"هم مندهشون، وأنا تدهشني دهشتهم". هذا ما كتبه البولدوزر في العام 1993، فهل ما زلنا نذكره؟ وهل يُنسى رجل مثله؟ وهل ما زالوا مندهشين منه أم نقول: لعن الله النسيان وسامحنا يا رفيق !؟
في يوم جمعة من خريف العام 1967 زرتُ مكتب "الاتحاد" في حيفا بعد الظهر فوجدتُ الرجل وحيداً جالساً على كرسيه وراء الطاولة ومستغرقاً في العمل. كان يومئذ رئيس تحرير الصحيفة. سألته عن صديقيّ سميح ومحمود فأجابني: خرجا قبل قليل. فاستدرتُ لأخرج فقال: قفْ. وتقدم نحوي وهو يقول: اسمع. هكذا خلقني الله. وجهي أسمر غامق ويظنّ البعض أنّي رجل كِشر ولكن أنا إنسان ومثقف مثلك. وابتسم ابتسامة عريضة حينما لفظ كلمة "مثقف" ثم أضاف: لماذا لا تدخل وتشرب القهوة معي؟
هكذا بدأت علاقتي بالكاتب والصحفيّ والقائد الشيوعيّ الجبهويّ البارز رفيقي صليبا خميس (20-10-1922/ 31-8-1994). تذكرته في الثاني من حزيران الجاري 2013 ففي مثل هذا التاريخ من العام 1980 اتصل صليبا إلى مكان عملي في الكلية الأرثوذكسية العربية بحيفا وقال لي بلهجة فيها أسى وغضب: هل سمعت؟ اغتالوا رؤساء البلديات بسام الشكعة وكريم خلف وإبراهيم الطويل. تصرفْ!
وأقفل الخط.
لا أدري عدد الذين اتصل بهم صليبا في تلك الظهيرة ولكن أخبار المظاهرات في المدن والقرى العربية في الجليل والمثلث والساحل تصدّرت نشرات الأخبار في ذلك المساء وهذا ليس غريباً على رجل أسمته الصحافة العبرية "بولدوزر راكاح" أو "بولدوزر حداش".
بدأ صليبا نشاطه السياسيّ وهو في الرابعة عشرة من عمره في العام 1936 عندما قاد مظاهرة لطلاب المدرسة الثانوية في الناصرة فاعتقلته سلطات الانتداب البريطاني. وفي أواسط الأربعينات كان عضواً بارزاً في عصبة التحرر الوطنيّ واعتقله جيش الإنقاذ مع مجموعة من رفاقه في 12 تموز 1948 ولفّق لهم تهمة التعاون مع "الهجناه". حضر الشاعر عبد الرحيم محمود محاكمته في 13 تموز وشهد لصالحه ولصالح رفاقه ورفض مغادرة قاعة المحكمة في مدينة الناصرة إلا بعد الإعلان عن براءة صليبا ورفاقه وإطلاق سراحهم فلمّا تمّ ذلك غادر عبد الرحيم محمود القاعة متّجهًا إلى بلدة الشجرة ليشارك في المعركة بعد أن وعد صليبا ورفاقه أن يعود في المساء لتناول طعام العشاء معهم ولكن الشاعر عاد شهيدًا مضرّجًا بدمه وصوته يملأ سماء الوطن: وإما ممات يغيظ العدا.
أصبح صليبا سكرتيرًا لعصبة التحرر الوطني في مدينة الناصرة بعد احتلال المدينة فاتّسع نفوذ الشيوعيين في تلك الأيام وبرز نشاطهم في التصدي للحكم العسكري مما دعا صحيفة "تايم" اللندنية الشهيرة أن تنشر صورة صليبا على غلافها الأول تحت عنوان "رجل الناصرة الأحمر" وقلائل هم الزعماء في عالمنا العربيّ الذين حظوا بصورة على غلاف هذه الصحيفة.
كان صليبا رئيسًا لتحرير "الإتحاد" ثمّ رئيسًا لتحرير "الجديد" في الفترة التي عمل فيها محمود درويش محررًا في المجلة نفسها. وكان من مؤسسي لجنة الدفاع عن الأراضي العربية في العام 1975 وانتخب سكرتيرًا لها فكان من مهندسي وقادة إضراب يوم الأرض الشهير.
كان مثقفًا ماركسيًا عميقًا وكاتبًا صحفيًا بارزًا يكتب مقالاً أسبوعيًا فكريًا سياسيًا في "الإتحاد" كما كتب افتتاحية مجلة "الجديد" لسنوات عديدة، وكان قارئًا نهمًا لكتب الأدب شعرًا ونثرًا ويتقن اللغة الإنجليزية ويتكلم العبرية ويخطب بها ولكن كان يكتب خطاباته العبرية بأحرف عربية. وكان صديقًا لعدد كبير من الشعراء والأدباء والممثلين والفنانين في البلاد وفي الخارج.
اختلف صليبا مع الحزب الشيوعي عام 1989 لكنه بقي وفيًا للفكر الماركسيّ. وفي العام 1993 أعلن عن دعمه لقائمة الجبهة في انتخابات بلدية حيفا فاستغرب البعض هذا الموقف منه فكتب صليبا مقالاً نشره في إحدى الصحف بعنوان: "هم مندهشون وأنا تدهشني دهشتهم".
