جميعنا يتحدث عن التربية وأهميتها وعن تربية الاولاد وأثرها في بناء مجتمع سليم. فما هي التربية؟
التربية هي شيء عملي وليس نظريا. تهدف الى احداث تغيير عند المُتّلقي سواء كان صغيرا او كبيرا او كان طالبا او بالغا. ان عدم حدوث تغيير عند المتلقي معناه ان تربية لم تكن وان ما قام به المعلم او الاب او الام او المؤسسات الاعلامية على انواعها شيء عبث لا نفع منه، والتغيير عند المتلقي يحدث في عدة نواح في شخصية الانسان اولها الناحية العقلية حين تهدف التربية الى اكساب المعلومات والمعارف وفهمها وتحويلها الى قاعدة انطلاق من أجل تطوير التفكير في جميع درجاته – التفكير العملي والتطبيقي والتحليلي والاستنتاجي والمنطقي والابداعي والناقد. وقد سبق وشرحنا ذلك في مقال سابق تحت عنوان "المدرسة بيت العقل".
وثانيها في الناحية الانفعالية العاطفية والتي يحدث فيها التغيير في مجال عواطف الانسان ومشاعره واحاسيسه. والسائد ان هذه الناحية في الانسان تتمركز في القلب. فالقلب هو مركز الحب والكراهية ومركز العواطف والمشاعر والاحاسيس، وخطاب القلب يختلف عن خطاب العقل وسابق له، وهو أساس لذلك، وانا أومن ان "الطريق الى عقل الولد قلبه" الا ان الدماغ يتحكم بالمشاعر والعواطف، ويلجم الانسان عن التمادي والمبالغة في اظهار عواطفه وتركها تسيطر عليه، لان هذا يسبب له مشكلة لنفسه ولغيره وهدف التربية تعليم الطالب كيف يتحكم في عواطفه وانفعالاته.
لذا اخترت ان يكون عنوان مقالي هذا "خطاب القلوب" والتربية في هذا المجال تسعى الى احداث تغيير في شخصية المتعلم وشخصية الانسان وتسعى الى اكسابه قيما اجتماعية وحياتية واخلاقية.
والمتعلم يستمد فحوى هذه الناحية مما يتعلمه من وسائل الاعلام على انواعها ومن مواد علمية تتصل بالحضارة والتراث والادب والدين والعلوم... هذه المواضيع تحمل دائما في طياتها القيم التي يجب ان يتلقاها الانسان ويفهمها ويعمل على تذويتها في نفسه لتصبح جزءا منه. اما ثالثها فهو الناحية النفسحركية التي تشمل تربية الحواس واكساب مهارات التواصل الاجتماعي الكلامي وغير الكلامي مثل لغة الاشارات ولغة العين وسنأتي على تفصيل ذلك في المقال القادم "عندما نخاطب العيون".
إن حديثنا في هذا المقال حول "خطاب القلوب" يتمركز في القلب وكونه مركزاً للحب والكراهية ومركزًا للأحاسيس والمشاعر والعواطف. صحيح ان عملية التربية والتعليم تتصل بشكل مباشر بالمتعلم في جميع مراحل دراسته الا ان الانسان يبقى عالما ومتعلما ما عاش. اذكر بهذا الصدد ان احد علماء المسلمين اجاب عندما سئل "لو علمت انك مائت غدا، ماذا تفعل؟ اجاب بالقول: اقوم واطلب العلم فطلب العلم فريضة وكما قال الرسول الكريم، اطلبوا العلم من المهد الى اللحد، واطلبوا العلم ولو في الصين". لكن علينا ان لا ننسى القاعدة الذهبية التي تقول، الطريق الى عقل الولد قلبه. وان ما يسمعه او يراه الانسان مرتبطٌ باستعداده واستعداده لتقبل ذلك، فكم من معلم احب طلابه وطلابه احبوه واحب المادة التي يعلمها وجعل طلابه يحبونها الى درجة التخصص بها واختيارها لتخصصه في تعليمه العالي من اجل تخطيط مستقبله في الحياة... وكم من طالب كره التعلم وكره المدرسة وكره الموضوع بسبب تعامل المعلم وتعامل المدرسة معه لان هذا المعلم لم يدخل قلب الولد، وهذه المدرسة لم تعمل على تلبية حاجات الولد النفسية والعاطفية والعقلية، وفي هذا السياق اذكر قولا في كتاب وضع باللغة الانجليزية بعنوان ما هي المدرسة؟ وتعريفها بأنها مكان للهرب School is a place to escape from فلا عجب ان المدرسة بيت القلوب، وهذا جل ما نتمناه الى جانب كون المدرسة "بيت العقل" ولكن للاسف الشديد فان مدارسنا اليوم لا تعمل بهذه الروح ولا تجعل من نفسها مكانا ليس للهرب منه بل مكانا للرجوع اليه بعد الدوام والانشغال بنشاطات وفعاليات يحبها الطالب وهذا يحصل حينما تشيع المدرسة جوا من المحبة وتتحول الى مكان يشد الولد اليها ويفاخر فيما بعد انه تخرج منها... وتتعامل معه كانسان لديه قلب ولديه ميول ورغبات وعواطف ربما لا يجد مكانا لها في البيت، فيجد فيها مكانا للمتعة والسرور ومكانا للتنفيس عما يضايقه، ان ادخال ما يسمى اليوم يوم التعليم الطويل في المدرسة يساعد في خلق كل ذلك اذا ما احسنت المدرسة استعماله وليس تحويل المدرسة الى سجن بسبب عدم العمل على تنويع وخلق فعاليات ونشاطات يحبها الطالب، بما في ذلك حل الوظائف البيتية بعد انتهاء البرنامج المدرسي، وبمساعدة المعلمين للطالب في ذلك، ليعود في النهاية الى البيت متحررا من كابوس حل الوظيفة وليجد متسعا من الوقت للمتعة والراحة ومزاولة اللعب وهوايات اخرى له ولكي يكون التأثير التربوي فاعلا، فعلى المعلم او المربي ان يقوم وقبل عرضه للمادة التي يريد تعليمها ان يمهّد ويرغب الطالب في المادة وتقبلها نفسيا، عليه ان يثير الاستجابة المناسبة للتعلم وان يعمل على التقاء الطالب بالقيم التي تحملها المادة ويذوتها في نفسه ويحولها فيما بعد الى قواعد سلوكية في حياته والى مركبات أساسية في بناء شخصيته وتكوين فلسفة للحياة خاصة به.
ان تكوين شخصية المتعلم في كثير من جوانبها تعتمد على هذا الخطاب "خطاب القلوب" وما قيل عن المدرسة ينطبق ايضا على البيت والبيئة والدولة التي يعيش فيها الطالب من حيث اشاعة اجواء المحبة والاستجابة لمطالب الولد النفسية وغيرها...
خلاصة: المقال اعلاه هو المقال الثالث في سلسلة مقالات حول مفهوم التربية التي تنادي بها كل يوم من أجل الصغار والكبار ومن أجل الآباء والامهات ومن أجل كل مهتم في هذا الموضوع.
هذه محاولة مني لتقريب مفهوم التربية التي نمارسها يوميا في مؤسساتنا التعليمية وفي البيت والشارع والمجتمع وبواسطة وسائل الاعلام المنظورة والمسموعة.. لقد اخترت ان اخاطب المعلم والاب والام وكل من يقصد اشاعة تربية صحيحة في المجتمع بأسلوب مبسّط وسهل من أجل فهم عملية التربية وما هو العنوان الذي يجب ان نخاطبه من أجل انجاح هذه العملية فاخترت العقل عنوانا للمخاطبة من اجل ما ننادي به لتطوير التفكير عند الانسان واكساب المعرفة هنا واخترت القلب لمخاطبة عواطف الانسان والمتعلم ومخاطبة مشاعره وأحاسيسه وضبط انفعالاته والتحكم بسلوكه بما يليق به في حياته في المجتمع واخترت العين للمخاطبة كمندوب عن الحواس الخمس وكيفية استغلالها لتعميق التربية عند المتعلم ومخاطبة اللسان – ترجمان العقل والعواطف وكيف يجب تثقيفه بحيث يؤدي ما هو مطلوب عند المتكلم بالتعبير الكلامي المناسب وباستعمال الحركات والاشارات التي تساعد في ايصال الهدف من الكلام للسامع وجعل المتكلم بليغا في خطابه الكلامي باستعمال اشارات وحركات معبرة عما يفكر به او يجيش به صدره او يجول في خاطره، كل هذا من اجل احداث تغيير عند المتلقي في النواحي الثلاث : العقلية والانفعالية العاطفية والنفسحركية، وكما قلنا فان الطريق الى عقل المتلقي قلبه.