عندما كنت طالبًا في الابتدائية صوّر لنا معلم التاريخ أن امريكا وفرنسا دولتان في ربوعهما تُشرق شموس العدل والحرية والمساواة بين البشر.
علّمونا عن أبراهَمْ لنكولن وائد الرق وهازم الاستعباد، وعلمونا أيضًا عن هادمي الباستيل وثورة بلاد الغال، وتقدمتْ بنا السنون منتقلين الى الثانوية فرأينا كيف غاب بريق ما علمونا لنختنق بدخان حريق حاضرنا الغريب العجيب.
لقد تهاوى ما وعته أذهاننا في الابتدائية لنجد في بلاد العم سام وبلاد الغال مواقع بؤس وشؤم يحرسها غيلان الانتداب والقهر والخراب والاستلاب!
لقد غير الامريكيون والفرنسيون جلدهم فأمسوا من عصابة نخاسة البشر متاجرين بطموحات واستحقاقات الشعب الفلسطيني محوِّلين تضاريس فلسطين الى مواقع رِقّ واستعباد وذلك من خلال امتشاقهم ذات السيف الذي حمله ذاك اللعين النخَّاس الوسواس الذي قطَّع أوصال لنكولن. أما الفرنسيون فأمرهم غريب عجيب!! لقد دكوا جدران الباستيل ليقيموا لنا بساتيل جديدة في هذا الشرق الذبيح.
ألا يخجل أمريكيو هذا الزمن من بياض ما أسموه بيتًا ابيض؟! ألا يخجلون من تمثال الحرية وهم يباركون خنق الحريات في مهد القداسات والرسالات؟!
ألا يندى جبينُ الفرنسيين بالخجل وهم يخلِّدون سقوط الباستيل مستذكرين الحرية والعدل والمساواة عامًا تلوَ عام؟!
ألا يذكر حكام باريس شاعرهم العظيم لامارتين الذي قال: " رماد الاحباء الاموات خلق الوطن".. إن كانوا يذكرون شاعرهم فلماذا يسترخصون رماد أمواتنا وشهدائنا نحن الفلسطينيين؟!
في أيامنا هذه تخنقنا ازدواجية خطابهم.. يتحدثون بتأتأة عن الحق الفلسطيني الضائع وفي الوقت نفسه يُناصرون جهارا اسرائيل وهي تنتهك حَجَرَ وبشر فلسطين!!
الكلام الجميل الذي يأتينا تأتأةً من رعاة الديمقراطية وفرنسا وبريطانيا يتخطى استهلاكه اللفظيّ ويصبح فعلا كلاما متزنا صائبا عندما يناصر حماة الحريات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته الى جانب دولة اسرائيل.. عندها تنطوي صفحات السواد من حياتنا ومن صحفنا وكتبنا ويملأ الورد حدائقنا ويهنأ العرب واليهود بالأمن والأمان.