عشْق الارض داء يسكن كل من نفخت الحياة فيهم النسيم، فجاؤوها صارخين من رحم انثى او بذرة تُنبت اخضر تنشق الصخور لعظمة ارادتها و أحصن الحصون. لا تختلف اعراض الداء و آلامه الا في حدود الاجساد، الزمان و المكان لكنها في الجوهر نفسها وان تباينت التربة و المناخات و الامهات. الأم مهما تنوعت التسميات؛ أحبة ام امرأة ام غزالة فإنهم وكل على موروثه بعيد عن ارضه يصيبه السقام. النبتة شجرة ام سنبلة تصيها آفة الفراق فتيبس، عصفور الدوري في الغربة حتى ولو انه حبيس قفص يسكنه القهر و يمتنع عن الطعام الى ان يرتمي صريع عشق فيجف حلقه الى ان يسكنه السكون. الانسان مهما تكبر و تجبر و في الارض سار وتمادى عندما تدنو منيتة تراه من ماله وحلاله براء ولسانه يلهج بلقاء أهله و لرائحة ارضه تواق، عشق يرتوي بحلم العناق فينقضي قدر دونه حسرة من كان لأهله و ارضه عاقا.
عندما جاء الصهاينة بصك صاحب البيت الابيض مطلقا يد الغوغاء سائلا المكر و الدهاء في جريمة غدر الياسر، تحدى شيخ المساكين صلفهم متشبثا بثرى وطنه و في رحم ارضه سكنت روح امير الشهداء. لما تكاثروا مجتمعين عليه لصوص الارض، فأمروه ان يسلم الوطن نفادا بجلده الى منفى شرقي او غربي؛ شمالي او جنوبي، امتشق المجيدي سيف القعقاع، عراقيا و تحدى بصوت رددته عباب السماء "قطعت اليد التي ستوقع اتفاقا مع الصهاينة الاعداء ...في العراق ولدت وفي العراق اموت و ادفن"، فكان ان حصد الغزاة العار المهين و الخونة بثروات الارض والوطن متربصين و في بنوك لندن مسروقاتهم مودعين. عشر سنوات و الشعب العراقي يدفع جزية صمت المؤمنين، دما سيهدر نهارا الى ان يفيق من سباتهم العراقيون و يحجوا نادمين الى اضرحة اوليائهم صدام حسين المجيد، القاضي بالعدل عواد البندر، وطارق عزيز، عزيز الامة الناطق بالحكمة في حضرته تتعتع دهاقنة البيت الابيض وإمّعاتهم عرب و عجم و افرنجيون، ومؤتمن على روح طفل وحياته فكانت خيانته و غدره مكيدة قضى دونها بالحق طفلا شهيدا، ابراهيم قصي صدام حسين المجيد.
ترقبها فوق شوارع عاصمة الضباب لندن تسير و قد جعل صاحبها الارزة على رقم لوحة عربته معلنة على الملأ انه الى بلاد الارز معتد الاصل و الجذور، لا فرق ان كان جنوبا، بيروتيا، جبليا ، شماليا او بقاعيا، فأسياد الطوائف و نافخو كور نعرات الفتن هنا القانون بهم متربص والسجون و الفاسق المدعو ابو قتادة درسا للبطالة الجهلة للدين الحنيف مشوهين ولمن منحهم الأمان غادرين، بالانسانية مستخفين. يقفز القلب من مكانه لمعانقة ابن وطن وشقيق لسان في بلاد الغربة بدون السؤال عن مذهب او دين. الغربة يسكنها حنين، فقالوا؛ "كل غريب للغريب قريب"، الحق ان كل جنس من بني البشر ينظر الاجناس الاخرى فيراهم للوهلة الاولى متشابهين و بفطرة المنشأ تُميز وجوه أبناء جلدته، من نهل من مائهم و لغتهم فسكنيه الى ابد الابدين.
الفلسطيني عشقه للأرض مجبول بآلام مخاض الام و جور غزاة لم يكلوا ولم يعرفوا الملل في غزو الارض المقدسة التي بارك الله من حولها مذ ان جاءها موسى فانقذته من الضالين الطامعين من تاهوا في الصحراء دهرا لم يتعظ لدروسه التالين و لعبره فوق ارض شعب الجبارين متجاهلين. جاءها غزاة طامعون: الرومان، البيزنطيون، الصليبيون و بعدهم الانجليز ممن سقى اسلافهم صلاح الدين علقم الاندحار في حطين و ملوكهم في القدس لمصيرهم مستلمين في حضرة الايوبي راعي التسامح سيفه بالعدل ينزل على رقاب "حراس المعبد" المجرمين.
حاك الانجليز و شقيقهم اللدود الفرنسي حفيد نابليون مؤامرة بإحكام سلاسل فولاذ محبوكة بعد ان اندس في شغل خيوطها ضعاف نفوس أعراب نضحت قلوبهم بالشهوات فكانوا اذيالا لغزاة أرض فوقها حضارة امة جاءت بالنور فمحت فسق الاولين واذهلت من كانوا في الغرب في بذاءتهم و ظلامهم و حكامهم في الفسق منغمسين. فلما جاءهم الحق اختلسوه وحقنوا بالجهل من خَط اسلافهم بيمينهم نواصي الحضارة، فلك وفلسفة وعلم اجتماع وكرم ونخوة فردوهم الى جاهليتهم وبوأد روح العروبة يرتعون فرحين متلذذين.
وردنا لندن مكرهين لا مخيرين؛ ونحن من سُقينا مر العذاب ومتع الحياة حُرمنا في مخيمات اللجوء على ايدي الاشقاء الطائفيين في لبنان و العراق؛ و آخرين غارقين في صحراء بحور النفط عن القدس المغتصبة ونداءات ثكلاها الاذان صامين، و بتحرير اهل بلاد "ستان" منهمكين متشغلين. لم نولد في فلسطين لكنا بالفطرة عشقناها و من براثن جهلة قومنا بحياة غيرهم مستهترين، و جهلهم على اهل العلم فارضين و الا العذاب الاليم او القتل ظلما لأهل العلم العارفين وبالفساد و زبانيته متربصين. نصُون علما اهداه لنا مكابدة امهات، كد وجد آباء، دم شهداء و اهل علم صادقين، به سنواجه من استباحوا العلم فألبسوه رداء الفناء متربصين. عرفنا بمقاصد دهاقنة جامعة اوكسفورد و تدليس كثيرهم علم الاجتماع و السياسة منهمكين غارقين.
في شتاء 1998 جاء من يحاضر في مركز "الملكة اليزابث" لدى جامعة اوكسفورد ينفث ضلال "التدخل الانساني" في شمال العراق مدعيا زورا انقاذ العراقيين وتحضير جيرانهم العرب الدمشقيين لمكيدة تأخذ العرب الى اسفل سافلين. امتشقنا لسان رفيق دراستنا النصراوي الفلسطيني رائد نصرالله وحشرنا المحاضر بكلام حق فصيح صريح؛ فـ "التدخل" يستدعي عنفا و قسوة و املاءات لا علاقة لها بالانسانية والآدميين؛ سألناه يومها والحاضرين؛ هل "مناطق الحظر" و "خطوط الوهم بالطول و العرض" 36 هي ديمقراطية اصحاب وست منستر وشركائهم في البيت الابيض؟ ابتلع قارئ الجهل لسانه و اجتر ما لا يفيد من الكلام. نحن في الشهر الفضيل والله على ما نقول شهيد؛ لم نداهن و لم نصمت لمن كانوا بالباطل متشدقين و للفتنة مروِّجين، في ربيع 1999 جاءت أمة مرتزقة "عراقية" نفس القاعة في المكان اياه وراحت تذرف دموع المتسولين على اهل العراق؛ فقسمته عن سابق اصرار و بخلط يزور العلم و يشوه حقيقة حضارة اهل الرافدين. قلنا يومها: العرب؛ منهم المسلمون و المسيحيون، الشيعة، السنة، الصابئة ، اليزيدون و... الاكرد امة لا يختلف اهلها عن العرب في حرية اختيار المعتقد، الفكر او الدين، والفرس عراقتهم في التاريخ حاضرة و هم الى جميع الديانات احرار مختارون. فبأي حق تخلطين بين الدين و القومية و المعتقد؟ بهتت التي زندقت و صمت العرب من المستمعين المنافقين ولسان حالهم يقول ان هذا لرافس للنعمة و بالشقاء متلحف لا يراعي الحال و يستكين فيضع رأسه بين الرؤوس مناديا على اللصوص لرأسه و اهله قاطعين.
باختصار القول؛ بعد معرفة و تجربة كنا نعلم علم اليقين ان الغربيين؛ فرنسيين، انجليز، أمريكيين حتى بلا تحيز؛ (بلا زغره) الكوريين الجنوبيين يسعون بحثا متلهفين الى اخبار ثروات باطنية او استهلاكية و لمعلومات تلهب حماسة و شجاعة الرأسماليين ولأموالهم مستثمرين في بلدان ارضها غنية و باطنها بالخير الوافر عميم. صناع السلاح، تجار النفط، اصحاب بيوت المال وسماسرة الاستثمارات وتوظيف الاموال "الفائضة" هم انفسهم بمصير حكوماتهم و شعوبهم متحكمون. الديمقراطية بعبارات القبح ممجوجة ليست الا غلافا يعلق في صنارتها و شباكها من البسهم الخمول ثوب الذل فكانوا لارث اهلهم و اسلافهم خائنين. و اغنياء غفلة لبسوا قشور الدين والايمان منهم براء بغرائزهم المحشو قسرا متلهين فكانوا دواب ركبها الرأسماليون و من فتات المال المكدس على ظهرهم راحوا يلقون لهم بقشور بطيخ متلهين. أو ليس نعيق سعود الفيصل السعودي و شقيقيه الحمدين في قطر مثالا صارخا لمن يرتجي الحقيقة و الصراط المستقيم. أوليس زندقة بل كفرا ان يتطفل من كانوا على الحكم دخلاء الى حضارة سوريا ومجد مصر و ناصرها العظيم؛ العظيم يلد عظيما و تيس الماعز تلد انثاه تيسا صغيرا.
الحلم وهم ينحر صاحبه ان لم يك العمل مطرزا بالولاء و الانضباط، و العلم ناصية و سيف العدل مشهور في وجوه القساة الظالمين. حلم العودة بتحرير فلسطين نحره من كانوا لدنياهم مشترين و لآخرتهم متناسين فلما لبسوا "الكتان" نسوا "الخام" الذي لا زال أهلهم يرتدونه لا لفقر او قلة حيلة بل لظالم اراد لهم القهر شرابا و طعاما ليستسلموا فيقضوا مقهورين. نهر دماء. قوافل شهداء مضوا و الحلم ازداد بعدا و الصابرون يعلمون ان صقيع اوسلو (عاصمة النرويج) لا تصنع سلاما بل الاعيب تسرق الوقت و تقدمه وجبة شهية الى حين الى اصحاب القوة المستعمرين. (يتبع)
(باحث، كوفنتري، المملكة المتحدة)
