكر ذلك مستذكرا قوله لي قبل سفري الى الإتحاد السوفييتي عام 1969 قوله لي بأن الحياة "كفاح وتحدٍّ". فالحياة مليئة بالتناقضات، والتحديات والأزمات، والمواقف الصعبة والتي تتطلب ليس الصراخ في طلب "النجدة" أو "البكاء" والرياء والنفاق بل الإرادة القوية السامية والتي تدخل السعادة للنفس والقلب، ونزع الفرح والأمل والتفاؤل لكل من يحيط بهكذا إنسان، وهكذا إنسان أشرف ما ينبت من تراب وطني. فكم نحن اليوم بحاجة الى هذه الروح، روح الكفاح والتحدي في هذا الزمن الأصفر حيث أصبح كل شيء مُتاحا ومسموحا ومبررا في خدمة المصلحة الشخصية، حتى ولو على حساب قضايا وطنية. ففي هذا الزمن الرديء قد تجد من يطلق التصريحات "الوطنية" "والشعارات المنمقة" لابسا ثوبه أو عاريا، وتعجب هذه الشعارات بعض المنافقين وتجد من يجلسون مرفوعي الرأس الى جانبه وفي واقع الأمر يمارس أسوأ سياسات الخيانة والتآمر وزرع الفرقة والتفكيك والتمزيق لمجتمعه وبدون خجل، وبدون مراجعة للذات ومحاسبة للنفس، ومصليا صلاة الكفر أو باكيا على كتف رفيقه وبعد ذلك يرفض التعزية بوفاته، أو ذاك الذي يمتدح هذا الشخص أو ذاك واصفا إياه بأب الفكرة أو التنظيم أو الحركة أو الهيئة وهم شركاء في جريمة قتل التجربة. وعندما تظهر ضرورة تغيير مسار التجربة وبتجديدها يجري قتلها من منطلقات ذاتية وأنانية .في هذا الزمن أسترجع يا والدي نور فكرك، وروح صمودك وعزتك وشهامتك وصدقك أنت ورفاقك المخلصين لقضيتهم مستمرا في هذه الحياة حاملا فكرك. فكر الكفاح والتحدي من أجل حياة أفضل وأجمل وأرقى. فبدون هذا تصبح الحياة باطلة لا خير لها.
