*الإنسان الذي عشت معه ما يقارب الأربعة وخمسين عامًا*
لم يكن غازي زوجًا فقط، بل كان بالنسبة لي، مدرسة غنية بالعلم والثقافة والتواضع والثقة بالنفس. لقد برز غازي كمناضل شجاع في أقسى الظروف التي واجهتها الأقلية العربية الفلسطينية في داخل إسرائيل. كان قائدًا شيوعيًا اقتنع حتى النخاع بمصداقية سياسة وخط الحزب الشيوعي، فلوحق من قبل السلطة وأعوانها واعتقل في العديد من المرات، وهذا الأمر لم يزده إلا إصرارًا وتمسكًا بخط وسياسة الحزب الشيوعي، وغدا لا يهاب ولا يخاف مقارعة السلطة وأعوانها.
فقد كان مؤمنا بان الحزب الشيوعي هو طريق الحركات الوطنية الصادقة وهو البوصلة التي وجهتنا وجعلتنا نحافظ على هويتنا وانتمائنا وتشبثنا في وطننا، الذي لا وطن لنا سواه.
كان غازي يولي اهتمامًا خاصًّا لقضية المرأة وحقوقها المنتقصة، وكان يؤمن بضرورة النضال إلى جانبها ومساندتها كي تنال حقها بالمساواة في كل مجالات الحياة، فهي النصف الثاني في المجتمع ومن الواجب ان تنال هذا الحق وليس لأحد فضل عليها. فهو من قال:
"إن الذي انتقص النساء حقوقها قد ساند الأسياد في أطماعها"
كان غازي يستنكر الظلم ويتصدى للظلّام حتى قبل ان عمل في السياسة. وكانت عنده القناعة بأنه لا يجوز ان يكون ظالم ومظلوم في هذا العالم. وعندما عمل في السياسة بدأ يدرك ويقتنع بأنه لتحقيق العدالة ولرفع الظلم عن الشعوب المضطهدة والمستعبدة والمسلوبة الحرية، لا بد من الوصول الى مجتمع اشتراكي. ولتحقيق ذلك يجب العمل دون كلل والنضال المستمر من اجل فضح السياسات القائمة ومرتكبيها عن طريق الكتابة في جريدة "الاتحاد" وعن طريق الاجتماعات الشعبية وتنظيم الإضرابات والمظاهرات لمقارعتها.
سار غازي في هذا الطريق دون تردد أو تلكؤ. إلى ان أصبحت حالته الصحية لا تمكِّنه من ممارسة عمله وأقعدته في البيت. لم يرق له هذا الحال وبدأ يتذمر ويقول: أي حياة هذه، عندما يصبح الإنسان غير قادر على العمل والعطاء؟. الا انه يبقى لدى الإنسان دائمًا شيء يستحق الحياة من اجله، فعندما يجتمع الأولاد ويلتف أحفاده من حوله لأخذ الحلوى أو لطلب شيء آخر، كان يظهر على وجهه الرضا والابتهاج. كان ينظر إليهم ويقول لي اني لا أريد هذه الحياة الا من اجل ان أكون معكم وبينكم.
هي سنة الحياة، هو رحل عن عالمنا إلى عالم آخر، ولكنه لم يرحل الا جسدًا أما روحه الطيبة ستبقى فينا وفي قلوبنا ما حيينا.
زوجتك المخلصة سمية
