من قبله أدان تقرير جولدستون ممارسات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، ووصف تلك الممارسات على أنها جرائم حرب ضد الإنسانية، وها هو تقرير إضافي لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف يعتبر أن ما قام به الجيش الإسرائيلي ضد أسطول الحرية التركي يوم 31 أيار/ 2010 ارتقى لحد القتل العمد أو التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية، وجميع هذه الممارسات التي نفذها الجيش الإسرائيلي ضد ركاب سفن أسطول الحرية التركي، تعتبر "جرائم حرب بموجب معاهدة جنيف الرابعة" حسب التقرير الدولي.
تقرير جولدستون، لم يكن مسبوقاً بمضمون الكلمات التي قيلت بوصف الممارسات الإسرائيلية، مع أن لهذه الممارسات صفة دائمة وفعل متواصل لجيش الاحتلال منذ قيام إسرائيل عام 1948 حتى يومنا المشهود هذا، فالتطور لم يأت على الفعل الإسرائيلي، لأن الفعل الإسرائيلي كان ولا يزال مشيناً، منذ إجراءات التطهير العرقي الذي مارسه جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين في اللد ويافا وحيفا وسائر المدن والقرى الفلسطينية عام 1948 .
الذي تطور هو وعي المجتمع الدولي على الحقيقة العنصرية المعادية للإنسان وللآخر الذي تمارسه الصهيونية واليهودية السياسية ضد الفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين.
الذي تطور هو أن يهودياً إسرائيلياً بمستوى ألن بابيه الأكاديمي المعروف هو الذي رصد عمليات التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني عام 1948 ، وكان شجاعاً وعملياً وإنساناً رفض السلوك الإسرائيلي وانحاز إلى إنسانيته ومهنيته وسجل عمليات التطهير العرقي ضد الفلسطينيين .
وأضاف القاضي اليهودي الجنوب إفريقي جولدستون، في تقريره عن الجرائم الرسمية الإسرائيلية، ضد الإنسانية باعتبارها جرائم حرب ارتكبها جيش الاحتلال عند اجتياحه لقطاع غزة في نهاية العام 2008 وبداية العام 2009 في معركة الرصاص المصهور، وكانت إضافة جولدستون، إضافة نوعية لأن مصدرها تقرير للأمم المتحدة وكاتبها يهودي مشهود له في النزاهة على المستوى الدولي .
وما بين الأكاديمي الإسرائيلي بابيه والقاضي اليهودي جولدستون، برز العديد من الشخصيات اليهودية الإسرائيلية الذين سجلوا شهادات إدانة ملموسة ضد السلوك الرسمي الإسرائيلي من المحامين شاحاك وفيلتسيا لانجر وليئا تسيمل وغيرهم الذين أدانوا سلوك جيش الاحتلال ووصفوه بالجريمة وطالبوا بمعاقبة المجرمين الجناة من ضباط الجيش الإسرائيلي .
استخلاصات مجلس حقوق الإنسان عن ممارسات الجيش الإسرائيلي ضد ركاب سفن قافلة الحرية التركي شهادة إدانة يجب العمل على تطويرها وتعميمها لتكون هي الصفة الملازمة للفعل الإسرائيلي المتواصل ضد المدنيين وضد حقوق الإنسان، من أجل نقل المجتمع الدولي من حالة الإدانة إلى المطالبة بالمعاقبة، إلى فرض العزلة على السلوك الإسرائيلي كما حصل لجنوب إفريقيا العنصرية والمانيا النازية .
لقد هزمت المانيا النازية، واندحرت جنوب إفريقيا العنصرية، وعلى طريقهما تسير إسرائيل بسلوكها العدواني كدولة فوق القانون تسبب الأذى للمجتمع الإنساني برمته بسب سلوكها المشين، فهي مؤذية ليس فقط للفلسطينيين أو للعرب، وضد المسلمين والمسيحيين، بل هي تسبب الأذى لليهود أنفسهم عبر سلوكها العدواني ضد الآخر ، وبسبب هذا سجل الأكاديمي الإسرائيلي ألن بابيه شهادته عن التطهير العرقي عام 1948 وسجل اليهودي الجنوب إفريقي ريتشارد جولدستون تقريره باسم الأمم المتحدة، وشهادة محكمة لاهاي ضد جدار الفصل العنصري الذي أقامته إسرائيل على أرض الفلسطينيين .
السلوك الرسمي الإسرائيلي، بالاحتلال والاستيطان، والعقوبات الجماعية والقتل البارد ضد الشعب الفلسطيني، سلاح مزدوج، فهو سلاح إدانة يصف إسرائيل بالعنصرية وارتكاب جرائم بحق الإنسانية، وهو سلاح بيد الشعب الفلسطيني لتوسيع مساحة التعاطف والتأييد والتضامن مع حقوق الشعب الفلسطيني الثلاثة: حقه في المساواة داخل إسرائيل، وحقه في الاستقلال لفلسطين وحقه في العودة للاجئين، وهي حقوق غير قابلة للتبديد أو التلاشي بسب وجود المكونات الفلسطينية الثلاثة، في مناطق الاحتلال الأولى عام 1948 وفي مناطق الاحتلال الثانية عام 1967 وفي مناطق اللجوء والشتات للاجئين، ولن تتلاشى بفعل السلوك الإسرائيلي نفسه الذي يوقظ الفلسطينيين على حقوقهم ويحرمهم حق الحياة الطبيعية، ولن تتلاشى بفعل النضال الفلسطيني المتوازن والحكيم والشجاع الذي يقوده محمود عباس وسلام فياض، والائتلاف السياسي من قبل فتح والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وباقي القوى الحية الواقعية من اليسار الفلسطيني والتيار القومي والمستقلين .
لن ينتصر الشعب الفلسطيني على عدوه الإسرائيلي بالضربة القاضية، بل بالنضال التراكمي المسنود من قبل المجتمع الدولي وفي طليعته انحيازات إسرائيلية لصالح الشعب الفلسطيني وعدالة قضيته ومشروعية مطالبه بالمساواة والاستقلال والعودة.
