بفوز د. محمد مرسي بمقعد رئاسة جمهورية مصر العربية، يكون قطار "الجمهورية الثانية" قد انطلق من ذات المحطة التي توقف عندها، اضطراريا، وبفضل ثورة 25 يناير، قطار جمهورية حكم العسكر. ثمة محطات انتقالية حبلى بالصراعات بين طلائع الجمهورية الثانية وبقايا الجمهورية الأولى، على مستقبل مصر وطبيعة نظامها السياسي وعلاقاتها بالمحيط وبالعالم. ولا غرو في ذلك، فمحمد مرسي ليس رئيسا مدنيا فحسب، بل ومن حركة الإخوان المسلمين، الحركة الأكبر والأكثر تنظيما، التي شاغلت العسكر طويلا وشاغلوها، تحالفوا معها طورا وخاصموها وخاصمتهم أطوارا. ومع هذا الفوز الملتبس، المحفوف بالرهانات والتكهنات، تدلف مصر، ومعها المنطقة برمتها، مرحلة جديدة بالكامل.
وبحكم الجوار الجغرافي والتاريخ المشترك وتقاطع المصالح وتداخل الأمن والدور الإقليمي لمصر، وللأهمية القصوى لفلسطين وموقعها، من منظور جغرافي وسياسي وقومي وديني، فما يحدث في مصر سرعان ما تسمع صداه في جنبات وأروقة القضية الفلسطينية منذ أصبحت قضية. وما يحدث لفلسطين وفيها تجد ارتجاجاته في أزقة المدن المصرية وهيئات صنع القرارات فيها. ولذلك، يرى البعض أن سيطرة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على قطاع غزة بعد فوزها في الانتخابات التشريعية عام 2006 لعب دور المحرض المباشر والعامل المعجل في سقوط نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك. ويرى هؤلاء، بالتالي، أنه كيفما تكون وجهة السياسة المصرية ومواقف قياداتها، تكون فلسطين أو يجب أن تكون.
تعيش المنطقة منذ اندلاع ما سمي بثورات الربيع العربي حالة انتقالية بين زمنين: زمن الفساد والاستبداد والتبعية وزمن آخر لم تتحدد معالمه بعد. تمثل هذه الحالة غير المحددة انعطافة كبرى في المشهد السياسي والاقتصادي والاجتماعي العام، وبوصفها نقطة تحول بين زمنين، تتغير معها علاقات القوة، شكل الدولة، طبيعة النظام ونمط إدارة المجتمع. بتأثير عاملين/ديناميتين، داخلية تتمثل في الحراك الجماهيري غير المسبوق، وخارجية تتمثل في تأثيرات المحيط وتدخلات الإقليم وقوى النظام العالمي سلبا أو إيجابا.
وينظر البعض إلى هذه المبادرة التاريخية التي تنخرط فيها جموع الجماهير التواقة للحرية والديموقراطية والكرامة والعدالة، بوصفها وسيلة للتحرر من جبروت الأنظمة المستبدة، وأملا يفتح على مسارات وخيارات جديدة؛ لكنه أمل محفوف بمخاطر تشكل تحديا هائلا أمام القوى السياسية والاجتماعية النازعة للديموقراطية، منها: وصول حالة التفكك الجارية الآن إلى مديات بعيدة وصولا إلى زوال الدولة والدخول في الفوضى الشاملة، استغوال العامل الخارجي وتأثيراته على مجريات الأحداث في اتجاهات بعينها تمكنه من السيطرة والتحكم، وصول الحركات الاسلامية إلى سدة الحكم، مع ما يحمله هذا الأمر من تساؤلات مشروعة وتخوفات جدية، أخطرها، تعرض النزوع للديموقراطية إلى انتكاسة كبرى على يد هذه القوى التي لم يثبت بالتجربة التزامها بقواعد اللعبة الديموقراطية ومبادئها وضوابطها.
بينما يذهب آخرون إلى أن وصول حركة الإخوان المسلمين، بوصفها أكبر وأهم وأقدم حركة سياسية عربية عابرة للحدود، إلى سدة الحكم في أكثر من بلد عربي، من شأنه أن يعزز من عقلنة الاتجاه الاسلامي ما يدفعه للقبول بالتعددية وتداول السلطة، كما من شأنه أن يضع قدراتهم ومواقفهم على المحك العملي في مواجهة القضايا المعقدة والصعبة، وفي نهاية المطاف يدفع الناس للتعامل معهم بوصفهم حزبا سياسيا، يخطئ ويصيب، يتعلم من التجربة فيصحح المسار والسلوك ويعدل الخطاب، أو لا يفعل فيذهب بريقه ويرتد الناس عن تأييده ويلتفتون عنه بحثا عن بديل، ففي نهاية المطاف-يقول راشد الغنوشي- الحركات الاسلامية ظاهرة اجتماعية قابلة للتطور.
إن نجاحها في الوصول إلى سدة الحكم في مصر يشكل التحدي الأبرز أمام حركة الإخوان المسلمين منذ نشأتها عام 1928. فعدا عن الميراث الثقيل لحقبة مبارك على الصعيدين الداخلي والخارجي، هناك قضايا إشكالية كبرى، قديمة ومستجدة، ينتظر الناس كيف سيتعامل معها الإسلاميون؟ كيف سينجحون فيما فشل فيه الآخرون؟ فعلى سبيل المثال، كيف سيكون رد القيادة المصرية الجديدة على حرب إسرائيلية أخرى كتلك التي شنتها على قطاع غزة عام 2008، أو على لبنان عام 2006، أين ستقف مصر، تحت قيادة الإخوان المسلمين، في حال شكلت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفًا لضرب إيران أو غزوها عسكريًا؟.
***
إن مما لاشك فيه أن الوضع الجديد في مصر، بعد فوز مرسي بالرئاسة، سيكون له أبعد الأثر على القضية الفلسطينية، بل على مجمل الأوضاع في المنطقة. ومما لاشك فيه أيضا أن هذا الأثر لن يأتِ دفعة واحدة، بل سيكون على مراحل، وسيتبدى بوضوح عند المنعطفات الحرجة والأحداث الكبرى. وفي مطلق الأحوال، سيظل هذا الأثر محكوما بمجموعة من المحددات: درجة الاستقرار الداخلي ومستوى الاستقواء الذاتي، بما في ذلك، حنكة وذكاء القيادة الجديدة، الموقف الأميركي وردود الفعل الإسرائيلية (وربما الأفعال الاستباقية الإسرائيلية)، هذا علاوة على محددات أخرى، أقل تأثيرا، من قبيل مستوى القابلية الفلسطينية للتجاوب مع المتغير الجديد، مواقف وردود أفعال قوى إقليمية نافذة، اعتبارات الجغرافيا السياسية والمصالح الاقتصادية والعلاقات والتعهدات الدولية.
استنادا إلى العديد من المعطيات والمؤشرات، يفترض الكاتب أن التأثير المباشر وقصير الأجل لوصول الإخوان إلى سدة الحكم في مصر على المسألة الفلسطينية، سيتركز على ملفين، هما: ملف المصالحة الفلسطينية، وملف الوضع الإنساني في قطاع غزة، في ظل سياسة مصرية معلنة وواضحة تؤكد على التزامها باتفاقيات كامب ديفيد، وعدم السعي إلى توتير العلاقة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة الأمريكية.
أما التأثيرات على المدى المتوسط، وخصوصا عند اقتراب نهاية الولاية الأولى للرئيس المنتخب، فستأخذ مسارات ملتبسة: إعادة طرح مبادرات للحل، مطالبات مصرية، مدعومة بتحركات شعبية قوية في الميدان، بتعديل الاتفاقيات المجحفة، ما يدفع إسرائيل إلى تبني سياسة "الاستدراج" وإيقاع القيادة المصرية في حرج أو فخ إستراتيجي؛ إما أن تجرها إلى حرب وإما أن تدفعها للقبول بإملاءات جديدة. وفي كل الأحوال، نعتقد أن التأثير الأهم سيكون هو وضع نهاية لمرحلة طويلة من النضال الوطني الفلسطيني تحت قيادة منظمة التحرير وحركة التحرر الوطني الفلسطيني "فتح"، والتعبير عن ذلك ربما يتمثل بالانقلاب على الرئيس الفلسطيني محمود عباس وإنهاء حالة الانقسام، ليس بإعادة بناء الإجماع وتحقيق المصالحة بين مختلف الأطراف الفلسطينية، وإنما بتولي حركة حماس شأن إدارة ما يتبقى من الضفة الغربية بعد تطبيق خطة شارون في طبعتها الجديدة طبقا لتصريح وزير "الامن"الإسرائيلي ايهود باراك.
ستعالج هذه المقالة موضوع تأثيرات نتائج الانتخابات المصرية وانعكاساتها المباشرة وغير المباشرة على القضية الفلسطينية على ثلاثة مستويات: تأثيرات مرتبطة بالمنظور العام لحركة الإخوان المسلمين تجاه القضية الفلسطينية، تأثيرات مرتبطة بالموقف الإسرائيلي تجاه الحدث المصري وصيرورته، تأثيرات تتعلق بالرهانات الفلسطينية وما يتبعها من سلوك سياسي. وستنظر المقالة في التأثيرات عبر سيرورتها وتحولاتها في المرحلة الأولى (أي قبل إقرار الدستور المصري الجديد)، المرحلة الثانية إذا ما استكمل الرئيس محمد مرسي المدة القانونية لولايته الأولى، المرحلة الثالثة، في حال فوزه بولاية ثانية أو فوز مرشح آخر عن حركة الإخوان المسلمين. أي أن المقالة تركز على التأثيرات المحتملة فقط للمتغير المستقل المرتبط حصرا بقيادة الإخوان المسلمين لمصر في غضون السنوات القليلة القادمة. غني عن القول أن المتغير التابع هنا، القضية الفلسطينية، يشتمل على متغيرات فرعية عديدة منها؛ ملف المصالحة، الموقف من الرئيس أبو مازن، مسيرة التسوية، دعم المقاومة، العلاقات مع إسرائيل،..إلخ
وقبل المضي قدما في فحص الانعكاسات والتأثيرات، سوف نتوقف عند المتغير المستقل، نتائج الانتخابات المصرية وسياقها العام لنكشف المحددات الرئيسة للسلوك السياسي المصري في ظل حكم الإخوان المسلمين، في السياسة الخارجية عموما، وتجاه المسألة الفلسطينية على وجه الخصوص.
*تحديات المرحلة الانتقالية: هل ينجح الإخوان في قيادة الجمهورية الثانية؟*
إن مما لاشك فيه، أن السياسة الخارجية لمصر، والدور المتوقع منها في الشأن الفلسطيني سيتأثران بمدى قدرة القيادة الجديدة على مواجهة التحديات الداخلية. يلخص السيد يسين المشهد السياسي الراهن في مصر بقوله "بروز مخاطر هيمنة الفكر الواحد لـلإخوان المسلمين، والمناورات السياسية التي يقوم بها رئيس الجمهورية للتعامل مع الأمر الواقع، والذي يتمثل في سيطرة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على المرحلة الانتقالية الجديدة، التي ستمتد حتى الانتهاء من وضع الدستور والاستفتاء عليه وإجراء الانتخابات التشريعية الجديدة". ويضيف آخرون مشاكل وتحديات تواجه الرئيس، من شأن نجاحه أو فشله في مواجهتها وحلها أن تلقي بظلالها على سياسة مصر الخارجية وموقفها من القضية الفلسطينية. من ذلك، الاستقرار السياسي وتردي الأوضاع الاقتصادية، والاحتجاجات الفئوية، والانفلات الأمني، وحالة الجدل السياسي المحتدم حول تأخر استيفاء استحقاقات الثورة، وانتقال السلطة وغير ذلك.
يواجه الرئيس خطر انهيار ترتيبات المرحلة الانتقالية، وخطر ناجم عن العجز في تلبية المطالب المجتمعية المتصاعدة، وخطر الفشل في بناء الاجماع والتوافق وضمان فرض خياراته كرئيس منتخب، وخطر الصدام مع مؤسسات الدولة (المجلس العسكري، البيروقراطية المدنية، القضاء) وخطر انفضاض حلفائه عنه إذا ما تجنب طرح شعارات تطبيق الشريعة، أو انفضاض القوى الثورية التي راهنت عليه ودعمته إذا ما تباطئ في تأكيد مرتكزات الدولة المدنية وحقوق المواطنة.
كما يواجه خطر احساس رجل الشارع العادي بالخيبة إذا ما غلّب اعتبارات الصراع على السلطة على حساب تطلعاته، وهو ما ليس بمقدوره العمل عليها وتحقيق انجازات يعتد بها في شأنها. أمام هذه المخاطر المحدقة، يصعب تصور نجاح الرئيس المنتخب في قطع الطريق الطويل والشائك أمام مصر لاستعادة دورها المفقود واستعادة عافيتها، بوزنها الحقيقي والتاريخي بعد أكثر من ثلاثة عقود ونيف من التهميش والتبعية.
لعله من نافل القول، أن حركة الإخوان المسلمين ستكون أحد أبرز مقرري السياسة الخارجية، وكيفية التعاطي مع الملف الفلسطيني على وجه الخصوص، حتى وإن بقي هذا الملف في عهدة المخابرات العامة وظل المجلس العسكري قادرا على كبح أي سياسة لا تتفق ورؤيته للصراع. ففي جميع الأحوال، في ضوء الأحداث الأخيرة، ومن بينها إجراء الانتخابات وفوز مرشح حزب الحرية والعدالة، تبدو مصر وكأنها حسمت خيارها باتجاه التحول الديموقراطي وهي تعيد بناء نظامها السياسي على أساس ذلك. ستشهد المرحلة الانتقالية صراعا، قد يكون على الخيار ذاته، أو ربما سيقتصر الصراع، بين القوى والفاعلين الأساسيين، على وتائر التحول ومساراته وعلى الإمكانيات التي يحملها (تداول السلطة بصورة دورية، إعادة بناء عقد اجتماعي جديد، إعادة تعريف دور مصر الإقليمي وتحديد مضامين جديدة لأمنها القومي، بناء دولة مدنية) وبالتأكيد ستظل حركة الإخوان المسلمين، بوصفها الحركة الأكثر تنظيما، ولاعتبارات أخرى أيضا، اللاعب الرئيس في حلبة الصراع.
يشكك كثيرون في قدرة – وربما - نية الحركة تجاه بناء دولة ديموقراطية حديثة حقا. ويستدلون على ذلك بسجل الحركة السياسي، بما في ذلك محاولاتها الاستئثار بالسلطة بعيد نجاح مرشحيها وحلفائهم السلفيين في انتخابات مجلسي الشعب والشورى، كما يستدلون على ذلك بطبيعة الفكر المرجعي للحركة، الذي يزعم أن لديه الحل لكل المشكلات، ما يعني اقصاء الآخرين والاستهتار بآراءهم أو التقليل من شأنها وصولا إلى كبح حرية التعبير عنها. ولعل أبرز المخاوف تجاه حكم الإخوان تتمثل في غموض وتضارب أطروحات الحركة ومرشحها الفائز حول كيفية تطبيق الشريعة، وما يترتب عليها من فرض ضوابط مجتمعية وقانونية، يرى البعض أنها ستشكل انتهاكا للمواطنة واخلالا بحقوقها. أمام ضغط حلفائه السلفيين ومخاوف التيارات المدنية، ربما يستخدم الرئيس المنتخب مفردات خطاب الشريعة بصورة غائية، بينما يؤكد على حقوق المواطنة والقيم الديموقراطية. غير أن المرجح، طبقا لتجارب أخرى، وفي ضوء التحديات الهائلة التي تتطلب اصطفافا ثوريا، أن يميل د. محمد مرسي إلى إرجاء خطاب الأسلمة والتركيز على تدعيم سلطته وسيطرته السياسية في مواجهة القوى المناوئة أو المعارضة لحكم الإخوان. ولهذا السبب، ربما، اتسمت خطاباته الأولى بالغموض من حيث استخدام مفردات ليس لها مصدر واحد وثقافة محددة وسياسة لا لبس فيها. يرى البعض في ذلك حكمة وذكاء من قبل مرسي، فإذا كان اسقط، عمدا، تعبير دولة دينية من خطاباته، فإنه أغفل بالمقابل تعبير مدنية الدولة التي يستعد لتبوؤ مقعد القيادة الأولى فيها.
(يتبع، غدا)
