* فالمعركة لم تنته بتأكيد 80% من شبابنا برفضهم للخدمة المدنية. بالعكس. إنها من هنا تبدأ. السلطة لن تتنازل عن هذا المخطط ورفضنا له في صيغته الحالية لن يثنيها، ورغم أنني لا أملك أي معلومات استخباراتية –وأنا بالطبع فخور بهذا- إلا أنني أستطيع التأكيد بشكل جازم أن مؤسسات الدولة عاكفة الآن على إعادة بلورة هذه المؤامرة لسكبها في قالب جديد وزي أكثر خداعا. فلنكن، إذن، على أهبة الاستعداد. الاستعداد لماذا؟ لمواجهة المؤامرة القادمة؟ ولكن لماذا، لماذا نرضى لأنفسنا أن نظل في خانة الدفاع ورد الفعل؟ نتائج الاستطلاع المشرفة، مؤشر على أن لدينا بين شبابنا طاقة غامرة تخولنا على المبادرة نحن، على الهجوم *
الموقف المشرف لشبابنا الفلسطيني ضد مؤامرة "الخدمة المدنية"، والذي تجلى باستطلاع للرأي نشرت نتائجه يوم الجمعة قبل الأخير (الاتحاد، 22.10.2010) بتأكيد 80% من أبناء الشبيبة على رفضهم لهذا المخطط، هو بلا شك نتاج نضال مثابر ومؤثر قامت قامت به بأشكال متفاوتة العديد من الأطر التقدمية والوطنية الفاعلة بين جمهور الشباب الفلسطيني في إسرائيل، وعلى رأسها لجنة مناهضة الخدمة المدنية المنبثقة عن لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير العربية في البلاد.
نتائج هذا الإستطلاع كانت مرضية بلا شك، حتى أننا تنفسنا الصعداء في لحظة من الارتياح -وما أقل هذه اللحظات في بلادنا وظروفنا- إلا أنه يجب علينا ألا نسمح لتفاؤلنا بخداعنا، فالمعركة لا تنتهي بتسجيل هذا الانجاز. بالعكس. إنها من هنا تبدأ. السلطة لن تتنازل عن هذا المخطط ورفضنا له في صيغته الحالية لن يثنيها، ورغم أنني لا أملك أي معلومات استخباراتية –وأنا بالطبع فخور بهذا- إلا أنني أستطيع التأكيد بشكل جازم أن مؤسسات الدولة عاكفة الآن على إعادة بلورة هذه المؤامرة لسكبها في قالب جديد وزي أكثر خداعا. فلنكن، إذن، على أهبة الاستعداد. الاستعداد لماذا؟ لمواجهة المؤامرة القادمة؟ ولكن لماذا، لماذا نرضى لأنفسنا أن نظل في خانة الدفاع ورد الفعل؟ نتائج الاستطلاع المشرفة، مؤشر على أن لدينا بين شبابنا طاقة غامرة تخولنا على المبادرة نحن، على الهجوم. وهذا ما سأحاول بهذه الدراسة تناوله من خلال منظورين، الأول، منظار المقارنة بين هذا المشروع ومحاولات تطبيقه في البلاد مع المحاولات المقابلة في دول أخرى واستشفاف المفارقة بين النموذج الاسرائيلي والنماذج الأخرى، وأسباب نشأتها، وبشكل خاص في ألمانيا، التي تحمل الكثير من القواسم المشتركة بينها وبين اسرائيل، بهذا الصدد على وجه الخصوص. من خلال هذه المقارنة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار ثلاث متغيرات مركزية:
• مكانة الجيش في المجتمع والدولة والخلفية التاريخية لتطور هذه المكانة.
• اعتراف الدولة بحق المواطن بعدم الالتزام بالقانون، بما في ذلك بواجب الخدمة العسكرية.
• مشروع الخدمة المدنية كما هو مطروح في إسرائيل وغيرها من الدول المعدودة على المعسكر الغربي الديمقراطي.
وأما المنظار الآخر فهو داخلي، يتمحور بالنوذج الاسرائيلي وتطوره على مر السنوات، بالنسبة لجمهوريّ المتديني اليهود والعرب الفلسطينيين، كما سأحاول التوصل إلى تلخيص آمل أن يسهم بتعزيز نضالنا في المرحلة القادمة.
* الخدمة المدنية، والحق برفض الخدمة العسكرية *
تفاخر مديرية مشروع الخدمة المدنية في البلاد، في موقعها الإلكتروني بالنشأة التاريخية لفكرة الخدمة المدنية، التي تطورت في بداية القرن العشرين كبديل للخدمة العسكرية، والتي وصفها المفكر الأمريكي ويليام جيمس بـ"البديل الأخلاقي للحرب".
فهل الخدمة المدنية في البلاد، كما في الحالة الأوروبية مثلا، تأتي بديلا أخلاقيا للعسكرة؟ وهل هذا ما أدى بالحكومات المتعاقبة في العقد الأخير وهي أكثر الحكومات دموية وعسكرة إلى طرح هذا المشروع والتمسك به؟ فأوروبا مثلا، توجهت إلى هذا المسلك بعدما ذاقت الويلات في الحربين العالميتين وأدركت أن هنالك حاجة للحد من العسكرة الفتاكة، فهل وصلت إسرائيل إلى هذا الموقع؟
الجواب، سلبي قاطع!
ولنكون أكثر وضوحا، سنبدأ من البداية، من فرض الخدمة العسكرية وتفشيها: في كتابهما تحت عنوان "باسم الأمن"، يكتب ماجد الحاج وأوري بن أليعيزر، أن المدنيين أصبحوا اكثر عرضة لويلات الحروب منذ القرن التاسع عشر، لعدة أسباب على رأسها تطور التقنيات الحربية لكننا لن نخوض هنا بتحليل هذه الأسباب إنما بانعكاساتها على تنظم الجيش، فالجيوش لم تعد محصورة على الفرسان من أبناء العائلات النبيلة ولا على المرتزقة الذين لا يهمهم من الحرب إلا أجورهم، إنما تحولت الجيوش إلى منظمات شعبية (mass armies) وأخذت الجيوش لها طوابع قومية واعتمدت على قدرة الدول بتجنيد مواطنيها إن كان من خلال فرض الخدمة الإلزامية بالقوة أو بتأجيج المشاعر القومية وبث فكر معين قادر على دفع الناس إلى الجند طواعية ونتيجة لهذه التطورات نتجت في العصر الحديث المزيد من نقاط الالتقاء بين المجالين المدني والعسكري، ما أدى في كثير من الأحيان إلى تعقيد مهمة التمييز بين جبهة الحرب و"الجبهة الداخلية" وبين الجندي والمواطن وكلما كان للقوة العسكرية تأثير أكبر على حياة المدنيين كلما أصبحت هذه المهمة أصعب وأكثر تعقيدا.
الحاج وبن أليعيزر يواصلان ويؤكدان أن هذا الوضع أخذ بالتغير في عصر ما بعد الحداثة المتميز بتآكل القيم الجماعية لصالح الفردانية ما أدى في العقود إلى الأخيرة إلى التراجع الحاد من فرض الخدمة العسكرية وإلغائها نهائيا في بريطانيا، فرنسا، إيرلندة، هولندا، بلجيكا، لوكسمبورغ، إيطاليا، اسبانيا، والبرتغال، وغيرها من الدول حتى بلغت نسبة المواطنين في الاتحاد الأوروبي الذين حظوا بإعفاء من الخدمة العسكرية إلى 86% (رجالا ونساء).
الدول القليلة، التي ما زالت تفرض الخدمة العسكرية الإجبارية، وأبرزها ألمانيا، تدأب بشكل عام على توفير فرصة الخدمة المدنية لمواطنيها ممن يرفضون أداء الخدمة العسكرية لأسباب مختلفة وعلى رأسها الضمائرية- وهذا ليس صدفة!
ليس الأمر صدفة فالعلاقة بين الخدمة المدنية والرفض المبدئي للخدمة العسكرية وطيدة، حتى أن مؤتمر حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة نشر في كانون الثاني 1997 تقريرا تحت عنوان "مسألة الرفض المبدئي للخدمة العسكرية" والذي يوضح أن المؤتمر توجه إلى عدد كبير من الدول مطالبا إياها بسن قوانين تمنح المواطنين الحق بالتحرر من أداء الخدمة العسكرية من منطلقات ضمائرية وأكد التقرير على أن على هذه الدول أن توفر لمواطنيها بدائل مدينة للخدمة الحربية.
فأين اسرائيل من الاعتراف بحق المواطنين من رفض الخدمة العسكرية؟ هذا السؤال يعيدنا إلى هاجس حقيقي يؤرق الديمقراطية منذ نشأتها، إذ تبلور فريقان، الأول يدعي بأن الانصياع وراء القوانين هو قيمة علينا وأن الأقلية ملزمة به بشكل قاطع وفريق آخر يرفض رؤية الفريق الأول مدعيا أنها تتغذى من الفكرة القائلة بأن على القانون أن يعبّر فقط عن رغبة الأغلبية، ويحذرون من منح الأغلبية كل هذه القوة إلى حد قد تتمكن فيه من إملاء تفاصيل الحياة الدقيقة على الجميع (لقراءة المزيد: حول الديمقراطية والانضباط، تحرير يشاي منوحين، 1998- باللغة العبرية).
ويليام ويلتسر يكتب مقالة تحت عنوان "واجب عدم الانصياع" تم نشرها في كتاب "حول الديمقراطية والانضباط" سابق الذكر، ويلفت فيه الانتباه إلى أن من يخالفون القانون من منطلقات مبدئية بعيدة كل البعد عن الدوافع الجنائية قاموا على مر التاريخ بتصرفهم هذا من منطلق القناعة التامة بأنهم ملزمون بخرق القانون، من منطلق إلتزامهم بما يؤمنون به من عقائد، أو اخلاصهم لمجموعة معينة يشعرون بالانتماء إليها- سواء هو انتماء بدائي وغير اختياري كالانتماء إلى قومية او طائغة معينة أو انتماء اختياري وواع كالانتماء إلى حزب أو فرقة فكرية وعقائدية.
ويلتسر يؤكد أهمية التمييز بين نوعي الانتماء ، فالانتماء إلى دولة ما لا يكون عادة اخياريا، كما هي الحال بالانتماء إلى فرقة ايديولوجية متزمة ولذا فإن من واجب الدولة أن تعمل على استيعاب التنوع والتباين بين المواطنين كونها لا تستطيع أن تلفظ كل من يفكر بشكل مغاير لتفكير الأغلبية.
إلا أن ما نلحظه مؤخرا من عاصفة اقتراحات القوانين العنصرية التي لا تكتفي بفرض سلوك معين على المواطنين إنما تبذل كل الجهود للسيطرة على الأفكار وفرض الرقابة عليها يثبت أن اسرائيل بعيدة كل البعد عن التصرف بسعة صدر وآخذة بالانغلاق نحو فرقة أصولية متزمتة!
* النموذج الألماني كمادة للتفكير *
الحقائق الآنفة الذكر هذه كفيلة بإيضاح الأسباب للفروق الجوهرية بين النموذج الاسرائيلي للخدمة المدنية والنموذج الألماني، وهو النموذج الأبرز في أوروبا، إذ أن أي مقارنة بين هذين النموذجين تثبت بسهولة فائقة أن كل واحد منهما نما من أرضية مختلفة للغاية:
فجمهورية ألمانيا الإتحادية، والمعروفة بألمانيا الغربية، كانت قد تعرضت بعد الحرب العالمية الثانية إلى العديد من القيود من قبل الدول الحليفة المنتصرة، والتي قام اللورد البريطاني وينستريت، بتلخيص سياستها تجاه ألمانيا: "هزيمتها، نزع الأسلحة منها، احتلالها وتربيتها من جديد- معنى الأمر إلغاء القدرة العسكرية لألماينا والقضاء على أحلامها بالسيطرة الكاملة." (تفاصيل أوفى في كتاب موشيه تسيمرمان، "المانيا بعد 1945" بالعبرية).
تسيمرمان يدعي في كتابه بأن ألمانيا لم تكن بحاجة إلى ضغوط الدول المنتصرة لتدرك مخاطر العسكرة بعد هزيمتها ويعتمد على استطلاع للرأي أعرب فيه 62% من سكان ألمانيا الغربية في عام تأسيسها عن رفضهم للتجند، وفي العام 1954 تم إقامة جيش في ألمانيا إلا أنه كان تحت الكثير من التقييدات، وتم من وقتها الاعتراف بحق رافضي الخدمة العسكرية من منطلقات مبدئية.
بحسب بحث أعده مركز الأبحاث التابع للكنيست، يتضح أن قانون رفض الخدمة العسكرية الألماني (المعروف بـ KDVG) يقر بأن لكل مواطن يبلغ من العمر 17,5 عاما الحق بتقديم طلب بعدم التجند للجيش، وبالفعل منذ العام 1956 وحتى العام 2000 بلغ عدد الشباب الألمان الذين استبدلوا الخدمة العسكرية بمدنية أكثر من مليونين، حيث أن الغالبية الساحقة من الطلبات تلبى بالإيجاب ففي العام 1995 لوحده سمحت الدولة لأكثر من 90% من مقدمي الطلبات بتقديم الخدمة المدنية بدلا من العسكرية وقد بلغ عددهم حينها أكثر من 169 ألف مواطن!
موسوعة المعلومات الحرة، ويكيبيديا، تفيد بأن المواطنين اليهود في ألمانيا يحظون باعفاء من واجب تأدية الخدمة العسكرية والمدنية بسبب حساسية الأمر بعد المحرقة- كل هذا دون أن أي مس بحقوق أو مكانة اليهود كمواطنين متساوي الحقوق.
فهل هذه هي حال المواطنين العرب في اسرائيل، وهل تعاملت دولتهم معها بحساسية كونها هي من تسبب بنكبتهم ونكبة شعبهم العربي الفلسطيني في البلاد. وهل يأتي مشروع الخدمة المدنية الاسرائيلي بعدما أدركت المؤسسة الحاكمة هول الحروب وويلات العسكرة فاختارت لها مسلكا آخر؟ هنا علينا ألا ننظر إلى المواطنين العرب فقط، إنما إلى المواطنين اليهود الذين يحاولون التخلص من عبء الخدمة العسكرية من منطلقات مبدئية، فأين هم وأين الاعتراف بحقهم المنصوص عليه في مؤتمر حقوق الإنسان الأممي؟ إن الاعتراف في اسرائيل بحق الرفض من منطلقات مبدئية غير قائم أصلا، ومن يجرؤ على رفض التجند في الجيش لصالح "البديل الأخلاقي للحرب" سيجد نفسه منسيا في غياهب السجون، بلا أي رأفة او رحمة!
وهنا، في اسرائيل لا يسري مشروع الخدمة المدنية إلا على من يختار الجيش بنفسه تسريحهم منه إلى جانب اليهود المتدينين المعفيين من الخدمة العسكرية ومعهم المواطنون العرب الذين يرفضون الخدمة لكن المؤسسة أيضا ترفضهم في "بوتقة الصهر الاسرائيلية."
في الحلقة القادمة ستكون لنا وقفة أطول من النموذج الاسرائيلي كما هو قائم اليوم بالاضافة إلى نماذج أخرى من تطرح بين الحين والآخر..
- يتبع-
