البروة والحصان.. والجلنار الحزين

single

البروة مَسقط رأس الشاعر العربي الكبير محمود درويش تبعدُ عن  مدينة شفاعمرو بلدي كليومترات قليلة..عَبَرتُ بسيارتي من هناك الى عكا، هدفي أبحث عن ذاتي  وعن ما تبقى من جمال في فلسطين. أقتفي دروب نابليون وقبعته وصلاح الدين وفرسانه الدمشقيين.
وقفتُ بسيارتي بمُحذاة الطريق أبحث بين أطلال البروة عن بيت درويش، وعن ذاك الحصٌان الذي تركه الاب ليستأنس به البيت،  والسروة القديمة، وشواهد القبور، وبقايا مئذنة،  وحوض نعناع على حفافِ بئرِ  غَدت وكأنها  وشمُ قديمُ في قرية كانت مَرة قرية، وأصبحت علامة فارقة في ضياع فلسطين.أرى كل مرة  الحصان اياه الذي بقيَ وحيدًا مُجنحًا  يطيرُ في سماء القرية وعلى مَتنه سَرج ذهبي لامع كسروج الملائكة ، يصهل صهيلًا مُوجعا ثم لا ينفك يدور ثم يدور في  سماء القرية، مثله  كرف الحمام الي يدور حولَ بقايا مئذنة  عَصفتها الريح الهوجاء وغدت أثرا بعد عين. يَحطُ الرف ويطيرُ ويحطُ على فروع تينة يتيمة خَلفها جد درويش هناك ملاذا  لحمام البيت الذي لم يهاجر، وعصافير الدوري الصغيرة التي تسعى لرزقها وتنقر  حبات التين الناضجة في تموز، وكأنها تشهد على العهد الذي كان وولى وأصبح منذ عصور في مهب الريح. الحصان لا ينفك يدور ويلفُ ساحبًا وراءه غمامة بيضاء  صيفية كنتف الثلج، آتى بها من بحر عكا القريب يصهلُ ويصهلُ صهيلاَ موجعًا باحثًا عن طفل ، عن صديقه الذي رَحَلَ،  يَسكنُ أبدية بيضاء اختارها لذاته ولا  يعرف مكانها أحد غيره.
حركات الحصان  وعصبيته وصهيلة الموجع العميق الأتي من عمق الأرض، يخبرني أنه مازال  يَحرسُ الدار.. ويَحرسُ بوابة الدار وينتظر صديقه ..وكأنه  عما قليل آت مع ضمة من شقائق النعمان وبعض سنابل وحشائش خضراء طرية، وضمة نعناع بقيت هناك على العهد بين الطيون وتحت الجلنار الحزين على حفاف البئر العتيقة  التي لم تنضب بعد. تعود كل مرة مع الربيع، وتبعث خريرها يتلوى بين أشجار الزيتون  المهملة التي جار عليها الفراق في بستان مهجور قهره الزمن.تعود  بعد الشتاء الطويل في قرية اشباح   مع خريرها الحزين الذي ينعو الديار ويلعنُ  الهَجرَ والشقاء وطول الغياب.  أطير بسيارتي  نحو الغرب وأنا أشاهد في مرآتي العاكسة مأساة ذاك الحصان الذي  يحوم ويحوم مُتحديًا الوجود  وعواصف الزمن وعواصف القلب ..أقول لذاتي  لابد أنه   يَنتظرُ طائر الفنيق  الآتي من خلف الهضاب  التي غارت في مدى المسافة وقدرة مرأتي العاكسة...صباح الخير ليوم سيعود.
قد يهمّكم أيضا..
featured

العيش لوحدنا، تخيلاً (عندما يٌخيّل للأطراف أنها المركز)

featured

المأزق القيادي الفلسطيني: أزمة راهنة أم استنفاد دور تاريخي ؟

featured

قراءة في نتائج الانتخابات المصرية وانعاكسها على القضية الفلسطينية (1)

featured

عن كـِتاب الرئيس ووثائـِق الـويكي-لِيكس(Wiki-leaks)!

featured

رسالة الجراح الفلسطينية

featured

"أنظمة أمريكا" ضد فلسطين

featured

ألانسجام المتطور مع الذات ومع الآخر

featured

عروبتي هويتي؟؟؟