*هنالك أهداف أخرى وراء اصرار نتنياهو على ضرب ايران، منها ما هو قريب المدى لإشغال العالم بمسألة التسلح الإيراني وذلك لطمس قضايا عالمية مهمة مثل القضية الفلسطينية*
في اسرائيل هنالك أبطال كُثُر، لكن ابرز الابطال هما الثنائي نتنياهو-براك، اللذان يتبنيان سياسة عدم السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي، بحجة ان ذلك يشكّل خطرًا. فإيران، حسب قولهم، تعد العدة للقضاء عليها. ولهذا فهم يتبنون أسلوب القوة، في ضرب منشئات إيران النووية وتدميرها سلفًا، على غرار ما فعلوه في العراق.
يقول المثل ليست كل نطة بغزال ولا كل مرة بتسلم الجرة، فما يؤكده الإعلام العالمي أن قدرات ايران اليوم ليست كقدرات العراق آنذاك، ولا هي كقدرات صدام حسين في حرب الخليج، لذا فقد تكون النتائج أصعب بكثير والخسائر أضعاف ما يفكرون به. ويقرّ الخبراء بأن الضربة لن تقضي على القدرات النووية الإيرانية بل قد تؤخر امتلاكها لتلك القدرات.
هذا الثنائي مستمر في برنامجه، بالرغم من معارضة قوية من خبراء ومسؤولين في المؤسسة الأمنية، مثل مئير دغان، رئيس الموساد السابق، الذي يحذر من ضرب إيران، وكذلك من قبل وزراء بارزين مثل يعلون وبيغن ومريدور، ورئيس الدولة شمعون بيرس وبالإضافة لذلك هذا فإن أصدقاء إسرائيل في الكونغرس الأمريكي، مثل مايك غرابل، الذي صرح أنه أذا هوجمت ايران فإنها ستدمر إسرائيل.
وهكذا فالجميع يحاول استعطاف خاطر هذا الثنائي ولكن عبثا. بطلان أقاما الدنيا ولم يُقعداها، وقد نجحا إلى حد كبير في وضع مواقفهما على رأس سلم أولويات دول كثيرة وكبيرة في العالم مثل الدول الأوروبية وأمريكا، التي وللأسف تدور في فلك إسرائيل، كذلك هو الحال مع مؤسسات دولية كمؤسسة الإشراف على الطاقة النووية. إذًا والحالة كذلك فانه يتبادر الى ذهننا السؤال لماذا لا يستمع نتنياهو لهذه النصائح؟
إن نتنياهو متأكد بأنه لا دولة من تلك الدول تريد أن تفرط بأمن إسرائيل، لكن وبالرغم من ذلك، فبرأيي أنه لا يثق بأحد، حتى بأعز أصدقاء إسرائيل، فهو يتصرف من منطلق النظرية التي تقول بان الشعب اليهودي هو شعب الله المختار، وأن على باقي دول العالم أن تخدمها فان قالت مثلا يا أمريكا اضربي ايران فعليها بالسمع والطاعة. مصلحة إسرائيل قبل مصلحة أي دولة أخرى، ولا يهم من تكون، حتى قبل أمريكا وهي الثدي الذي يُرضع إسرائيل.
إن هنالك أهدافًا أخرى وراء اصرار نتنياهو على ضرب ايران، منها ما هو قريب المدى لإشغال العالم بمسألة التسلح الإيراني وذلك لطمس قضايا عالمية مهمة مثل القضية الفلسطينية، وهذا ما هو حاصل في المحافل الدولية، فلا نجد تقريبا ذكرًا للقضية الفلسطينية وتظهر وكأنها قضية هامشية فالجميع منشغل بإيران، وفي ظل هذه الغفلة فإسرائيل مستمرة في نهب الأرض الفلسطينية وبناء المستوطنات.
وأما التخطيط البعيد المدى فيبدو أن نتنياهو لم يتخلَّ عن حلم مشروع إسرائيل الكبرى، من النيل الى الفرات، وهذا يتطلب عدم وجود أية دولة أقوى من إسرائيل في المنطقة ووجود إيران بهذه القدرة العسكرية سيكون عقبة أمام هذا الهدف. ولذلك فالعمل جارٍ على تحقيق هذا المخطط بحيث يسير موازيًا مع الحملة المسعورة على إيران، وإن كان يتم تغليفه بتسمية جديدة هي "الشرق الأوسط الجديد"، وإلا فما لهم وما لايران؟ لو كانت نوايا القيادة الإسرائيلية السلام ، لتم تحقيق ذلك مع كل الدول ألعربية.
أنا على يقين بأنه لا توجد دولة عربية واحدة لا تتمنى أن تعيش بسلام مع اسرائيل، وأكبر دليل هو مبادرات جامعة الدول العربية والدول الإسلامية وفيما بعد مبادرة دول عدم الانحياز في مؤتمرها في ايران. لا يوجد من يفكر بالاعتداء على إسرائيل فقد أصبحت اليوم دولة معترفا بها ولا يوجد من يؤيد شطب دولة إسرائيل حتى لو أعلنت إسرائيل أنها دولة بدون جيش.
لقد تمت فبركة أسطورة امتلاك العراق للسلاح الذري، فتبين أنه لا سلاح ذري ولا يحزنون، وبموجب وكالات الأنباء فإن إسرائيل أوصلت هذه المعلومات الى أدراج المكاتب المختصة في البيت الأبيض، فقامت امريكا، وبحجة الحفاظ على الديمقراطية وحقوق الإنسان، زورا وبهتانا، بضرب العراق واحتلاله في 2003. وهكذا تمزق العراق إلى شيع وجماعات متناحرة، وبهذا تخلصت إسرائيل من بلد عربي قوي في المنطقة.
لنمعنْ بالمقابل فيما أسفر عنه ما سمي "الربيع العربي"، من تدخل خارجي لتحقيق مطامع استعمارية. بحجة نصرة الديمقراطية فهم يغلّبون فئة على أخرى، وهذا ما حدث في تونس وليبيا ويحدث الآن في سوريا. فهل هذه "الهبة" من الدول الاستعمارية جاءت نصرة للديمقراطية وتعاطفا مع شعوبها، أم أن مصلحتهم هي تغيير النظم هناك؟ لو كان الأمر غير ذلك، فلتبك إذًا السيدة كلينتون على أطفال غزة المحاصرة. الجرائم في سوريا التي ينفذها طرفان، النظام وكذلك أولئك الذين يسمون أنفسهم معارضة ولكنهم في الحقيقة ليسوا أكثر من خدّام ينفذون أجندات للدول الاستعمارية.
إن الخطر الداهم هو ما يحيكونه لمصر التي تعتبر أم الدول العربية، فها هم يسعون لإثارة الفتن فيها، بمحاولات إيقاظ الطائفية. فما معنى حرق الكنائس ولماذا التأكيد على أن منتج الفيلم المنحط المسيء للرسول الكريم هو قبطي؟ ما أكثر المتاجرين بالدين اليوم، على مستوى شيوخ في الحركات الإسلامية، الذين يتبارون في الافتاء، بهدف إحداث الشرذمة في المجتمعات. وهنا يحضرني قول شيخ من الأزهر الشريف الذي قال، في أحدى الندوات على شاشة التلفزيون المصري، بأنه في هذه الأيام يوجد إسلامان: الإسلام الحق الذي عايشناه بمفاهيمه الصحيحة، و"الإسلام الأخضر" المرتبط بالدولار والذي يهرول الكثيرون إليه اليوم.
ومن جهة اخرى نتساءل، من أين أتت الحركات الإرهابية إلى سيناء، تحت ستار الدين؟ وهنا يتبادر الى الذهن سؤال: كيف دخلت هذه الحركات إلى سيناء دون أن يحس بها احد وهل صحيح انها تعيش بدون أن يمد لها أحد يد العون لكي تبقى هناك وتُستعمل في الوقت المناسب؟
المخطط المرسوم هو جعل كل دولة عربية مؤلفة من عدة دويلات أو إمارات متناحرة ضعيفة، وهذا مما يزيد في تكالب هذه القيادات على خدمة الأسياد، وعندها تصبح إسرائيل القوة الوحيدة المسيطرة في هذه المنطقة، تنصّب من تشاء وتطيح بمن تشاء، ويصبح الرؤساء وكأنهم أحجار شطرنج بين يديها وعندها تترتب صورة الشرق الأوسط الجديد وبهذا تحقق إسرائيل مبتغاها التاريخي بإقامة إسرائيل الكبرى. إن من يفكر أن حكومات إسرائيل على اختلافها قد تنازلت عن هذا المشروع هو واهم، فهذا المشروع موجود في الأدراج ، وهم يشغلون العالم بأمور أخرى، مثل الخطر من ايران، والحكام العرب يقدمون خدمة لأسيادهم من أجل الحفاظ على كراسيهم. بينما مصلحة البلاد في وادٍ وهم في وادٍ آخر.
