مثلما يفرح الفلاح حينما يرى كرمه الأخضر أفنانه مثقلة بالثمار،
مثلما يسعد المزارع حينما يرى الزيت ينهمر من مزراب المعصرة ويملأ الخوابي،
مثلما يُسرّ بلبل بنور الصباح،
مثلما يبتهج حقل حينما ترقص أشعّة الشمس في حبيبات الندى على ورق الزرع ،
مثلما ترقص فراشة،
مثلما تغني نحلة،
مثلما تحتضن والدة رضيعها بعد غياب،
مثلما تفتح أم ذراعيها لتعانق ابنها الطليق من الأسر،
مثلما يحلم مؤمن عابد متعبّد بتذكرة دخول النعيم،
مثلما تزغرد صبية سمراء لأخيها في يوم زفافه،
مثلما يعتزّ الأب لحظة ميلاد طفله البكر،
مثلما يشعر الكاتب وقد أنجز نصّه،
فرح، مسرور، مبتهج ، فخور أنا بكم.
والعياذ بالله من هذه الأنا التي كلما قمعتها عادت تطلّ عليّ/إلي مثل نبتة صغيرة طالعة من صخرة.
ألتقي بكم يا الأحبة علماء في معاهد راقية، أطباء مختصين مشهورين في مستشفيات البلاد والخارج، أساتذة في الكليات، مهندسين مرموقين، محامين قديرين، صيادلة مَهرة، محاسبين يلاعبون ويلعبون الأرقام بأناملهم، قضاة في المحاكم، مشرّعين في البرلمان، رؤساء وأعضاء سلطات بلدية ومحلية، ألم نقل لكم صباح مساء، ساعة ساعة، حصّة حصّة، درساً درسا: إنكم ملح الأرض!
ألتقي بكم، وربّ صدفة خير من ميعاد، في القدس، في بئر السبع، في يافا، في تل أبيب، في حيفا، في نهاريا، في طبريا، في العفولة، في صفد، في الناصرة، في أم الفحم، في شفاعمرو، في الجليل، في المثلث، في النقب، في أثينا، في روما، في تورينو، في ميونخ، في موسكو، في … وفي … ويأتي السؤال التقليدي: أتذكرني؟ ماذا حدث لناقة طرفة وحصان عنترة؟ وأضحية معاذة العنبرية؟ وهل الحال ما زال منصوبا؟ وماذا تقول اليوم عن المنصوب بنزع الخافض؟ سقى الله تلك الأيام حينما كانت سعاد أو سمر أو ميسون أو رلى أو ريم تقرأ دور ليلى العامرية وتقول لي: " قيس ابن عمي عندنا، يا مرحبا يا مرحبا" وأردّ عليها: "جبل التوباد حيّاك الحيا".
ونضحك ملء صدورنا.
ومرت الأيام عقداً وراء عقد، وتخرّج فوج بعد فوج، وطار حاكم عسكري، ولحق به حاكم لواء عنصري، وفقعت بل طقّت رئيسة وزراء عاشت أرقة من تكاثرنا، وهوى جنرال إلى أعماق البحر بعد أن رأى في كابوسه أرتالا من الصراصير المسممة تهاجمه، ونفق عنصريّ وهو يستغيث من الأفاعي والعقارب في غرفة نومه وأما نحن فقد تعلمنا وبنينا وتزوجنا وأنجبنا وناضلنا وقاومنا وصمدنا.
يا الأحبة!
يا أبنائي وبناتي،
يا طالباتي وطلابي،
فتيان وصبايا الأمس،
رجال ونساء اليوم،
كنتم وما زلتم ملح الأرض.
يا حجارة الوادي وسنديان الجبل،
يا قمح المرج ويا بيّارة الساحل،
ويا زيتون
في كل بلدة زيتونة بل زيتونات بل كروم زيتون !!!
