* *
لقد غيّب الموت قبل اسبوعين احد رموز وقادة ديرحنا الشعبييّن ، الا وهو المرحوم محمد صالح دغش ( أبو نزار ) رحمهُ الله ، بعد مرضٍ عضال لم يمهله طويلا، كان ابو نزار من ضمن القادة في ديرحنا وواحدا من اهم رموزها ، لقد ترك بصمات كثيرة في نضال ديرحنا ومسيرتها الشعبية ، منذ زمن الحكم العسكري حتى يومنا هذا .
كما كان منذ نشأته صديقا للحزب الشيوعي ، شارك في جميع مؤتمرات الحزب كصديق للحزب كذلك شارك في مظاهرات اول ايار ويوم الأرض وشارك في كل اضراب ومظاهرة تخدم ابناء شعبنا ، وببساطة فقد كان وطنيا قوميا.
كان مثله الأعلى من قادة هذه الأمة من خالدي الذكر كل من القائد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر والرئيس الشهيد ياسر عرفات والقائد العظيم توفيق زياد ، حيث ربطته صداقة معه، فقد كانا عندما يلتقيان في اجتماع او مظاهرة يتجاذبان اطراف الحديث الى درجة المزاح بينهما .
عندما توفي القائد الخالد جمال عبد الناصر نظم جنازة رمزية جالت في شوارع واحياء قرية ديرحنا وعندما عاد القائد الفذ ياسر عرفات من تونس الى رام الله ذهب مع بعض الأصدقاء والرفاق الى رام الله مهنئا ومصافحا الرئيس ياسر عرفات ورفاقه والتقطت لهما الصور التذكارية ، وعندما توفي طيب الذكر توفيق زياد اعلن الحداد ثلاثة ايام في بيته .
كان يفرح لفرح شعبه الفلسطيني ويحزن لحزنه ومن اهم مقولاته الكريمة ان الشعب الفلسطيني رقم صعب ولا يمكن لأحد ان يتجاوزه .
اما على الصعيد المحلي فقد كان يقود المظاهرات والمسيرات التي كانت تطالب بحق شعبنا الفلسطيني باقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس ، والتي تطالب بالسلام والمساواة وضد مصادرة الأراضي من قِبل السلطة ، وهدم البيوت العربية .
كان صوته مجلجلا ، دابا الحماس بالمتظاهرين عندما كان يعتلي السيارة ماسكا مكبر الصوت ، قائلا هلموا بجماهيركم . كان يقود المسيرات في ذكرى يوم الأرض في القرية او في عرابة وسخنين ، وفي كل مكان من هذا الوطن كان ضد المأجورين والعملاء ويصفهم بالمنبوذين من الوطن .
ومن انجازاته انه اسس جبهة للسلام والمساواة في دير حنا المحلية ،مع رفاق دربه والاصدقاء ،ومثلها في المؤتمرات القطرية ، وكذلك كان مؤسس لجنة الدفاع عن الأراضي المحلية ، ومن مؤسسي لجنة العمل التطوعي في ديرحنا وشارك في الأعمال التطوعية ، وايضا كان من مؤسسي لجنة الاغاثة لشعبنا الفلسطيني في الأراضي المحتلة ،في الجولان السوري المحتل ، الضفة وقطاع غزة ، وقد شارك في ايصال حملات الاغاثة الى اهالينا في الاراضي المحاصرة .
كانت تعم قلبه الفرحة العارمة عند فوز الحزب الشيوعي والجبهة في انتخابات الكنيست والهستدروت وحتى قائمة الجبهة في نقابة المعلمين كان يشاركها في فوزها ومن اول المهنئين في احتفالات النصر . كان معروفا من قبل الجميع ويتلقى المصافحات من جميع المشاركين وكلامه يكون على مسمع الجميع من جده الى مزاحه . وكذلك تولى منصب نائب رئيس مجلس محلي ديرحنا لعشر سنوات.
ومن الجدير بالذكر ان المرحوم كان من محبي القلم والكتاب فقد كان للكتب حصة كبيرة من وقته بالرغم من انه لم ينل من التعليم سوى المرحلة الابتدائية ، كان يقتني الكتب الاجتماعية والسياسية والشعرية ، فقد كانت لديه مكتبة عامرة بالكتب والمجلدات ، حتى انه كتب موجز تاريخ ديرحنا الحديث زمن حكم ظاهر العمر في كراس صغير ووزعها على معلمي المدارس والاصدقاء .
قبل وفاته بشهر ، وكان المرض قد اقعده ، قال لي يوجد معرض كتب في مدينة سخنين واريد ان تحضر لي ديوان الشاعر محمود درويش ، فسألته لماذا وانت لا تستطيع ان تقرأ لان نظرك ضعيف ؟ فقال لي انت تقرأ لي ، فأحضرت له ديوان الشعر هذا، وعندما كنت اتردد لزيارته دائما يقول لي اقرأ لي قصيدة مديح الظل العالي من الديوان فعندما بدأت بالقراءة نظرت اليه واذ بعينيه تدمعان فقلت له ما بك ؟ قال لا شيء ، اكمل ، فأكملت قراءة القصيدة قال سأرحل من الدنيا بمعنى هذه القصيدة فعرفت مرماه ودمعت عيناي .
عرفته الشبيبة الشيوعية وابناء الكادحين في المخيمات الصيفية التي كان يزورها دائما عندما كانت تقام ، كان صاحب بصر وبصيرة ، اذكر انه في يوم اضراب يوم الارض الخالد عام 1976 اعلن الجيش حظر تجول ، كنا معا، فقال ان هذه خطة وسيقوم الجيش بالاعتقالات فذهب الى مسجد القرية ودعا اهالي القرية للخروج من بيوتهم وهذا ما حدث ، وكذلك عندما طرد اهالي القرية الجيش من ساحة القرية ووسطها وقد لحقهم الشباب خارج القرية في ارض مفتوحة ، قال ان الجيش سيقوم باطلاق النار وستحدث اصابات وهذا ما حدث بالفعل وكان اكثر الاصابات واخطرها في الجهة الغربية من مدرسة الحديقة كما كان يسميها اهالي القرية وقد وصل عدد الجرحى الى 21 جريحا.
كان يقول كلمة الحق ويقف الى جانب الحق ويفرح لثورات العالم من اجل الحرية والديمقراطية وتخلصهم من الاستعمار والامبرالية وكان شعاره الدائم قول الصحابي ابو ذر الغفاري " عجبت لمن لم يجد القوت في بيته ولم يخرج للناس شاهرا سيفه " . هذا شعاره ومثله الاعلى في النضال والكفاح و نتيجة مواقفه هذه لاحقته السلطة وسجن ودفع غرامات مالية .
احب الارض وعشقها ، امضى حياته فلاحا كادا في ارضه ، احب جميع الثائرين والمكافحين والمناضلين في بقاع الارض ، الذين كافحوا من اجل البقاء والحرية والحقوق والمساواة .
هذا القليل عن ابي نزار ، كان ثائرا من دون سلاح ، رحمك الله يا ابا نزار واسكنك فسيح جنانه ، انك لله وللوطن .
(ديرحنا)
