جاء في كتاب العقد الفريد، الجزء الثَّاني، (ص 270)، للفقيه أحمد بن مُحمَّد بن عبد ربِّه الأندلُسيِّ على لسان العتبيِّ: واستأذن رجلٌ المأمونَ في تقبيل يده، فقال: إنَّ القُبلة من المؤمن ذِلَّة ومن الذِّميِّ خديعة، ولا حاجة بكَ أنْ تُذلَّ، ولا حاجة بنا أنْ نُخدَع. وجاء أيضًا: دخل رجلٌ على هشام بن عبد الملك فقبَّل يده،فقال: أُفٍّ له! ما قُبِّلت الأيدي إلا هلوعًا ولا قبَّلَتها العجمُ إلا خضوعًا. وقالوا أيضًا: قُبلة الإمام في اليدِ، وقُبلة الأبِ في الرَّأس، وقُبلة الأخِ في الخدِّ..
لقد قبَّل يهوذا الاسخريوطي السَّيِّدَ المسيح في خدِّه أَمام كهنة اليهود في مكان مهجورٍ، حتَّى لا تُكتشف خديعته، ليبيعه لهم مقابل ثلاثين من الفضَّة، مع أنَّه كان من تلاميذه الإثنيْ عشرَ، واليوم نرى تلميذًا جديدًا يركع أمام كاهنه ويُقبِّل يدَه، جهارًا نهارًا، وعلى مرأى من عدسات آلات التَّصوير، المرَّة تلو الأخرى دون مللٍ أو كللٍ، بعد أن منحه التِّلميذُ لقب "شيخ الثَّورة العربيَّة وشيخ الثَّورة الاسلاميَّة والرَّبيع العربيِّ"، وقال: اليوم تستقبل فلسطين شيخ الثَّورة وشيخ التَّحوُّل الاستراتيجيِّ في هذه الأمَّة"، وللتَّذكير لقد طلب هذا الشَّيخ من رأس الحيَّة السَّاقطة عبر المحيط أن تشُدَّ همَّتها أكثر في مؤازرة الإرهابيِّين في شام العرب وبوصلتهم الثَّوريَّة ولتنتهي مؤامرة الغرب بإسقاط سوريا قيادةً وشعبًا، ويالله خلِّصها عالبكِّير! لأنَّ هناك لديهم الكثير من المخطَّطات التي يجب تنفيذها، حتَّى يرتاحوا من الهمِّ والعبء الفلسطينيِّ، مثل التَّبادل السُّكَّاني وتبادل الأراضي وتمرير مخطَّط الاعتراف بيهوديَّة الدَّولة، ليُصبح شرقنا العربيُّ دولَ طوائف ومذاهب، ويحشروا فلسطين في عُلبة لا تبلغ مساحتها العشرين بالمائة أو أقل من أرض فلسطين..
لقد كانت القُبلة الأولى في هذه المرحلة قبل سنتين أو يزيد حين تنحَّى فخامته من رئاسة مجلس الجامحة الغربيَّة، قبل موعده المحدَّد، مقابل ثلاثين من الفضَّة، ليجلس مكانه قاتل أبيه ليُحكم سيطرتَه على الوطن العربيِّ، من خلال شراء أقفيتهم وذممهم الفاسدة، ويُحكِّم الطَّوق على رقاب العباد، بحجَّة واهية وساقطة..
قُبلتان لشيْخيْن وأموال تُغدق على زعامة القوم لإقفال أفواههم والسَّير في تلم النِّعاج صفًّا واحدًا نحو المسلخ، بينما ما زالت أفواه الشَّعب مفتوحة، يتضوَّرها الجوع ويذِلُّها العوز وتمسُّها الحاجة إلى الحرِّيَّة والاستقلال والعيش بكرامة التي يريدون نزعها منه، حتَّى ينسى الشَّعب مركز مأساته ومركزيَّة معاناته، ويتسنَّى لهم تنفيذ مآربهم البغيضة، ضاعت فلسطين بقُبلةٍ عبر الزُّجاج والسِّيناريو يكتمل اليوم بقُبلهم، وهنا يتساوى المُقيل والمُقال في لعبتهما الواحدة..
وفي نفس الوقت يتظاهر شباب وشابَّات القدس رافعين البنود الفلسطينيِّة ذات الألوان الأربعة الزَّاهية، الموحِّدة والموحَّدة، لجميع الفلسطينيِّين في أربعة أصقاع تواجدهم، مدافعين عن عروبة القدس واستقلالها ومناهضين لاحتلالها واغتصابها، فالعلم الفلسطينيُّ الذي كلَّف ابناء شعبه الغالي والرَّخيص، لمجرَّد رفعه، حيث كان رافعُه يُسجَن لمجرَّد إشهاره، لذلك يجب أن يُصان وأن لا يُهان وليس من باب الصُّدفة أن يكون هذا البيرق هو نفس راية الوحدة العربيَّة، من محيط الوطن إلى خليجه، الذي ما زالت ترفعه دمشق وجميع أحرار العالم وشرفاؤه، فلا تُسقِطوه ولا تُسقِطوا وطننا ولا تُحيكوا لنا نكبةً ثانيةً..
