*انتفاضة 30 يونيو المجيدة، بدأت بإسقاط المشروع الأميركي الغربي الرجعي، حيث تحركت القوات المسلحة المصرية دفاعًا عن مكاسب الجماهير في 25 يناير وتخليدًا لذكرى شهداء هذه الانتفاضة*
"فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض". صدق الله العظيم. هذه الآية الكريمة تصدرت الصفحة الأولى للعدد الأول لجريدتنا المناضلة "الاتحاد"، عددها الأول الذي صدر في سنة 1944. هذه الصحيفة التي سطرت عبر صفحاتها أروع آيات الصمود والتحدي هنا في داخل الوطن وعلى امتداد الوطن العربي الكبير من المحيط إلى الخليج! وكانت دائما النبض الحي لأحاسيس الناس الغلابى وهمومهم في هذا الوطن المأزوم والمعذب.
وعبر صفحات هذه الجريدة الغراء، خطت أناملي أولى مقالاتي وكانت عبارة عن مقال موسع حول زيارتي لجمهورية مصر العربية سنة 1990 بعد اتفاقية كامب ديفيد، اتفاقية الذل والعار، لقد صدر هذا المقال في عدد 11 أيلول سنة 1990. وقد كنت متشوقًا لقراءته ثانية لأنه يعكس حال الناس المقهورين المعذبين في مصر العروبة.
ولقد وضعت نصب عيني أمورًا أساسية من خلال هذه الزيارة، والهم الأول كان زيارة ضريح القائد الخالد جمال عبد الناصر.. والتعرف عن قرب على صورة الإنسان المصري المهمش المعذب المغلوب على أمره، وبالطبع فقد تعرفت على هذه المأساة من خلال قصائد الشاعر احمد فؤاد نجم والحان وغناء الشيخ إمام عيسى، وبالفعل التقيت بهما في احد الأحياء الشعبية الأكثر بؤسًا واكتظاظًا وقد تصورتها آنذاك بالأدغال البشرية لملايين الناس المهمشين، وكما قالها آنذاك الشيخ إمام بان بشارة النصر ستأتي من هنا، حيث لا بد ان ينفجر هذا البركان البشري، من هنا من أعماق حي الباطنية وشارع حوش قدم وبالفعل فكان البركان وكانت بشائر النصر التي حملها وغناها الشيخ إمام عيسى وقصائد رفيق دربه احمد فؤاد نجم.. وكان ربيع 25 يناير.. هذا الربيع الذي حلمت به الملايين والذي تحول إلى ربيع قاحل بل الى خريف قاتم تديره وتدربه وتغذيه وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وأدواتها في عالمنا العربي من أمراء نفط وغاز، وعن طريقهم وصل الإسلام السياسي (الإخوان ومن لف لفهم)، على أكتاف جماهير 25 يناير في ميدان التحرير وقطفوا ثمار انتفاضة الثورة الشبابية المباركة. فتسلق الإخوان المركب بزعامة مرسي.. بانتخابات يقال بأنها ديمقراطية، تدار بأموال خليجية وتكنولوجيا مخابراتية أميركية. ولكن الأمر الطبيعي بان هذه الجماهير المنتفضة لم تمهل الإخوان وقيادتهم زمنًا طويلا فكانت انتفاضة 30 يونيو المجيدة، التي بدأت بإسقاط المشروع الأميركي الغربي الرجعي وتحركت القوات المسلحة المصرية دفاعًا عن مكاسب الجماهير في 25 يناير وتخليدًا لذكرى شهداء هذه الانتفاضة!
*بالله عليكم أريحوا الإسلام من هذا التعدي الفاضح على جوهره!*
فهذا الشعب الأصيل صاحب الحضارة العريقة التي تمتد إلى آلاف السنين في عمق الحضارة الإنسانية لم يرض بالظلم ان يدوم، فأسقط الجيش حكم الإخوان ومشروعهم السياسي الانتهازي، هذا الإسلام السياسي الذي أصبح يئن من كثرة استخدامه ورقة التين لتغطية عوراتهم في كل مكان ولقد تحول إلى موضة في هذا الزمن حيث أصبحت تتسلح بها كل الحركات الإسلامية الانتهازية من اجل الوصول إلى مراكز السلطة ومواقعها الأساسية، بالله عليكم أريحوا الإسلام من هذا التعدي الفاضح على جوهر الرسالة الإسلامية الخالدة، هذه الرسالة التي تحولت إلى سلعة وشماعة تنشر عليها غسيلنا القذر الملوث بالأيدي الملطخة بدماء الغلابى والمقهورين.
ويطرح السؤال نفسه لماذا سقط وبهذه السرعة الحكم الإخواني في مصر بالرغم من المظهر الديمقراطي وفي خلفيته واحتوائه من قبل الادارة الأميركية والرجعية العربية.
فمنذ اللحظة الأولى والإخوان يبرمجون ويخططون وينسقون في مختلف النواحي والأساليب كيف يُحكمون قبضتهم على مختلف نواحي الحياة المصرية من منطلق الهيمنة على كل مؤسسات الدولة.. المؤسسات الدستورية والبرلمانية لم يحاولوا ولو من باب الضحك على الذقون معالجة حالات مصر وأزمتها الاقتصادية والاجتماعية ووضع برامج وحلول للوضع الاقتصادي الصعب والمستشري لملايين العاطلين عن العمل وعلى الأخص من جماهير الشباب والخريجين الذين اكتظت بهم ساحات البطالة بحيث كان الواحد يسافر إلى آخر مصر من اجل تحصيل لقمة العيش والعمل في مجال السياحة التي تراجعت إلى أكثر من النصف خلال هذه الفترة القصيرة.
لم يحاول الإخوان بقيادة مرسي وضع ولو خارطة طريق لحل مشاكل الجماهير، كانت كل حساباتهم تعتمد على المعونات الخارجية من قطر وغيرها، وعلى استدانة قروض مشروطة بالذل من البنك الدولي وبالرغم من الفشل الذريع في وضع الأسس لسياسة اقتصادية سليمة، فلقد حاولوا الهيمنة والسيطرة على مختلف المؤسسات التشريعية والقضائية وتحويلها إلى أداة استبداد وقمع لكل من يخالفهم الرأي!
وعلى الصعيد القومي.. قضية فلسطين وشعب فلسطين هذا الجرح النازف والذي كان على أولويات الحياة المصرية ومنذ انطلاق ثورة يوليو 52 بقيادة الراحل العظيم جمال عبد الناصر، ماذا فكر مرسي وزبانيته ان يفعل من اجل كسر الحصار على أهلنا في غزة المحاصرة منذ زمن طويل.. بالفعل لم يضعوا أية حلول سوى التنسيق مع الإخوة في حماس من اجل المساعدة (مساعدة الإخوان) وعلى إحكام الطوق على رقاب الشعب المصري ومساعدة الإسلاميين في كيفية الإسراع في السيطرة على مؤسسات الحكم في مصر ومساعدة المخابرات الإخوانية وتدريبها في عزل المعارضين للسلطة وإبعادهم وكل ذلك من اجل الاستفادة من تجربتهم الذاتية في التعامل مع سياسة الاحتواء على شعب غزة!!
*بشارة النصر من ارض مصر العروبة*
يطرح السؤال نفسه ماذا عمل مرسي وحاشيته من اجل فك الحصار الجائر على غزة المحاصرة منذ مدة طويلة، حصار مفروض على أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني بحرًا وجوًا وبرًا. لم يتغير الدور المصري الحالي عن الدور الذي مارسته السلطة أيام مبارك ولم نرَ في الأفق البعيد أي بصيص من النور والضوء للخروج من هذا المأزق. والذي قصم ظهر الجمل كما يقال كان الخطاب الأخير والتهجم المخزي على سورية والقيادة السورية وطرد السفير السوري وقطع كل شكل للعلاقة المصرية السورية العميق في الانتماء والتاريخ المشترك لشعوبنا العربية.
فهذا النهج هو استمرار لسيمفونية واحدة ووحيدة وضع ألحانها الأولى والأخيرة السيد الأميركي بأموال قطرية وسعودية.. حرق آلاف المليارات على الأرض السورية الحرة. ولكن بوادر انهيار هذا المشروع قد بدأت في الظهور منذ ان تسلم الجيش العربي السوري زمام الأمور والمبادرة بالانجاز الذي حققه على الأرض بعد معركة القصير.. هذا الانجاز الذي أحبط المخطط الامبريالي العالمي ولقد أدى التلاحم بين الشعب والجيش في سورية إلى خلق المعادلة الحقيقية من الانتصار بل حتى ان شعبية الرئيس الأسد آخذة في الازدياد بعد ان رأى واختبر الشعب المصري ممارسات العصابات الإرهابية وأعمالهم الإجرامية.. كل ذلك من اجل إسقاط مشروع المقاومة الذي تقوده سورية.. هذا المشروع الذي لا بد ان يكون مشروع العزة والكرامة لأي عربي حر وهذا بالطبع ما أخذت تشعر به وتلمسه جماهير مصر الغاضبة والتي خرجت الى ساحات مصر بالملايين.. تصديًا للوحش الامبريالي الاخواني المستبد، وكانت بشارة النصر والتي ثبتت على ارض مصر العروبة لكي تستطيع جماهير هذه الأمة من دحر الهجمة الامبريالية الاخوانية القذرة التي هدفها السيطرة على مقدرات هذه الشعوب.
ولهذا بدأت مقالتي هذه بالآية القرآنية الكريمة التي تفسر جوهر وعمق التجربة الإنسانية، وهي حق الشعوب بإدارة شؤونها وأمورها بنفسها ووفق مصالحها الخاصة، فلا يصح الا الصحيح.
