دلالات الثورة التونسية

single

*لقد تجاوزت حركة الشعب جميع الحسابات، وكذبت تقارير جميع المخبرين، وتوقعات جميع خبراء ال C.I.A والموساد، وقياسات الرأى العام ، وأطاحت بالجميع فى ضربة واحدة*


عندما أشعل محمد البوعزيزى النار فى جسده، لم يكن يدرك أنه قد أشعل نيران أول ثورة شعبية منتصرة فى العالم العربى، ضد حكام مرحلة ما بعد الاستقلال. فلقد بلغ الفتى حالة من التعاسة والمهانة، واليقين بانسداد الآفاق أمامه، بعد مصادرة عربة الخضار الفقيرة التى يعمل عليها، واهانته وضربه على يد الشرطى الجلف المتأله، وهو الشاب المتعلم تعليما عاليا (ولعل ذلك من أسباب تفاقم احساسه بهدر الكرامة واهانة الكبرياء)، لقد وصل الى حالة لا يمكنه معها أن يحسب عواقب ما أقدم عليه. الا أنه بفعلته الخارقة، تلك، كان قد سلط ضوءا بالغ القوة والدلالة على المأساة الاجتماعية والانسانية التى رزح تحت وطأتها الشعب التونسى بعامة، وأبناء جيله، بخاصة. (فهناك 22% من المتخرجين الجامعيين، عدا عن أبناء الشرائح الاجتماعية الأخرى).
بما يصل الى حوالى 35% ممن هم فى سن العمل من التونسيين، حسب التقارير الدولية، من العاطلين الذين يتكففون قوت يومهم). لقد شعر أفراد الشعب التونسى جميعا بأن داخل كل منهم يوجد هذا المحمد بوعزيزى، وأن ما جعله يصل الى هذه الدرجة من الضياع ليس بعيدا عن أى واحد منهم، وأنه باحراق جسده قد جعل النار تضطرم فى قلوبهم وأرواحهم، وجعل روحه تحل فى جسد وعقل كل منهم. هكذا كشف البوعزيزى للجماهير التونسية، عن غير قصد، مثل كل المكتشفين العظام، حقيقة وضعهم الاجتماعى والسياسى، وأبعاد الكارثة الاقتصادية والانسانية التى وصلوا اليها، بعد ما ينيف عن الستين عاما من ال "استقلال"! والـ "حرية"! على الرغم من تبجح أنصار نظام الجلاد بالمن على أبناء شعبهم بوجود بعض البنايات والطرق والمشروعات التى أنشأها الديكتاتور. ويمكن لنا أن نتساءل: أفلم يكن للمستعمر أيضا مشروعاته وانجازاته غير المنكورة؟.
ولكن لحساب من تم تشييد هذه المشروعات؟ أهى لمصلحة الشعب؟ أم لحساب حفنة من المحاسيب وغير المغضوب عليهم ؟ وفيم اختلف الوضع هنا عن أيام الاستعمار؟ من هنا كانت الحقيقة القاسية التى توصل اليها التونسيون، والتى تتلخص فى انهم (مع غيرهم من الشعوب العربية) لم يبارحوا بخطوة واحدة مرحلة ماقبل الاستقلال؛ فالارادة الوطنية لازالت مرتهنة للخارج، ولقمة العيش لازالت تنتزع بشق الأنفس، والكرامة الانسانية لا تزال مهدرة تحت أحذية الرئيس والشرطى و المخبر، وأنهم قد نصبوا من أنفسهم جميعا آلهة علينا؛ نحن الكافرين الذين لم نؤمن أبدا بهم. واندلعت الثورة التى لاتقل، فى عنفوانها وشمولها وتواصلها، عن أى ثورة تاريخية كبرى.
ولم تكن فى حاجة الى أية جهة لتنظمها، لا لحزب أو نقابة أو جماعة. فلقد كانت فكرتها أكبر من خيال هؤلاء جميعا. كانت فكرتها مختمرة فى الأفئدة والقلوب، وتنتظر شرارة واحدة لتحرق السهل بأكمله. ولم يكن هناك مجال لانتظار ما لن يجىء فى ظل هذه السلطة القمعية الدموية: فكل الأحزاب المعبرة عن جماهير حقيقية ممنوعة ومضطهدة، وليس مسموحا بالوجود الا لمن "آمن" منها بالآلهة الجدد و"أصلح" من حاله وسار فى ركب النفاق وعقد "الصفقات" ورضى بالفتات. وكل النقابات المهنية مقموعة ومخترقة، الا من بعض الشرفاء من المحامين واتحاد الشغل.
وكل الصحف ووسائل الاعلام الحرة محجوبة، حتى مواقع الفيسبوك والتويتر، الا ممن أمكن لشباب تونس اختراقه واعادة تشغيله ابان الثورة. لقد تجاوزت حركة الشعب جميع الحسابات، وكذبت تقارير جميع المخبرين، وتوقعات جميع خبراء ال C.I.A والموساد، وقياسات الرأى العام ، وأطاحت بالجميع فى ضربة واحدة .. فيالها من حركة وياله من شعب!! ان كل ما عرفناه من ثورات حقيقية فى عالمنا العربى، فيما قبل ذلك، كان قد اندلع ضد قوى الاستعمار الأجنبى. حيث كان هناك هذا الاجماع الوطنى، الذى لايحتاج الى الشرح أو الاقناع، فالعدو واضح وماثل أمام الأعين والأفئدة، ولالبس فى تصنيفه ولا أوهام حول عدوانيته و تربصه.
أما هذا الجيل من حكام أنظمة مابعد الاستقلال ، فقد تمكن من خداع الكثير من المواطنين والتشويش على وعيهم لوقت طويل، بدعوى رطانات من نوع: "الظرف التاريخى الدقيق" أو "اللحظة التاريخية التى تمر به البلاد"”، وقد طالت هذه اللحظة فأصبحت آمادا طويلة، ممتدة بلا نهاية. وركزت بعض الدعايات على أن هذه الأنظمة و”طنية” رغم كل شىء، فالخير قادم وان تأجل عقودا!!. فهل هى حقا أنظمة وطنية؟ وقد قام قادتها (الكثيرون منهم على الأقل) بسرقة ثمار الثورات التى كان وقودها دماء أبناء الشعب وتضحياتهم، وأمموها لحسابهم الشخصى، بل “أمموا” ارادة الأمة بالكامل ولخصوها فى اراداتهم الذاتية (علما بأنهم قد أعادوا ما تم تأميمه، على استحياء غداة الاستقلال، الى الملاك السابقين، بل وزادوا عليه باقامة اقطاعيات جديدة لمحاسيب جدد.
من أنسبائهم وأصهارهم وحاشيتهم ومن والاهم على حساب الشعب المسكين). فلم يجد الشباب، من مختلف الشرائح، مايقتاتون به الا بيع بضاعتهم الرخيصة على العربات الخشبية البائسة، بينما شرع بعضهم الآخر فى ركوب قوارب الموت، متجهين نحو الشواطىء الأخرى .. نحو أوربا التى كانت، وربما لازالت، تستعمرنا، (أكثر من مليون ونصف مليون تونسى هاجروا الى بلدان أوربا، حيث يعيشون فى ضواحيها الفقيرة)، بحثا عن الخبز والحرية، معا. بعدما يئسوا من وجود أى منهما فى بلادهم!! وهنا يصدق قول (الباهلى) بطل رواية "وليمة لأعشاب البحر" عن بلد مجاور لتونس : "ما معنى أن تدفع أمة بـ( مليون ) شهيد من أجل الحرية ، وبعد النصر يهاجر (الملايين) من أبنائها الى بلاد المستعمر السابق بحثا عن الحرية"؟. فماذا جنينا اذن؟
وفيم كانت كل هذه التضحيات والدماء والشهداء، اذا كانت تلك هى الحصيلة ؟؟ والاجابة الأوضح من الشمس هى أن تضحيات شعوبنا قد أهدرها لصوص الثورات. وأن خيرات بلادنا قد سرقها سماسرة البنك الدولى والحلف الاستراتيجى مع أمريكا وأذنابها. وأن انتصارات جيوشنا قد باعها الحكام العملاء بمعاهدات لا تخدم الا أمن عدونا. وأن غازنا وثرواتنا يصدرونها بعشر أثمانها الى هذا العدو، داعمين اقتصاده، بينما نقتتل نحن فى طوابير اسطوانات الغاز والخبز. وأن ارادتنا قد تم تزويرها، ويواصلون تزويرها كل يوم عيانا بيانا ودون خجل أو حياء.
حكامنا قد أضحوا جلادينا. لذلك أصبحنا على ما نحن فيه من مهانة واذلال، والويل لنا. لكن لماذا جاء حكامنا على هذه الشاكلة ؟؟ لقد نتج ذلك عن فكرة خبيثة استقرت فى أذهان رجال الحكم من النخب السياسية العربية الذين ورثوا السلطة من المستعمر، فلقد ورثوا معها هذه الفكرة التى بدت لهم مريحة للغاية، ومناسبة لشهوة التسلط والتحكم عندهم الى أبعد حد، ألا وهى الفكرة الاستشراقية العنصرية التى طاب للاستعماريين ترويجها على الدوام عن انحطاط شعوبنا وعدم جدارتها بالاحترام، فأصبح من المبرر والحتمى، بل من الضرورى!، أن يحكمونا ويشكمونا. وبالطبع راقت هذه الفكرة، من بعدهم، للمتجبرين علينا من حكامنا فأخذوا يعيدون انتاجها وتدويرها، مضيفين اليها أن هذه الشعوب جاهلة وقاصرة ولا تعرف مصلحتها فحقت عليها الوصاية. ولذلك نصب كل زعيم من نفسه معلما ومرشدا يحتكر المعرفة والحكمة.
بل ان بعضهم قد يشتط فيظن أنه ملهم وأنه رسول العناية الالهية، ومن ثم يصبح الاختلاف معه نوعا من الكفر أو أشد. متمنين أن تتحول هذه الفكرة الى حقيقة أبدية لاتتغير. يقول اللورد كرومر، المندوب السامى البريطانى الأشهر فى مصر، أوائل القرن العشرين، فى كتابه “مصر الحديثة”: “أما الشرقى فهو على النقيض( يقارن بينه وبين الأوربى)، مثل شوارع مدنه الجميلة، صوري. يفتقر بشكل بارز الى التناظر، ومحاكمته العقلية من طبيعة مهلهلة الى أقصى درجة ( .. ) خذ على عاتقك أن تحصل على تقرير صريح للحقائق من مصرى عادى، وسيكون ايضاحه بشكل عام مسهبا، ومفتقرا للسلاسة. ومن المحتمل أن يناقض نفسه بضع مرات قبل أن ينهى قصته، وهو غالبا ما ينهار أمام أكثر عمليات التحقيق لينا”. فهل يختلف هذا الخطاب عن ما يمكن أن تجود به قريحة أى وزير داخلية معاصر من جلادينا؟ وهل لاحظتم اللغة الأمنية التى ينطق بها كرومر ؟ ان الرجل يتحدث بلغة التقارير والتحقيقات التى تليق بجلاد مطبوع، كما يتحدث بلهجة الازدراء والاستعلاء التى تليق بحاكم مطلق لاراد لقوله ولا معقب على حكمه، وقد مكنته المقادير من التحكم فى رقاب المصريين الذين يبدون هنا كالأيتام الضعاف، ليس لهم من ولى ولا نصير. ان نظرته الينا ترتكز على أننا أقرب الى العبيد اللؤماء الذين لايصلح معهم الا السوط والعصا. ولسوء الحظ فقد اتضح أن لهذه الفكرة مكان فى تراثنا، بدءا من الحجاج بن يوسف الثقفى، الذى رأى "رؤوسا قد أينعت وحان قطافها"، وقام بأكبر مذابح التاريخ العربى الاسلامى، دون نقد أو مراجعة حتى اليوم، بل وجد من المؤرخين من يبررله جرائمه. حتى المتنبى الذى قال: “لاتشترى العبد الا والعصى معه ان العبيد لأنجاس مناكيد” (هل شاهدت ضرب أشاوس الشرطة للنساء بالسياط فى شوارع الخرطوم ؟؟ وهل أتاك حديث سلخانات السجون المنتشرة على كل الأرض العربية ؟؟ وهل رأيت صور تعذيب خالد سعيد والسيد بلال وهتك الأعراض بالعصى وزجاجات المياه فى أقسام الشرطة المصرية ؟؟). هكذا ورث حكامنا نظريات مستعمرينا وأعادوا تصنيعها محليا، ووصلوها بماضينا الذى يصرون على اعادة انتاجه وتأبيده، فهذه الفكرة عندهم هى بضاعتنا وقد ردت الينا، بضاعة احتقار المواطن والاستقواء عليه والسخرية من آلامه، واستتفاه شأنه.
فأصبحوا مستعمرين من الباطن وجلادين بالنيابة وبالأصالة. وفوق هذا كله، أصبحوا لصوصا لايبارون. فحقت اللعنة على محمد بوعزيزى، من قبل المرتجفين من فعلته، لأنه أحرق نفسه فمات كافرا!! حسب قول أحد شيوخ النفاق. (هل تذكرون فتوى من كفر الغرقى من الشبان المصريين الراغبين فى الهجرة الى الشمال). و حقت اللعنة عليه لأنه عكر صفو الاستقرار فطفش الحاكم الذى لابديل عنه فى تونس، وكان يمكن له أن ينتظر ثلاث سنوات أخرى من الجوع والانسحاق!! حسب قول أحد الزعماء العرب “الفلتة” و”الضرورة”.. الخ (أى والله قال ذلك أحد الزعماء العرب) من بلاد الديناصورات المترنحة، المجاورة لتونس. غير أن المفاجأة غير السارة بالنسبة لهؤلاء الزعماء “الفلتات” وأذنابهم، هى أن الشعب التونسى قد أثبت باصرار لايمكن التعامى عنه – وعلى نحو فاجأ الجميع وقلب كل التوقعات والتصورات – أننا ننتمى الى صنف الكائنات الجديرة بالاحترام والحرية. فقلب الطاولة على رؤوسهم، وفر الديكتاتور “الفلتة” مذعورا كالجرز فى جنح الظلام، بلا أى كبرياء ولا أنفة، باحثا عن ملاذ آمن “ليفلت” هذه المرة من قبضة شعبه. وليبرهن على حقيقة أخرى: وهى أن الطغاة (وبسبب طغيانهم على وجه التحديد) من أضعف وأجبن المخلوقات، وأن عروشهم أوهى من بيوت العنكبوت، وأنهم على العكس تماما مما يبدون عليه من تجبر وصلف وتطاوس،(هل لاحظت الأداء الشاهنشاهى لبن على وأضرابه من الديناصورات فى مؤتمرات القمة اياها). وأن شراستهم لا تتأتى الا من جهل الشعوب بقوتها العاتية. وقد أبى هذا الشعب الا أن يجرب هذه القوة الدفينة، محققا ومطبقا لنبوءة أبى القاسم الشابى، ليقهر بها همجية الحجاج واللورد كرومر والحكام الديناصورات، فصنع معجزة الثورة الشعبية وغنى “أغانى الحياة”.
لقد أراد التونسيون الحياة الحرة فاستجاب لهم القدر، وتعين على ليلهم (الذى استمر ثلاثة وعشرين عاما) أن ينجلى، وتحتم على قيدهم العتى أن ينكسر. المجد والخلود للشهيد محمد بوعزيزى ولكل شهداء الثورة التونسية الأبطال. ولأبى القاسم الشابى صاحب القصيدة – النبوءة، التى كانت زادا ووقود معنويا ملهما للثورة. وعقبال عندكم يا حبايب.

 

القاهرة

قد يهمّكم أيضا..
featured

تلخيص قضية تسريب امتحانات البجروت: بين تقصير الوزارة ودورنا في مكافحة الغش

featured

هواجس حقوقية في الذكرى الـ 65 للتهجير

featured

في وداع الرفيق محمود حسين عابد (أبو الصّافي)

featured

هل رُوّضَت الشعوب العربية كحكّامها؟!

featured

خواطر في الزّمن العربي

featured

وصفة طبيّة لوزيرة الثّقافة

featured

إرهاب تدفيع الثمن: مسؤولية الحكومة والمجتمع، ونتاج الاحتلال والقمع

featured

ألحاجة أم الانحراف