فُجعت عائلة حوري العراقية المنبت والاسرائيلية المواطن والحزب الشيوعي والجبهة الدمقراطية للسلام والمساواة و"المنتدى الثقافي العراقي"، برحيل القائد الشيوعي الثوري الطبقي الاممي وفارس الميادين في المعترك الكفاحي دفاعا عن قضايا الطبقة الكادحة، ومن اجل السلام العادل والمساواة والعدالة الاجتماعية وضد مختلف مظاهر التمييز والعنصرية، فُجعنا برحيل الرفيق موسى حوري "ابو الشربت" وبفقدانه بعد سنوات من مقاومته للمرض العضال الذي ألم به.
لقد كان الرفيق موسى حوري من ضحايا التهجير القسري الصهيوني لليهود من العراق الى فلسطين في مطلع الخمسينيات. فقد لجأت العصابات الصهيونية في العراق الى ممارسة اعمال ارهابية من تفجير قنابل وغيرها في الكنس اليهودية واحياء سكن اليهود وفي المدارس واماكن العمل وارتكاب مختلف الجرائم، وذلك بالتنسيق مع نظام نوري السعيد العميل الاستعماري ومع دوائر المخابرات الامبريالية وذلك بهدف تضييق الخناق على اليهود وحثهم على الهجرة وترك العراق. وفي اطار موجة الهجرة في اوائل الخمسينيات وفد الى بلادنا واثرى حزبنا الشيوعي عدد لا بأس به من المناضلين والمناضلات الذين تربّوا في المعترك الكفاحي السري للحزب الشيوعي العراقي المجيد، امثال القائد الشيوعي عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الذي اصبح عضوا في اللجنة المركزية لحزبنا الرفيق يعقوب توجمان والقائد الشيوعي منشي خليفة والقادة موسى حوري وافرايم كتساب وتسادوق تسادوق وغيرهم.
لقد كانت "الفرقة العراقية" معبأة وعيا فكريا طبقيا ثوريا امميا ومشحونة بالحماس الثوري في الممارسة الكفاحية. وقد كان لي اول تعارف حقيقي بالرفاق العراقيين، بالرفيق موسى حوري وغيره، في مؤتمر الحزب الشيوعي السادس في تل ابيب، ابان الانقسام في العام 1965 وكنت اصغر المندوبين سنا. ما اذكره وما برز في المؤتمر ان جميع الرفاق العراقيين من الكوادر القاعدية والقيادية بقوا متمسكين براية وهوية حزبهم الاممي – الماركسي – اللينيني، بوحدة الحزب اليهودية – العربية التي تؤلف المؤشر المميز وبؤبؤ العين بالنسبة لحزبنا، ولم ينزلق ويقع في شبكة الانقساميين من جماعة ميكونس – سنيه الذين عادوا الى الوكر الصهيوني العنصري، لم ينزلق وينضم اليهم أي رفيق من اصل عراقي. فتحزب موسى حوري ورفاقه الى الاخوّة اليهودية – العربية وللكفاح المشترك اليهودي – العربي يفوق كل تصور.
لقد حالفني الحظ وتعرفت عن قرب على عائلة حوري الرائعة، موسى وزوجته، في اواسط السبعينيات وكنت يومها من قادة الشبيبة الشيوعية قطريا ومحررا في مجلة"الغد" الشبابية. وكانت المناسبة مشاركة وفد من منظمة ابناء الكادحين في مخيم اممي عالمي يعقد في المانيا الدمقراطية. واختير "شوكي حوري" في اطار الوفد اليهودي – العربي وتحملت مسؤولية قيادته. وفي اجتماع مع العائلات برز المعدن الاممي للرفيق موسى وزوجته، درجة وعيهم ومستوى ثقافتهم العالية وتحزبهم للاخوة اليهودية – العربية وغرس هذه المثل الاخلاقية في عقل وقلب ابنهم شوكي، وهذا ما لمسناه في المانيا من مسلك وتصرفات شوكي، فلا احد كان يستطيع ان يفرق من هو العربي ومن هو اليهودي بين شوكي حوري وعبد الحليم النحفاوي وبشير كركبي الحيفاوي.
لقد كان رفيقنا موسى حوري مثقفا يجيد اللغة العربية، خاصة وانه انهى المرحلة فوق الثانوية في العراق. وكان متيما عشقا وحبا لمسقط رأسه العراق ومتحزبا لشعراء وادباء العراق، للجواهري والبياتي والسياب وغيرهم، ويعشق اغاني ناظم الغزالي الذي كان يحفظها عن ظهر قلب.
لقد جسّد حبه للعراق، للتراث العراقي وللهجة العراقية والامثلة السائدة العراقية، من خلال كتاباته الاسبوعية لصحيفة "الاتحاد" فقد كانت مخصصة له في "الاتحاد" زاوية خاصة كل يوم اربعاء، حيث كان يذيل مقالته بتوقيع "ابو الشربت" المستقى من النبع التراثي العراقي. وكان لكتاباته وتعليقاته في زاوية ابو الشريبت نكهة خاصة، لون خاص وطعم خاص ينبعث منهما االنسيم العليل وعبق رائحة الورد للبيئة العراقية. كان فقيدنا الغالي يكتب في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بلغة مميزة تدمج بشكل منسجم بين اللهجة العراقية والمحكي الفلسطيني والعربية الفصحى، لغة مشحونة بامثال شعبية ومقولات شعبية عراقية. كان يكفي ان تقرأ احيانا العنوان وحده، او السياق وحده دون التوقيع، لتعرف ان المنتج هو ابو الشربت.
ولا انسى الاحاديث الشائقة معه عندما كان يرسل مادته ويحرص على نشرها في عدد الاربعاء. كان حريصا ان تلحن او تكتب خطأ المصطلحات الشعبية العراقية.
لم يكن فقيدنا الغالي قعيد المكاتب المكيفة بل كان شعلة نشاط في المعترك الكفاحي السياسي الجماهيري. فقد كان مناضلا صلبا ضد جرائم سياسة التمييز القومي العنصرية السلطوية ومن اجل حق الجماهير العربية في المساواة القومية والمدنية والتعايش الحقيقي بين الشعبين القائم على الاحترام المتبادل في الحقوق.
كان مناضلا عنيدا ضد الاحتلال الاستيطاني الاسرائيلي ومن اجل السلام العادل الذي يضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية باقامة دولتهم المستقلة الى جانب اسرائيل في حدود السبعة والستين وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة وفقا لقرارات الشرعية الدولية. كان مناضلا مثابرا ضد العنصرية والفاشية العنصرية في بلادنا. كما كان مناضلا ثوريا في دفاعه عن الطبقة الكادحة وجميع المظلومين في مجتمع يفتقد الى العدالة الاجتماعية.
ولنشاطه ودرجة وعيه وقدرته على تحمل المسؤوليات اكتسب حب واحترام جميع الرفاق وكل من عرفه، وتقديرا لدوره القيادي انتخب عضوا في لجنة المراقبة المركزية القطرية للحزب الشيوعي والى عضوية لجنة منطقة تل ابيب يافا للحزب الشيوعي وكان سكرتيرا لفرع الحزب في رمات – غان. وكان له دور ناشط الى جانب رفاقه في انجاح الندوات الثقافية التي كان ينظمها المنتدى العراقي ويستقطب العديد من العراقيين عشاق الادب العراقي والعربي والعالمي الانساني.
لظروف فوق ارادتي لم استطع ان اقوم بواجب المشاركة جسديا في تشييع جثمان احد الرفاق الذين لهم معزة خاصة في قلبي. ولهذا، فانني ابعث عبر هذه الكلمات بتعازيّ الحارة الى زوجة الفقيد واولاده واقاربه والى جميع الرفيقات والرفاق في رمات غان والى حزبنا الشيوعي. وعزاؤنا فيما ترك الفقيد من سمعة طيبة وسيرة حسنة ومن رفاق اشاوس يواصلون حمل الراية الكفاحية، رايتك يا ابا الشريبت،بكل مبدئية ومسؤولية.
ولتبقَ ذكراك الطيبة باقية يا ابا الشربت.
