*من هو المعني أكثر بانتشار ظاهرة العنف بين أوساط الشباب والمجتمع العربي؟ أليس السلطة وفقط السلطة من منطلق بطيخ يكسر بعضه... من ينشر فوضى السلاح ومن أين يأتي هذا السلاح؟ أليس من معسكرات الجيش والشرطة بهدف التجارة والربح وأهداف سياسية أخرى*
// تحولت الجماهير العربية التي نفيت في ارض الوطن وتفرقت كريشة في مهب الريح، بعد سنوات النكبة، التي تصادف هذه الأيام في الذكرى الـ (64) للمأساة الفلسطينية، من حالة التشرد والضياع إلى بلورة الشخصية الذاتية والهوية الوطنية والتشبث بالوطن مهما حصل.
صمد أبناؤنا وصمدنا معهم بقيادة الشيوعيين البواسل. وأصبحنا مجتمعا عربيا له مقوماته في الأرض والوطن واللغة والتاريخ والثقافة العربية، كما نجحنا في استرداد الذات بعد الهزيمة ونفض غبار المعركة غير المتكافئة والانتقال إلى مرحلة بناء مجتمع حضاري وراقٍ على أساس التحرر والحرية وبناء المستقبل.
اليوم مجتمعنا العربي يواجه تحديات ومصاعب كبيرة تحتاج إلى الكثير من الجهود والدراسات والاجتهادات الفردية والجماعية المؤسساتية وعلى نطاق الأحزاب السياسية ومجموع الحركات الناشطة في المجتمع العربي. وهنا أود الحديث عن ظاهرتين فقط. الأولى تمثل خصوصية المجتمع العربي في ظل المجتمع الإسرائيلي بين الانتماء العربي الفلسطيني وهو الأصل والتكيف مع وفي داخل هذا المجتمع ككل.
صحيح ان المؤسسة الحاكمة تعمل جاهدة على طمس شخصيتنا العربية والقومية وتشرعن وتسن القوانين كما يحلو لها، من اجل إذابتنا كمجتمع عربي، بدءًا من مناهج التدريس التي لا تعبر عن شخصيتنا ومرورًا بتزوير اللافتات باللغة العربية في مفارق الطرق على طول البلاد وعرضها، إلى محاولة منع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت أو فرض الخدمة المدنية على شبابنا، ومحاولة تغيير معالم الحياة للمجتمع العربي ككل، والقائمة طويلة في قاموس التهميش الصهيوني.
من الواضح ان في المجتمع الرأسمالي، كل أقلية قومية أو عرقية تكون دائمًا عُرضة للتهميش الاجتماعي والحرمان السياسي الاقتصادي وتعاني الفقر والبؤس والاضطهاد المتعدد الجوانب بعيدة جدًا عن الرقي والتطور، ولا تعدو أكثر من سوق لتصريف بضائع الأغلبية من كبار المتمولين وجشع الرأسماليين، الذين لا يعترفون ولا ينظرون للتاريخ والحضارة والتراث والحقوق القومية للأقليات، إنما يفكرون بطريقة السيطرة على السوق وتكديس الأرباح من خلال سلب ونهب العمال والفقراء وطبعًا تكون الأقلية القومية أول من يدفع الثمن.
نحن مجتمع منفتح على المجتمع الذي نعيش فيه.. والمجتمعات الأخرى.. ويجب علينا ان نأخذ ونستفيد من كل ما هو ايجابي وحضاري لدى المجتمعات والشعوب الأخرى.. والعكس هو الصحيح نعطي كل ما هو مفيد وقيّم وحضاري كي تستفيد منه البشرية. لكن لدينا إشكالات مع شرائح واسعة من جمهور الشباب الذي يكاد لا يتكلم إلا العبرية ويتجاهل عن عمد لغته الأصلية، أو الذي يكتب الشيك مثلا باللغة العبرية.
إن تعامل السلطات المحلية والبلديات وبالمكاتبات بالعبرية من السكرتيرة الالكترونية تكون باللغة العبرية. كما نتجاهل لغتنا العربية. واجب علينا ومؤسساتنا وقياداتنا العمل على قلع هذه الإشكالات في بناء المجتمع السليم. فللأمور طبيعة ودافع يجب التعامل معه بمسؤولية، وهو المحافظة على خصوصيات مجتمعنا العربي لأننا مجتمع له تاريخ ناصع ومُشرف وكجزء من شعب مكافح هو الشعب العربي الفلسطيني. ولأننا جزء من أمة كبيرة تمتد من المحيط إلى الخليج.
أما الظاهرة الثانية، فهي امتداد تسونامي العنف الذي يعصف ويضرب مجتمعنا العربي، كل يوم وكل ساعة ويحصد العشرات من الشباب والأطفال والرجال والنساء على حد سواء. انه التحدي الأكبر الذي يواجهه مجتمعنا العربي في السنوات العشر الأخيرة. هل العنف في المجتمع العربي هو نتاج المجتمع الإسرائيلي المتعدد الثقافات والانتماءات؟ أم ان العنف ظاهرة محصورة بالعرب فقط؟ أم ان المجتمع العربي والشباب خاصة هم ذوو عقلية تختلف عن غيرهم من اليهود أو الروس والأوروبيين؟ كما يصورها الإعلام الإسرائيلي حين يحاول تشويه صورة العرب كجزء من إظهار العربي وكأنه بعيد عن الحضارة والتطور. إن العنف ظاهرة عامة بالمجتمع ككل، وهي صفة طبقية للمجتمع الرأسمالي ونتيجة لعلاقات العمل والإنتاج، لان المجتمع الطبقي الرأسمالي قائم على السلب والنهب والاستغلال وقائم على البطش والحرب. ففي إسرائيل تستمر هذه الظاهرة وتكثر مع اتساع ونمو وسن القوانين التي تخلد الاحتلال والعسكرة والقوة وتنتج الإمكانيات لقنع الشعب الرازح تحت الاحتلال، والشعب الفلسطيني والعرب هم ضحايا ذلك. من هو المعني أكثر بانتشار ظاهرة العنف بين أوساط الشباب والمجتمع العربي؟ أليس السلطة وفقط السلطة من منطلق بطيخ يكسر بعضه... من ينشر فوضى السلاح ومن أين يأتي هذا السلاح؟ أليس من معسكرات الجيش والشرطة بهدف التجارة والربح وأهداف سياسية أخرى، تهدف إلى شل قدرات المجتمع العربي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية وإيقاف مسيرة التطور عند مجتمعنا. عندما تجد السلطة وسائل لتخريب وحرف الشباب عن عملية بناء المجتمع وبناء الإنسان المكافح النشيط الواعي تكون قد زرعت بذور الفرقة والانقسام والتشرذم. مما يؤدي إلى إيجاد قوة على شكل تجار وعصابات إجرام تكون في حماية السلطة وأجهزة الأمن، تهدف إلى دب الفوضى والذعر بين أفراد المجتمع.
إن هذه الظاهرة أصبحت منبوذة على المستوى الرسمي والشعبي ويتطلب الأمر وضع حلول من خلال أناس مختصين في معالجة العنف بجميع مراحله، من عنف داخل العائلة إلى عنف الجريمة وشرعنة عملية القتل تحت مختلف الأسباب، لذلك يتطلب منا أفرادًا وجماعات هيئات ومؤسسات وأحزابًا سياسية وبرلمانية، مجالس وبلديات كليات وجامعات ومعاهد ومدارس وآباء كل في مجاله ومكانه. علينا التحلي بالمسؤولية الوطنية والشخصية تجاه المجتمع الذي نعيش فيه. لن نسمح لا للسلطة ولا للشواذ الذين في داخلنا ان يعكروا صفو حياتنا والأجيال التي تأتي من بعدنا. هذا هو تحدينا الكبير في القضاء على تسونامي العنف والجريمة وبناء الحياة الحلوة التي يتمناها كل واحد منا.
(كويكات/أبوسنان)
