أقم قداسك، قم ركعتين، اقرأ بيانك انت في الناصرة (2-2)

single

طبريا المدينة، حديثها فوق التل وقديمها عند السفح والشاطئ


تلك  قرية عيلبون وتلك المغار تمتشق السفح. هناك يقيم الدكتور صالح وزوجته حلوة وابنائهما وبكرهما وحيد. يمسيان يصبحان على شموخ قمة حطين. الآن علمت من اين ورث وحيد شجاعته ومقته للنازيين. صباح شتاء مثلج زمهرير امسك صالح بيد الطفل وحيد وسار به باتجاه روضة الاطفال في "الدرفنيتسا" المدينة الجامعية في صوفيا. توقف وحيد و سأل صالح؛ ابي هل انت فاشي؟ كلا يا وحيد،  لماذا؟  لماذا تأخذني الى الروضة في هذا الثلج المتراكم والبرد القارس..
نهفات وحيد الطفل كثيرة وكثيرا ما كانت حكايات صالح احاديث سهراتنا؛ كيف لا وطبخات حلوة الشهية لا زال مذاقها تحت اللسان. أترى تلك التلة ذات الرأسين المتباعدين؛ انها  ارض موقعة حطين، نظرت الى التل البعيد استأذنت ابا راية التوقف و اخذ التذكار. رأيت صلاح الدين يصافح نص رالله و يلقي عليه قولا بل درسا يسأله ان لا يخيّب وصيته ورجاء المؤمنين الصابرين على نار الايمان قابضين. بدأ سراب طبريا يشد العيون، توقفنا للحظة، من اعلى التل نظرنا الى اعلى التل المقابل، رأينا صفد الشامخة في مكانها منذ الازل تنادي رجالا لا تنقصهم النخوة بل آفة الفرقة واعتلال الوحدة و قلة حسن التنظيم وحفنة سوس تنخر على الملأ خشب المؤمنين.
دخلنا طبريا المدينة، حديثها فوق التل وقديمها عند السفح والشاطئ، أترى تلك الابنية المهدمة بحجارتها البنية هذه قلعة طبريا، تلك الكنيسة وذلك المسجد. هذه سوق شعبية يهودية تذكرك بسوق الروشة القديم يوم دمرت الحرب اسواق بيروت. بركسات مقسمة او براكيات بموازاة ممر مشاة ضيق يفصله انابيب اعمدة معدنية عن طريق السيارات. في الجهة المقابلة والى اليسار حوانيت لم تمحُ واجهاتها الحديثة  جدران اهل البلاد الاصليين. ركنا السيارة بعد ان نزلنا منها الى شاطئ البحيرة متوجهين. في هذا الفندق تلقيت تدريبا عندما كنت شابا قال ابو راية. لا زلت شبابا و تحترفك مهارة مهني يجيد العلاقات العامة وحب الناس، يا ابا راية رددت تحببا.
هذا قبر جماعي لمستعمرين ماتوا من اجل استلاب "تحرير" طبريا من اهلها الاصليين! قال ابو راية. هل لي بصورة من فضلك؟ هذه بقايا المسجد، أشار ابو راية الى بناء عربي قديم تنتصب فوقه قبة على بعد امتار من شاطئ البحيرة المسيجة بزنار من المطاعم والمقاهي، و تلك على بعد اقدام كنيسة لم اعد اذكر ان كانت للروم او اللاتين والأكيد المسند ان السيد المسيح عليه السلام من اهل فلسطين. اخذ ابو راية عدة صورة تذكارية امام المسجد قبل ان نتوجه الى حائط الكنيسة لأقرأ ما تنطقه تحريفا و تزييفا لوحة خضراء كتب فوقها ما يدعى ان الكنيسة بنيت على انقاض كنيس او معبد يهودي قبل الظاهر العمر بزمن طويل. ليس من تخصصي التدوين لأضاليل و اكاذيب؛ دعنا نحتسِي بعض الجعة علنا نطري جوزتنا قبل ان نتابع طريقنا قلت لأبي راية. حتى النادل الذي احضر لنا البيرة ونحن نجلس فوق مياه بحيرة طبريا بلونها الحشيشي الاخضر كان عربيا من قرية عيلبون، ان لم اخطئ. ابو راية يسكب فوق رأسي اناء كرمه الملآن مرة تلو المرة دون ان يرحمني وانا قد اعددت الجيب والنفس لعمرة العمر؛ ممنوع ان تمد يدك الى جيبك، قالها ابو راية بحزم. وضعني ابو راية امام خيارين احلاهم عذب. أنسلك الطريق حول البحيرة ام نصعد الى الحمة ثم الهضبة. اجبت بلا تردد الهضبة وقلبي نبض لتنسم رائحة السلطان ورجاله كاسري شوكة غورو اللعين.


*تُهت في التضاريس بين الاردن وسوريا وفلسطين!*


تسلقت سيارتنا المنحدر الصاعد الى عباب السماء الى ان توقف ابو راية على يمين الطريق و قال انزل. أترى تلك البلدة و القباب الفسيحة الزرقاء في اسفل الوادي، تلك هي الحمة وهذه ارض فلسطينية. على السفح الاردني انتصبت بعض الابنية الضيقة الواطئة الصفراء. تُهت في التضاريس بين الاردن وسوريا وفلسطين. حارت نفسي في امر اولئك الشياطين الذين قطعوا معالم تلك الحدود و لماذا قبل العرب بها مُستهبلين. ايقظني من هلوستي شبق الجهلة و الاميين للسلطة، كونه سببا كافيا لخيانة  طماعين يحترفون امتطاء تقاليد مجتمع البسطاء، تنطلي على الطيبين اكاذيب شياطين سرقوا اقوال قديسين. نحن الآن على مرتفعات الجولان ، تلك بقايا دشمة للجيش السوري وهذه اسلاك شائكة تعيش خارج المكان. ما هذا بمرتفع، ولا جبل، بل سهل اين منه سهل البقاع و حوران، ارض منبسطة على مد العين والنظر. آلات زراعية للري او الحراثة في كل مكان. هل رأى حافظ الاسد هذه الارض؟ هل زارها مرة؟ اربعة عقود ونيف والمحتلون يعملون نهبا بخيراتها. الا يجب ان يكون المطلب الاول للسلام العادل اعادة ما سرقه الاحتلال من خيرات الارض و تعويض اهل الارض الاصليين عن خسائرهم وارضهم و معاناتهم؟  عقود عجاف، الاحتلال يعمل نهبا بخيرات الارض، والراعي الامريكي يأمر العرب ان يحضروا مغلولين الى المفاوضات بدون شروط. أو ليس هذا شرطا يا نابهين؟ كفى العرب سذاجة و سيرا وراء سراب امريكي لن يزيدهم الا ضعفا و تذللا للمغتصبين!  ليس لدى الله حجارة! فالتخلف عن تحرير الجولان واستعباد الحكام لأهل سوريا باسم التحرير لم يكن اكثر من طبخة بحص، فكان عقابهم بركانا في 1981، ثم تكرر في 2011. ولولا لطف الله ونخوة اهل الخير القادم من موسكو و طهران وحزب الله لخربت البلاد ونُحرت العباد ورقص على نعيق "الفوضى الخلاقة" كل لصوص ونصابي لندن،  باريس وواشنطن، محترفي النهب وباذلال الاوطان والشعوب متلذذين.
ليس العيب في الجولان، و لا حلب، و لا حمص و لا حماة واهلهم الصابرين، بل في ساكني القصور وأعناق اهلها خانقين. وسيبقى الجولان واهله للضيم كاظمين. جميع شارات السير تقرأ عبارة "كتسرين"، مستعمرة نكرة بالتأكيد تغتصب قلب الجولان. توقف ابو راية عند مرتفع ترى العين منه بحيرة طبريا بحجم الكف وعربات تحسبها نملا تسير فوق شوارع بمحاذاة شاطئها السوري المتقلب على جمر الانتظار.  ما ان اقتربنا نهبط المرتفعات حتى  لحظنا  ثكنات بجنازير العجلات وآليات حربية بآلة الموت مدججة وسيارات الجيب العسكرية امامنا او في الاتجاه المعاكس.
صح النوم حضرات جنرالات ومعالى الوزراء والمستشارين، أين فخامتكم سيادة الرئيس بشار، لما لا  تستفيقون وان متأخرين، اهل  الحكم الماكرون من موظفيكم بالفلسطينيين ارسلوا في ايار 2012 للتظاهر عند حدود الجولان وخلع الشريط الشائك وصولا الى مجدل الشمس؛ يحرسها القمر ونجمة الصبح المنيرة بمآثر السالفين الطيبين. انا العربي الفلسطيني المتلحف بحصانة جواز السفر البريطاني اذرع الجولان و فلسطين طولا وعرضا دون ان يوقفني او يسألني عن بطاقة هويتي احد. لا نقاط تفتيش عسكرية، لا حواجز امنية تجبي الجزية لجيوب و قصور ضباط الطبخ والزهور على الحرير نائمين. استميحكم عذرا سيادة الرئيس بشار، فالسيد حسن اقام لأهل الضاحية و الجنوب مواطنتهم،  استعاد لهم كرامتهم قبل ارضهم، نظف بيته وحزبه من رجس تجار الطائفية المرابين، اقام قانون العدل والتسامح، ومن فوق بحور الصبر قهر غربان الفتنة، امتشق الحكمة وسيف الحق فكان احترام اعدائه  له اكثر صراحة من معارضين بزندقتهم ودجلهم متفتقين. اما انتم سيدي الرئيس بشار، فلم تكتشفوا خيانة المملوك لأبيكم عبد الحليم خدام والآخر ابن الجنرال زير النساء الا بعد ان اعلنا انشقاقهما عنكم وخيانتهما المفضوحة من قصورهم الباريسية أموالها مسروقة من مال الشعب السوري.
**
قبل ان نهبط من على المرتفعات كان التعب قد نال من عاشق لا يتعب، توقف ابو راية عند محطة وقود غسل وجهه و شربنا بعض الماء. عند المنحدر و في حضرة شجرات كينا تنتصب منذ زمن حطين، قال ابو راية وهو يشير الى جسر قديم اعتلاه الصدأ؛ هذا جسر "بنات يعقوب". سلام عليكم يا يعقوب و على ابنائكم اجمعين، سلام عليكم يا نبي الله  الصدّيق يوسف، و كما انتصرت على مكر اخوتك  و كيد زوجة العزيز فجعلتهم عند قدمي الحق محصحصا راكعين؛ سيُعيد احفادك اهل فلسطين كيد الصهاينة الى نحرهم مرتدين.  صوت أبي راية يصل حبل افكاري و هو يشير الى سفح قريب قائلا تلك مقبرة لعرب وفلسطينيين تنكر الصهاينة المحتلون لأسماء اصحابها فاستبدلوها بأرقام، صار الجهلة والاميون يجترون عبارات "مقابر الارقام" والصحيح انها "اضرحة الجنود المجهولين"، شهداء الشرف والكرامة من اجل الجولان و لبنان وفلسطين.
على ضفاف نهر تل القاضي وعلى مقربة من الخالصة العربية الفلسطينية انتظرنا ابو المجد مروان و هاني سروجي و رفيق درب جولاني. وأمامنا موظفون يرتدون ملابس سوداء، لولا الخضرة وخرير الماء لحسبتهم حفاري قبور في المدافن قابعين. وجوههم لا تضحك، ضيافتهم اشبه بخبطات عزرائيل. خمستنا كنا نعيش دنيانا و عالمنا الخاص غير آبهين او ملتفتين الى ما حولنا. قبل ان ننتهي من الغداء أفاض الجولاني المسعدي بدعوتنا الى قرية مجدل شمس. اعتذرت، وذكرت أبا المجد ان لدي التزامات. في طريق العودة اصر ابو راية ان يطعمني البوظة  وسألني ان اتحدث. بماذا اتحدث يا سيدي ونخوتك وحميّتك غلفت روحي وجسدي؛ وفي القلب حفرت قلعة غار النمرود الجولاني من حصونها وحصانتها. (انتهى)



 (باحث، كوفنتري، المملكة المتحدة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ليبرمان ونتانياهو.. خذوني كما أنا

featured

دروس لبنان 2006 برسم التعميم في الحروب المقبلة: لأنّ هزيمة إسرائيل عسكريّاً ممكنة

featured

فتيات فلسطين ونتائج التوجيهي

featured

أصحاب بيت، ببساطة

featured

"شهادات على القرن الفلسطيني الأول"

featured

"لا تتركوه وحيدا.."