شعب التناقضات (2-3)

single

قبل النكبة والتطهير العرقي: قرية المالحة الفلسطينية المهجرة

 

  • إهداء الى الرفيق أبو سبارتاك..صليبا خميس..الذي ارتبط اسمه كبلدوزر يوم الارض..سكرتير لجنة الدفاع عن الاراضي..إهداء للانسان الذي عملت معه عشية يوم الارض وحرثنا الوطن.....للحث على الاضراب.مثلثا وجليلا

خرجت إلى المركز التجاري – المالحة وهو مركز سمي على اسم القرية الفلسطينية المالحة، وبجانبه حديقة الحيوانات الكبرى، المقامة على ارض القرية نفسها، التي لم يبق منها سوى مئذنة الجامع الذي حُول الى حانة، ومازالت أشجار الزيتون والتين والعنب والخروب والجوز منتشرة في ضواحيها، تتفيأ القرّدة والدببة والفيلة بظلالها!.

// 
فوق رأسي على الحائط كانت الساعة تدق ويدق قلبي بأسرع منها.. وهو ينظر في أوراقي..
" ينقصني الأصلي.". تمتمت! فقد شعرت انه انتبه لذلك..وقلت محرجة شبه متوسلة:
" أرجوك! أنت تعرف ان لا مجال للتواصل المباشر مع موكلي..غزة مغلقة ومحاصرة، ومستحيل التواصل.. لا استطيع لقاءهم!
ففكر قليلا وسحب ورقة بيضاء من أمامه وقال :
 خذي هذه الورقة واكتبي عليها تعهدا لي، أن اسمح لك لاحقا بإحضار الوكالة والتصريح الداعم للحيثيات بالنسخ الاصلية وأنا سأوقع "موافق".
ثم أردف قائلا بهمس وكأنه خائف أن يسمعوه: 
الحالة استثنائية! مساكين.. محاصرون، لا إلينا لداخل الخط الاخضر مسموح الدخول ولا لأي مكان؟ ولا الوصول لغزة. هذا وضع غير إنساني! 
همست: أرجوك سنتأخر، وقمت باتجاهه.
..."يا ويلي". وبدأت احضر قيمة الرسوم.
وضعها بالدرج، قائلا : غدا سأدفع عنك!
ثم قال : سأذهب وأحاول؟
وأضاف قبل خروجه : اكتبي لي التعهد حتى أعود!
وخرج.
خفت واختنقت.. عبثا حاولت أن اخفض ضجيج الجرافات في أذني ولم انجح!
ترى هل سيقنعهم بسرعة بإصدار أمر بعدم المس بالأرض وما عليها لأكثر من عشرين دونما؟ يا الهي لا اصدق!
كتبت له التعهد الذي طلبه مني.. موجها إليه! ليحمي نفسه من المساءلة.  
وخيّم على المحكمة صمت القبور، لا اسمع إلا دقات الساعة تقترب من الثالثة والنصف، وخفق قلبي المتسرع معها!
لم تمض سوى بضع دقائق شعرت وكأنها ساعات، حتى سمعت خطواته الصغيرة، مسرعة باتجاه غرفته، فخبأت رأسي بين يدي حتى اسمع كلمته الأولى.
ازداد توتري حدّة، حين سمعته يتحدث مع احدهم محاولا تبرير التأخر بالمكتب. وقبل أن تطأ قدمه داخل الغرفة قتل الهدوء بهمس عال " نتّساحنو" "انتصرنا"!
حيّاني مباركا، فطوله طولي وأنا جالسة! واستمر حتى مكتبه ليضع الختم على القرار، ويحضر نسخا لكل الأطراف وهو يتساءل:
 "ولكن كيف التنفيذ؟ فأنت وحدك!.. عليك إبلاغ الادعاء العام، ولكن إذا ابلغت الادعاء العام. ماذا يضمن لنا أنهم مباشرة سيبلغون القرار للقيادة العسكرية بغزة؟!
هم ينتظرون البدء بالعملية، بأسوأ أحلامهم لم يتخيّلوا انك ستنجحين بإيقافهم؟ 
رفعت رأسي وبعيون غارقة بالدمع وجبين مبلل وشبه توسل قلت:
ساعدني حتى النهاية! لن الحق بهم إذا لم يصلهم هذا القرار من هنا! مهما أسرعت بالسفر.
قال: وماذا سنفعل؟
قلت : هاتف مكتب نيابة الدولة! واخبرهم أن يخبروا المستشار القانوني لغزة ان الحالة استثنائية، ونرسل أيضا فاكسا أرجوك!
فرد: أريد أن أساعدك! أنا متضامن معك ومع الرسالة التي تؤدينها،واقدر ذلك.


 
في تلك اللحظات كنت قد هاتفت المزارعين في غزة وأكدت لهم أننا قد نجحنا في استصدار قرار بمنع التجريف المؤقت وأنني سأرسله لهم، فليأخذوه ويذهبوا إلى الأرض ويسلم لكل من يقترب منها ويرموا الامر بوجوه سائقي الجرافات والجنود الذين بالدبابات،حتى يتم تبليغ الجيش والقيادة العسكرية في غزة!
كنت أتحدث مع صاحب الارض وأنا اسمع شمرياهو يتحدث مع مكتب النائب العام ويؤكد له أن على القائد العسكري أن يوقف عمليات التجريف حتى إشعار آخر بناء على ما تقدمت به وانه حالا يجب متابعة الموضوع!
انهى مكالمته وأرسلت نسخة عن القرار الى غزة لأزوّدهم به، ونظر إليّ برأفة مخاطبا: 
اسمعي لا تسافري بعيدا ولا تعودي لحيفا او رام الله.. لن يدعوك طويلا تفرحي! أعرفهم! يريدون البحث بالالتماس سريعا. ستكون ردود فعل القيادة العسكرية بغزة صعبة! سيضغطون لتعقد الجلسة لإبطال القرار ولن يكون سهلا الإبقاء عليه، هل تسمعينني وأردف رافعا حاجبيه من أعلى من مستوى نظارته قائلا :
لم يعتادوا أن يعترضهم احد هذه الأيام! يجب أن تكوني قوية،اذهبي مؤقتا، احتفلي بالانجاز.. قلبي معك!
وفتح درج مكتبه وقدم لي حبة تمر فشكرته!
وقال مودعا مبتسما كعادته : ديري بالك ع حالك.. أتمنى لك النجاح!.
شكرته وجمعت أوراقي ونزلت الدرج باتجاه القاعة الموصلة إلى البوابة وأنا في حيرة الى أين أذهب؟! وأين أنام؟

  • *قبل أن يجف الحبر!*

وإذ بالصديق العزيز النائب محمد بركة يهاتفني من الكنيست. يسألني عن حصار رام الله والاحوال فقد يأتي برفقة وفد لاطلاعه على أوضاعنا..فقلت له أنا هنا، في البناية المقابلة للكنسيت بالمحكمة العليا، وشرحت له الوضع أنني بحاجة لخدمات مكتبية وبحاجة للبقاء في القدس، فأدخلني إلى الكنيست لمكتبه – وأوصى سكرتيرته بمساعدتي، وبينما أنا اشرح له ما الذي حدث لي، وقبل أن أنتهي من احتساء القهوة، غير مصدقة، أنهم أي المحكمة ستحدد موعدا للجلسة بهذه السرعة؟ وتساءلت بسذاجة محدثة النائب :
هل الجيش يملي على المحكمة برنامجها.. أوليس للمحكمة عمل أهم؟! وكل ما نفعله شكليا ليمنحها الشرعية..!!
واذ بشمرياهو من المحكمة يهاتفني قائلا : لقد حددوا لك الجلسة غدا صباحا في التاسعة.
وأرسلوا الدعوة بالفاكس! سيبدؤون أولا سماع قضيتك! آسف، اعتقدت أن يجف الحبر أولا..
وأردف: طبعا هذه ليست مهمتي، ولكني أخاف أن لا تصل الدعوة! ويستغلوا غيابك أستاذتي العزيزة!
– يا لهذا الخبر فالوقت لا يسمح لي للذهاب إلى رام الله لإحضار الملابس، وضمان العودة لحضور الجلسة صباحا، خرجت إلى المركز التجاري – المالحة وهو مركز سمي على اسم القرية الفلسطينية المالحة، وبجانبه حديقة الحيوانات الكبرى، المقامة على ارض القرية نفسها، التي لم يبق منها سوى مئذنة الجامع الذي حُول الى حانة، ومازالت أشجار الزيتون والتين والعنب والخروب والجوز منتشرة في ضواحيها، تتفيأ القرّدة والدببة والفيلة بظلالها!.
اشتريت قميصا ابيض وسروالا بسرعة دون قياس! وعدت باحثة مرهقة عن مبيت...
خرجت صباحا وإذ بشمرياهو يهاتفني قائلا :
أسرعي يريدون البدء في قضيتك وإنهاءها أولا... كل قيادة الجيش والمستشارون من غزة مع طاقم النيابة العامة موجودون في القاعة، منذ أكثر من نصف ساعة قبل الموعد!
أكدت له أنني ابحث عن موقف لسيارتي ورجوته أن يمنحني دقائق، فالمسافة ما بين ردهة موقف السيارات في المحكمة والقاعة تحتاج للسير على الأقدام مسافة بعيدة، بعد التفتيش في مدخل المحكمة واذا بصوت النائب محمد بركة مهاتفا : هل تريدين مني أن أحضر لدعمك ومساندتك.. أنت وحدك!؟
فأجبته بتوتر فائق: لا..لا! أنا خائفة من الفشل... وأحب أن أعيشه وحدي!
صعدت وركضت وسقطت مع أوراقي "ففرط" من الخلف سروالي..الله ماذا افعل.. فتذكرت أني استطيع أن ارتدي من الآن عباءة المرافعة وسأظل بها حتى البيت!
وأنا التفت حولي ركضت وإذ بأفيغدور فيلدمان زميل عرفته من أيام الدفاع ضد إبعاد أكرم هنيّة خريف 1986 أول ملف تابعته في حياتي، فلقد تردد كثيرا على مكتبنا - مكتب فيلتسيا لانغر.
- فقال لي بعد التحية: "أنتهى العمر يا نائلة....ما زلت تركضين؟".
حيّيته بسرعة ووصلت القاعة الثالثة المسماة "جيمل" وإذا بمقاعد المحكمة ممتلئة بكوادر النيابة والجيش، من الناحية اليمنى اما مقاعد الدفاع فانا وحدي، وأوراقي لم تكتمل وخرائطي ناقصة وغير مفهومة، والرسوم لم تدفع بعد! وسروالي وحالتي يرثى لها، فقط عصر الأمس بدأت قضيتي والآن يجب أن تحسم!
نظرت في عيونهم واحدا.. واحدا وأنا التقط أنفاسي المتسارعة، فوزني لا يسمح لي بالركض السريع! حاولت ترتيب أوراقي وأشلاء خارطتي ليعتقدوا أنني جاهزة ومستعدة للمرافعة!
الحقيقة ليس في شفاهي إلا صرخة ضد هذا الظلم والقهر، بأي حق يجب ان تجرف الدونمات وتشوه الأرض وما عليها للمزارعين المحاصرين وتُسلب قوتهم؟!. من اجل مذلتهم! وأمن موهوم ممكن أن يحقق لهؤلاء المستوطنين الذين هم جميعهم يدركون، أنه لا حياة لهم هناك وأنهم راحلون...

 

(يتبع حلقة أخيرة غدًا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

تآكل في الأمانة بين الناس

featured

هل تبكي المشانق؟!

featured

النفس والشجرة توأمان

featured

هذا برهاننا.. وإننا لصادقون!

featured

أي حرب يشنها الإعلام العبري على غزة ؟

featured

أبطال آخر زمن

featured

موقف صادق مشحون بالمبدئية والوعي التقدمي