في الأول من أكتوبر/تشرين الأول الجاري أحيت جماهيرنا العربية هبة القدس والأقصى سنة 2000، وكان لي الشرف ان أحاضر عن ذلك أمام مجموعة من الطلبة الثانويين والمعلمين في المدرسة الثانوية الشاملة بأم الفحم.
وبهذه العجالة سأحاول باختصار تناول التراكمات السلبية التي أدت إلى هذه الهبة وكذلك شيئا ما عن لجنة أور.
ونحن ما زلنا نتذكر الـ 13 شابًا من شهدائنا الابرار الذين سقطوا برصاص قناصة الشرطة في هذه الهبة. وقد سميت لجنة أور على اسم رئيس اللجنة القاضي أور واشترك معه القاضي هاشم خطيب والبروفيسور شمعون شمير. وأقيمت من قبل رئيس الحكومة آنذاك ايهود براك للتحقيق بما حدث حيث منحت صلاحيات واسعة.
كانت هناك أسباب كثيرة تراكمت أدت إلى هذه الهبة منها المباشر وذلك دخول شارون باحة الأقصى واعتبر هذا تعدّيا وتحدِّيا واستفزازًا لمشاعر المسلمين في كل مكان. والسبب غير المباشر وهو الأهم هو سياسة مصادرة الأراضي التي تبنتها حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ قيام الدولة وابتداء من فرض الرقابة والقوة على العرب بواسطة الحكم العسكري الذي دام عشرين سنة من سنة 1948 حتى سنة 1966 وفعليًا حتى سنة 1968. هذا الحكم كان أداة بيد الحكومة لطرد بعض العرب من البلاد والسيطرة على أراضيهم كأموال غائبين، تنفيذًا لمصادرة الأراضي وبناء المستعمرات اليهودية عليها وتهويد الأراضي العربية. وقد مارس هذا الحكم أيضا بشكل قاس الاضطهاد الديني والقومي على العرب ونتائجه ما زالت قائمة حتى يومنا هذا، بل ازدادت في السنين الأخيرة والحكومة اعتمدت بالمصادرة على قوانين الطوارئ الانتدابية البريطانية على فلسطين وعلى قوانين شرعتها الكنيست لهذه الغاية، وأهمها قانون استملاك الأراضي سنة 1953 وقانون أملاك الغائبين سنة 1955، وبموجب الأخير صودرت كذلك الأوقاف الإسلامية التي تقدر قيمتها بمئات ملايين الدولارات، مما جعل الشاعر الراحل راشد حسين يصيح قائلا إذًا "الله غائب".
تلت فترة الحكم العسكري وبالتحديد في السبعينيات سياسة اشكول المتمثلة بتهويد الجليل وإقامة المستوطنات اليهودية على الأراضي العربية وتحويل المزارعين العرب إلى عمال أجيرين عند اليهود مما اثر على النفوس العربية بشكل كبير، كما حدث يوم الأرض في الثلاثين من آذار سنة 1976 بسبب مصادرة الأراضي التي تسمى المِل التابعة لأصحابها العرب في سخنين وعرابة ودير حنا. واستشهد 6 شبان عرب بأيدي الشرطة، ويعتبر هذا اليوم بداية مرحلة مفصلية في حياة الأقلية العربية بالدولة حيث نفض العرب عنهم ثوب الخوف الذي كان لاصقا بهم منذ أيام الحكم العسكري البغيض.
في التسعينيات من القرن الماضي وبالتحديد سنة 1997 صودرت أراض عربية في أم السحالي وفي سنة 1998 منع الفلاحون العرب في وادي عارة من دخول أراضي الروحة مما أدى إلى انتفاضة واصطدامات الأهالي مع الشرطة وحدثت إصابات وجروح خطيرة لبعض الشبان، وبالنهاية وبعد نضال مرير عقدت الحكومة "تفاهم الروحة" مع لجنة الروحة والسلطات المحلية بوادي عارة، وقد حاولت الشرطة نكث تفاهم الروحة هذا ولكنها تراجعت أمام صلابة النضال الجماهيري العربي.
في أيام الحكم العسكري قاد نضال المطالبة بإبطاله الحزب الشيوعي شعبيًا وفي الكنيست. أما بالنسبة للنضالات العربية فيما بعد فقد استمر الحزب الشيوعي بسياسته ضد الاضطهاد والتمييز العنصري والمطالبة بالمساواة، ولكن هذه المرة اشتركت معه الأحزاب والحركات العربية السياسية التي قامت، ولكن بقي الحزب الشيوعي في الطليعة ورأس حربة النضال والأساس في جميع النضالات الجماهيرية العربية.
والآن، انتقل للحديث عن لجنة أور، فقد طالب مركز عدالة القانوني الذي اختير لتمثيل أهالي الشهداء والمجتمع العربي بشكل رسمي بلجنة أور ولكن طلبه رُفض واستمر يمثل ويساعد بشكل غير رسمي.
لجنة أور أجرت تحقيقات مع رجال الشرطة وشهود وسمعت خبراء وبالنهاية وفي سنة 2003 أصدرت تقريرها الذي لم يُرض الجميع فالقيادات العربية رأت فيه مخيِّبًا للآمال، اما اليمين الصهيوني فقال انه كان على اللجنة ان تحقق مع تضامن العرب مع الفلسطينيين واما اليسار الصهيوني فقال كان على اللجنة ان تحقق حول العلاقات العربية اليهودية.
على كل حال، بموجب التقرير ثبت للجنة أور ان الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كرست سياسة التمييز العنصري والاضطهاد في جميع المجالات الحياتية العربية وضربت أمثلة كثيرة منها عدم تخصيص أراض للعرب بل عمدت على المصادرة وعدم تحقيق المساواة، وعليه أوصت اللجنة بتصحيح الوضع والعمل الى مساواة العرب مع باقي المواطنين اليهود في جميع المجالات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك، وحتى انها طالبت رئيس الحكومة نفسه بان يتدخل لتحقيق المساواة. لأن التمييز يتناقض كون الدولة ديمقراطية ويمس بكرامة الإنسان العربي وحريته، كما انها اعتمدت بذلك على قرارات محكمة العدل العليا ومراقب الدولة.
الحكومة قبلت بقرار لجنة أور وكونت لجنة وزارية برئاسة الوزير يوسف لبيد لإيجاد وسائل تطبيق قرار لجنة أور ولكن هذه اللجنة فشلت في مهمتها.
عائلات الضحايا طالبت بواسطة مركز عدالة تقديم المتهمين للمحاكمة الجنائية ولكن هذا لم يحدث. وقد دفعت الحكومة تعويضات لجميع عائلات الضحايا عدا عائلتي العكاوي وعاصلة اللتان رفضتا التعويض.
الجدير بالذكر ان لجنة أور كذلك أوصت الشرطة بالأساليب التي يجب اتخاذها في مواجهة المظاهرات والإجراءات الكفيلة بحفظ وسلامة المتظاهرين.
مركز عدالة طالب من "ماحش" (وحدة التحقيق داخل الشرطة) ان تنفذ قرار لجنة أور وتقوم بالتحقيقات مع رجال الشرطة ومن ثم تقديمهم للمحاكمة الجنائية ولكن "ماحش" أغلقت الملف سنة 2005 ولم تقم بواجبها واكتفت بالقول بأنها لم تجد بيّنات يمكن لها تقديم أي متهم أو مذنب بموجب قرار لجنة أور.في نظرنا هذا أمر غريب جدًا، ذلك لان لجنة أور أصدرت قرارها بموجب بيانات وبراهين ساطعة لا جدال عليها وعلى صحتها. ومركز عدالة توجه للمستشار القضائي لإرغام "ماحش" بإجراء التحقيق ولكن المستشار رفض الطلب وأغلق الملف نهائيًا في سنة 2006.
وفي رأينا ان التوجه للمحكمة الجنائية الدولية غير وارد لأن الأقلية العربية ليست بدولة وبقي فقط التذكير بأحداث أكتوبر أمام لجان حقوق الإنسان وغيرهما ولكن ذلك لا يعطي الصلاحية لهذه اللجان بعمل أي شيء ضد المتهمين والمذنبين.
على كل حال، القتل مستمر ضد شبابنا العرب، وقد استشهد ما يقارب 30 شخص بين السنين 2001 إلى 2009، بالإضافة الى ان التمييز مستمر بشكل متصاعد وآخره مخطط برافر الذي يهدف الى السيطرة على نصف مليون دونم من أراضي البدو العرب في النقب وطرد 30 ألف نسمة إلى عالم مجهول.
(أم الفحم)
