كلمات الرثاء في مهرجانات التأبين يُغلّفها الملل لما فيها من تكرار وابتذال وتعابير نفاق ومحاباة!
جميل ان نذكر محاسن موتانا. تقع الأعمال في دائرة المحاسن إذا ما أمست إرثًا تزهو به الحياة من جيل إلى جيل. جميل أن نستعرض المحاسن من روائع ابتكارات وأفكار تركها لنا الأسلاف والأجداد لنهتدي بهديها وننعم بها استعدادًا لمستقبل مزهر لنا ولأحفادنا وأحفاد أحفادنا. نحسن إذا أكرمنا أهل الإحسان وهم أحياء يُرزقون ونحسن أيضا إذا ما أبقينا روائعهم في ذاكرتنا وذاكرة أجيالنا.
في الحديث عن الرثاء يؤلمني ما يحدث قبل الرثاء من خلال المشاركة في جنازات يشوبها طابع المحاباة والتملّق!
هنالك جنازات لأناس عاديين يشارك فيها الكثيرون على خلاف جنازات مماثلة تستقطب قِلّة من المشاركين!!
إذا كانت الكلمة الطيبة صدقة، فالمشاركة في وداع فقيد يفارقنا صدقةٌ فوق صدقة. هنالك مثلٌ يتناقله أهل المغرب العربي: عند موت أمَةِ القاضي حضرت كلّ القبيلة، وعندما مات القاضي لم يحضر أحد!! هذا الكلام ليس واقعا يعيشه المغاربة وحدهم بل ينسحب على مسلكنا في أوطان العرب على اتساعها. المشاركة في الجنازة وحرارة الرثاء نهجان يتكرران في حياتنا في إيقاع رتيب رتيب.
هل الصدقات صدقات في حياة القاضي ونزهات في غيابه؟ متى يحيط الصدق بمرثياتنا بعيدا عن المداهنة والانحناء؟ ألم يحن الوقت لننتشل مراثينا من وحول الرتابة ودجل الرياء؟!
تعالوا نترحّم على أمواتنا ونبكيهم كما فعلت شابة أمريكية لم تفصح عن اسمها عندما أرسلت قصيدة لينشرها ناشر في إصداراته. باختصار شديد أُوجز للقراء ما جاء في القصيدة مخاطبة حبيبها:
"أتذكر يوم استعرتُ سيارتكَ الجديدة واعدتها مبعوجة؟ فكّرت أنك ستضربني، لكنك لم تفعل"..
"أتذكر يوم تبادلت الغزل مع سواك لأثير غيرتك؟ عندها أيقنت أنك ستتركني.. لكنك لم تفعلْ".
"أتذكر عندما أخفيت عنك أنّ حفلة الرقص كانت رسمية فأتيت بملابس لا تليق؟ فكّرت عندها أنك ستهجرني ولم تفعلْ!"
"أتذكرُ... أتذكرُ.. اتذكرُ كم حضنتني بعفوك وصفحك"
"نعم كان من حقّك أن تغضب وأن تثأر..." لكنك رضيت بي مع كلّ السوءات والهفوات، وأعطيتني حبّا واحترامًا ورعاية!!"
"هنالك الكثير الكثير من الجميل الذي أردت ردّه إليك عند عودتك من فيتنام.. لكنك لم تعد!"
لقد سقط حبيبها شهيدًا فرثته بهذا الكلام.
صباح الخير لمن تغيب لديه المحاباة في حياة الناس وفي مماتهم.
