يبادر أصحاب الأقلام في هذه الفترة إلى إعلان رأيهم حول المفاوضات المباشرة التي دعت إليها الإدارة الأمريكية والتي ستجري تحت رعايتها وعلى أراضيها . ويدور نقاش جدّي حول جدوى هذه المفاوضات للشعب الفلسطيني وبالتالي حول موقف السلطة الوطنية ممثلةً برئيسها محمود عباس بالخضوع للضغوط الأمريكية بالأساس، والموافقة على المشاركة فيها .
ومن المقالات المؤيدة لموقف المشاركة الفلسطينية في هذه المفاوضات ، كان موقف الزميل عودة بشارات والذي نشر على صفحات "الإتحاد" ، يوم الجمعة 27/8/2010
ويطرح فيه حكما أُوافقه عليه ، وهو أن المفاوضات التي لا تستند إلى المقاومة الشعبية للإحتلال ،كأداة واعية لضرورات النضال لتحقيق الأهداف الوطنية فمصيرها الفشل ( وهذا ليس اقتباسا حرفيا ولكنه المعنى العام المفهوم من حكمه ) وأن المقاومة الشعبية ، دون مفاوضات ولأجل المقاومة فقط ، أيضا مصيرها الفشل . وهو يؤكد على الربط الصحيح بين هذين العاملين الأساسيين : المفاوضات والمقاومة للإحتلال ، لتحقيق الأهداف السياسية بخطوات محسوبة مسبقا .
قلت إنني أوافق الزميل عودة في حكمه ، حول العلاقة الجدلية ، بين المفاوضات وبين المقاومة الشعبية . ولكنني لا أوافقه بالنتيجة التي خلص إليها ، وهي تأييد المشاركة في المفاوضات المباشرة الحالية ، بشروطها وظروفها القائمة ،فهناك تناقض واضح بين الحكم السالف والنتيجة التي انتهى إليها .
وسؤالي هو : هل تستند المفاوضات الحالية إلى الكفاح الشعبي الفلسطيني، كمرجعية وطنية قاعدية مباشرة، للمفاوض الفلسطيني ؟ الجواب واضح للعيان بأن هذه الحالة غير قائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، عام 1967 ، وهي المناطق التي يجري التفاوض عليها ، لتطبيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني فوقها .
إذا كنا نطرح الخطوات المحسوبة مسبقا ، أسوةً بالنقلات المحسوبة في لعبة الشطرنج ، فهل قام متّخذ القرار الفلسطيني بالإعداد المدروس لنقلته هذه ؟ هل قام بواجبه الوطني في تحريك الرأي العام الفلسطيني وإنهاض الحالة الكفاحية الشعبية المنظمة ضدّ الإحتلال ، وهما مرجعيته الوطنية العليا ، وهما الحاضنة القاعدية لمفاوضاته ؟
إن ممارسة السلطة الوطنية الأخيرة ، في حظر المسيرة الشعبية ومؤتمر القوى الوطنية في رام الله ،قبل أيام ، هذه القوى المعارضة للمفاوضات بشروطها الأمريكية والإسرائيلية إنما تعطي الجواب مرّةً بعد الألف ، لمن ينتظر الجواب . لمصلحة من يتمّ منع إعلان موقف معارض للتفاوض المباشر ؟ هل هذا يصلّب موقف المفاوض الفلسطيني ، أمام أعتى قوة في المنطقة وأوحش قوّة في العالم ؟ ما الضرر في إظهار المعارضة الفلسطينية الوطنية للمفاوضات المباشرة ، وأن شروط هذه المفاوضات ،التي من المفروض أن تجري بدون شروط ، غير مقبولة على قطاعات فلسطينية عديدة ،لأنها مهينة ومذلّة وطنيا وإنسانيا ؟ أم أن ذلك يخدش صورة الأوهام الأمريكية والإسرئيلية ،والتي يغلفون بها هذه المفاوضات ؟
إن طبيعة الإنتاج الرأس مالي هي تحويل كل شيء إلى سلعة ، فالهدف الأسمى هو الربح وتسقط دونه كل الحواجز ، فالغاية عندهم تبرر الوسيلة . وهذا ينسحب على كل مجال ، والسياسة أداة تحقيق ذلك ، وهي في نفس الوقت مجال انتاج رأس مالي لكثير من الأوهام لتضليل الشعوب والمستغلّين في الأرض . ومن هذه الأوهام التي تريد الإدارة الأمريكية تسويقها، كسلعة مطلوبة في السوق الشرق أوسطي والعالمي المفاوضات المباشرة، بإنتاج أمريكي بامتياز . فيا أيها الفلسطينيون ، دعوا الإدارة الأمريكية تبيعكم حاجتكم الوطنية ، بالثمن الذي تحدده لكم، وبالشروط التي تمكّنها وحليفتها حكومة نتنياهو ، من جني الربح السياسي والإقتصادي والإعلامي ، من هذه السلعة ! ويا أيتها السلطة الوطنية ، لاتدعي أية جهة فلسطينية تعرقل رواج هذه السلعة ، ولا تنسوا أن حبّاسات ضخ الأموال من الدول المانحة بأيدينا الأمريكية !
ربما تكون السلطة الوطنية مدركة أنها بدون أموال الدعم من الدول المانحة ، لا تستطيع العيش . فهذه قضية وجود ، أو عدم وجود بالنسبة لها . فكان الوقوع تحت وطأة هذه الحاجة من الأسباب القاهرة للقبول بالمشاركة في المفاوضات المباشرة . لكن هذه الحاجة ليست قضية وجود للشعب الفلسطيني . فالسلطة الوطنية لم تكن منةً من أحد . لقد كانت إحدى ثمار التفاوض ، الذي كان تتويجا سياسيا للإنتفاضة الشعبية الأولى . تلك الإنتفاضة هي مصدر القوة للموقف الفلسطيني الوطني المكافح ، الذي فرض على أعداء القضية الفلسطينية التقليديين ، الثالوث الدنس أن يفاوض الفلسطينيين من خلال م.ت.ف بعد اعترافهم بها ممثلاً شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني .
هل نحن اليوم في وضع مشابه ؟ شتان ما بين المرحلتين ! الساحة الفلسطينية اليوم مقسومة . والمقاومة الشعبية المنظمة ضعيفة باستثناء بعض الميادين التي يجب تعميم تجربتها الكفاحية الأممية كبلعين ونعلين والشيخ جرّاح وغيرها . والأجهزة الأمنية الفلسطينية تدار أمريكيا مباشرة، ليس بعقيدة تصفية الإحتلال ، بل تصفية المقاومة للإحتلال . والإستيطان يزحف بسرعة السلع الرأسمالية في اكتساح الأسواق بهدف المقايضة به في سوق المفاوضات، بضمانات أمريكية . فهل هذه هي البيئة الوطنية الكفاحية الحاضنة للمفاوض الفلسطيني ، التي يحتاج أن يستند إليها في مواقفه ؟ هذه المواقف التي لم تستطع أن ترفض الدعوة الأمريكية للمفاوضات في هذه الظروف ،أو حتى تتجرّأ على طلب تأجيلها بهدف العمل على رص صفوف الجبهة الوطنية الفلسطينية الداخلية ، دعما للمفاوض الفلسطيني ، فكيف سيقول المفاوض الفلسطيني لا للمشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة ، أثناء عملية التفاوض ؟
وإذا كان القبول للذهاب للتفاوض ، لأجل صورة الفلسطيني أمام العالم ، التي تحرص السلطة الوطنية على أن تبدو للرأي العام غير رفضية ومتجاوبة مع مساعي السلام ، فهل سينجو المفاوض الفلسطيني من هذه التهمة المعدّة مسبقا لإدانته بفشل المفاوضات إذا أصرّ على الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ؟ أم أن اللا داخل الحمام أصعب من اللا خارجه ؟ ومن لم يستطع الرفض قبل دخول الحمام سيعوّل عليه برفض التنازل داخله ؟!
إن بداية عملية التفاوض في بداية تسعينيات القرن الماضي كانت استحقاقا لحالة كفاحية شعبية ضد الإحتلال، استطاعت أن تنتزع بعض الحقوق الوطنية انتزاعا بالرغم من سوء أداء المفاوض الفلسطيني في حينه ، الذي ترك عملية الإستيطان مفتوحة وحمّالة أوجه ، بين المحتل وضحية الإحتلال . وفي خلال عملية التفاوض السابقة والطويلة جرى الإلتفاف على عدد من هذه المكاسب وتقزيمها ،بل تحويل بعض منها إلى عبء على كاهل القضية الوطنية، وإلى مصدر للإبتزاز الوطني السياسي ، كالسلطة الوطنية نفسها .
إن نجاح التفاوض يتطلّب أرضية وطنية شعبية كفاحية صلبة يرتكز إليها المفاوض وكان يجب تذليل كل العقبات الداخلية وبناء هذه الجبهة المتراصّة أولاً ، قبل الرضوخ للموقف الأمريكي الإسرائيلي وتلبية الدعوة للمفاوضات . فطبيعة الوضع الداخلي هي التي تنقل الصورة المطلوبة للخارج . وهي التي تفرض قوّتها في العلاقات الخارجية . أما الرهان على الخارج والخضوع لإملاءاته فسيحوّل اتجاه التأثير إلى الداخل ، إلى حالة التأثّر لا التأثير . الأساس هو الداخل . هو الذي يعطينا الأرضية التي ننطلق منها إلى الخارج للتعامل معه بكل تناقضاته . ولكن، وأولاً، بعد حل تناقضات الوضع الداخلي .
إن خيار الرئيس محمود عباس والسلطة الوطنية الوحيد على ما يبدو ، هو المفاوضات ، حتى لو كانت بالشروط الأمريكية الإسرائيلية الجائرة والمهينة . فماذا سيبقى من هذه السياسة إذا ما فشلت ، وكل الدلائل تشير إلى ذلك ؟ إن القضية الفلسطينية العادلة لن تنتهي بفشل هذا الخيار بشروطه الحالية، بالتأكيد . لكننا سنكون على موعد مع سياسة أخرى، تمثّل حالة الداخل الفلسطيني بقوة وطنية شعبية مكافحة هي الأرضية الحقيقية ، التي تكون المرآة الصادقة ميدانيا لمقاومة الإحتلال . وبالتأكيد سيمثّل هذه السياسة وجوه أخرى سيفرزها الشعب الفلسطيني المتفائل والمكافح ، رغم كل التحديات .
(كفرياسيف)
