حزب الله في القصير (1-2)

single

جنديان سوريان في محيط القصير

 

قطر والسعوديّة والإمارات والأردن وتركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وإسرائيل والشيشان وباقي الجيش الإسلامي البن لادني العالمي لا يتدخّلون في سوريا. وحده حزب الله أخلّ بالصراع السوري الداخلي المحض عبر تدخّله في القصير. إسرائيل لم تخرق سيادة سوريا ولم تتدخّل في شأنها بغزواتها وقصفها المتكرّر. وحده حزب الله خرق سيادة سوريا الغالية. أطراف الصراع في لبنان لم تتدخّل في القصير، وعقاب صقر بائع متجوّل للحليب. وإعلان إرسال معدّات وأسلحة عربية وغربية إلى العصابات الموالية لقطر والسعودية وإسرائيل لا يُعدّ تدخّلاً بأي شكل من الأشكال، فلماذا إذن يصرّ حزب الله على جرّ سوريا إلى حرب تتعدّى حدودها؟ ألم يرَ الحزب حرص المعارضة المُسلّحة على السيادة الوطنية وعلى الاعتماد على الذات، والإصرار على الديموقراطية، على نسق أنظمة الخليج الديموقراطية؟ لماذا يريد الحزب إقحام عقيدته الدينية فيما ترفع الألوية المُسلّحة في سوريا شعارات علمانيّة وتدين بولائها لعتاة المفكّرين العلمانيّين، من أمثال ابن باز والعرعور والقرضاوي وشيخهم ابن تيمية؟ ومجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة يدرس إصدار قرار ضد «تدخّل» مقاتلين أجانب في القصير، وهو عنى حزب الله فقط. ماذا دهاك يا حزب الله؟
يمكن الحديث عن استغلال تدخّل حزب الله في القصير، قبل التحدّث عن حزب الله في القصير. «نيويورك تايمز» تتحدّث عن الخبر على صدر صفحتها الأولى يوماً بعد يوم، كما تفعل صحف غربية وبنمط الاستفظاع والاستهجان نفسه. إعلام آل سعود وآل ثاني (وهذا إعلام من أسوأ ما صدر عن الإعلام العربي، وخصوصاً أن النفَس الطائفي _ المذهبي لم يبلغ هذا الدرك من قبل) يدقّ النفير ويكاد يعلن الجهاد على كل الطوائف السياسية والدينية التي تحيد عن صراط... التحالف الأميركي _ الصهيوني. أما إعلام المعارضة السورية المسلّحة وإعلام حركة 14 آذار السورية، فقد بدأ بحربه ضد حزب الله قبل أن يصدر الحزب موقفاً من الأحداث في سوريا. المواقف والتصريحات كانت جاهزة ومعلّبة.
ياسين الحاج صالح (وهو يُعتبر «مُفكّر الثورة») في صفحة على «فيسبوك» يصف حسن نصر الله بـ«الجعاري»، وموقع له يضخ كراهية للعلويّين _ كعلويّين. لو أن مقدار الكراهية ضد العلويّين والشيعة كان قد صدر ضد اليهود لكان مثقّفو الليبرالية الراسخون في مضارب النفط والغاز قد تنادوا لحمل الشموع في الساحات العامّة ولكانوا قد طالبوا بتدخّل مجلس الأمن. إن إقحام حزب الله في الصراع السوري بدأ من قبل المعارضة المسلّحة والعصابات التي كانت تأتمر بأمر الحكم السعودي والقطري والأميركي منذ بداية الانتفاضة المسلّحة. لم يعد التزييف يسري: لقد أصدرتُ أنا ورفاق لي بياناً ضد النظام السوري عند بدء الأزمة، وسخرنا في البيان من نظريّة العصابات المسلّحة التي تجول في سوريا وتمعن قتلاً وحرقاً وتفجيراً.

 

 

* تفجيرات واغتيالات لا علاقة لها بمقارعة النظام!*

 


أعترف أمامكم وأمامكنّ بأنني أخطأت، لا في نقد النظام الذي لا أتراجع عنه، لكن أنا اليوم على اقتناع بأنّ العصابات السعودية والقطرية والإسرائيلية وفريقاً كاملاً في المعارضة السوريّة المُسلّحة يأتمر بأمر العدوّ وينفّذ بالنيابة عنه تفجيرات واغتيالات بالجملة، حتى تلك التي لا علاقة لها بمقارعة النظام. كذلك إن تنسيقاً واضحاً ظهر من قبل الجيش السوري الحرّ _ وهو مثل عصابات القبائل في العراق وأفغانستان يعمل بالأجرة _ مع العدوان الإسرائيلي: في الساعات التي تلت الغارات الإسرائيليّة الأخيرة، ظهرت أبواق للجيش السوري الحرّ وللائتلاف الوطني على شاشات آل سعود وآل ثاني وبثّت حرباً نفسية وما يُسمّى المعلومات المُغرضة من أجل إحداث تغطية لعدوان العدوّ. واحد من أبواق الجيش السوري الحر كرّر على شاشة صهر الملك فهد، «العربية»، أن وحدات بحالها انشقّت عن جيش النظام لمجرّد حصول العدوان. كان هذا هو المُبتغى وبتنسيق مع العدوّ بالتأكيد. الذين عاشوا وعشن حقبة الحرب الأهلية اللبنانية خبِروا طريقة التناغم بين العدوّ وبين أعوانه وعملائه في بلد ما. وقد أفاض عضو في قيادة 14 آذار (وكان قد اعتقل قبل سنوات بتهمة التخابر مع العدوّ الإسرائيلي) في الحديث عن إشراف إسرائيل على أجهزة الإعلام الكتائبيّة أثناء الحرب. والذين كانوا بإمرة إسرائيل في السبعينيات ضخّوا الدعاية عن أن إسرائيل لا تقصف لبنان إلا ردّاً على عدوان «الفلسطيني الغريب»، هم اليوم (أو ورثتهم) يضخّون الدعاية عن أن إسرائيل لا تقصف لبنان وتحرقه إلا ردّاً على عدوان «الشيعي الغريب» (عبد الرحمن الراشد، الذي تعلّم الإعلام في مدرسة حاشية أمراء آل سعود، كتب أخيراً في جريدة الأمير سلمان، «الشرق الأوسط»، أن غزوات إسرائيل للبنان واجتياحاتها لم تكن إلا «عمليّات تأديبية» لحزب الله). من المفيد أن أبواق آل سعود تجاهر بصهيونيتها هذه الأيّام، كما تجاهر أبواق آل ثاني.
وهناك ما هو مُريب. لماذا بدأ الهجوم على دور حزب الله في سوريا بعد أيّام فقط من اندلاع الانتفاضة الشعبيّة عندما كان إعلام آل الحريري يلتزم الصمت إزاء الأحداث هناك (لأن أوامر آل سعود لم تكن قد وصلت بعد)؟ من باشر حرق صور حسن نصر الله بمجرّد أن بدأت الانتفاضة الشعبية وقبل أن يصدر أي موقف رسمي عن الحزب آنذاك؟ ولماذا كان التركيز على «انحياز» إعلام حزب الله _ لأن إعلام آل ثاني وآل الحريري وآل سعود هو، مثل شعار «فوكس نيوز»، «مُنصف ومُتوازن _ دون غيره»؟ إن إعلام حركة أمل كان منذ البداية أكثر التصاقاً بالنظام السوري من حزب الله. ولماذا حرق صور حسن نصر الله، مثلاً، وليس حرق صور نبيه برّي أو حتى رفيق الحريري أو طلال أرسلان أو سليمان فرنجية، وهم كانوا أقرب إلى النظام السوري عبر السنوات من حسن نصر الله؟ لماذا لا يصدر نقد واحد في الإعلام ضد انحياز محطة «إن.بي.إن» إلى النظام السوري؟ هنا تتيقّن أن وراء الأكمة... إسرائيل نفسها. هناك من ينفّذ مشيئة إسرائيل في سوريا. إن قصف المواقع في داخل سوريا كان بناءً على معلومات شبكة تجسّس (قد تكون لبنانية _ سورية) لمصلحة العدوّ. هذا لا يعني أن الانتفاضة الشعبية اندلعت بأمر إسرائيلي، أو أن الانتفاضات العربيّة كانت من تخطيط «جين شارب» أو كيسينجر العجوز نفسه، كما يرد في إعلام الممانعة الشديد الغباء (حيث لا يزال إعلام حزب الله يعتمد على تحليلات «فرنكلين لامب»). لا أبداً. على العكس، كانت هناك انتفاضة شعبية حقيقية في سوريا، على غرار الانتفاضات الشعبية الأخرى في العالم العربي، لكنها تزامنت مع حركات عصابات مُسلّحة (قطرية وسعودية وإسرائيلية) كانت نائمة واستفاقت بمجرّد قدوم الأوامر بالتنفيذ. هذا لا يعفي النظام من مسؤولية القمع المُبكّر، ولا يدحض مشروعية الانتفاضة الشعبية التي بدأت. لكن العصابات المُسلّحة نجحت في سرقة الانتفاضة الشعبية وتحويلها إلى حركة مُسلحة ذات أهداف وسقوف أدنى بكثير من الحركة الشعبية. إن دكاكين المعارضة التي أنشأتها أميركا والسعودية وقطر باتت تحصر مطالبها بشخص بشّار الأسد فقط. لا تبغي أي تغيير جذري في العلاقات الاجتماعية _ الاقتصادية أو في إهمال الجولان المُحتلّ، أو حتى في بنية النظام السياسي. على العكس، حركات المعارضة الخارجيّة تحاكي النظام على أكثر من صعيد، وخصوصاً في التخوين وإن زادت عليه تكفيراً. إن استضافة الجيش السوري الحرّ للسيناتور الأميركي جون ماكين ليس أمراً عابراً. الرجل من أعتى حلفاء الليكود في أميركا، وهو في سيرة سياسية طويلة لم يتخذ أي موقف مُتعاطف مع العرب أو المسلمين (شعوباً)، ولم يحد مرّة عن مصلحة عدوان إسرائيل واحتلالها. جون ماكين كان ضيفاً مُكرّماً ومُعزّزاً لدى الجيش السوري الحرّ، وهذا معناه الكثير، ومن أهم دلالاته أنّ الصمت رافق جولة ماكين هذا. هل زيارة ماكين تدخل في خانة التدخّل المحمود، يا ترى؟
لكن ماذا عن التدخّل من قبل الحزب في سوريا؟ إن التدخّل بحدّ ذاته، من منظار الفكر الأممي أو الفكر القومي، ليس شراً في ذاته. بالعكس. التدخّل في شؤون الدول واجب وطني أحياناً. هل كان تدخّل المقاومة الفلسطينية إلى جانب الحركة الوطنية خطأً؟ قطعاً لا، كما أن تدخّل النظام الناصري ضد حكم شمعون كان تدخّلاً محموداً. ولقد كان تدخّل النظام الناصري لدعم حركات التحرّر العربية والأفريقية من إنجازات ذلك النظام، حتى تدخّله في اليمن ضد حكم من مخلّفات القرون الوسطى وحظي بدعم من إسرائيل نفسها كان حسناً. ومتى كان اليسار يعارض التدخّل في شؤون الدول وهو (مثله مثل الفكر القومي العربي الحقيقي) لا يؤمن بحدود تلك الدول التي كانت من وضع المُستعمر وبناءً على اعتبارات تدخل في خدمة مصالحه؟ عدم التدخّل؟ من يقول هذا غير حزب الكتائب الذي يدعو إلى الحياد، وهو الذي ناقض شعار الحياد في تاريخه الطويل والدموي؟ لماذا لا نتدخّل في شؤون الدول لمناصرة العدل مثلاً؟ الصمت وعدم التدخّل يصبّ في مصلحة الطغيان، ومثلما يصبّ بعض التدخّل في مصلحة الطغيان. لكن هناك تدخّلاً ثورياً وتقدّمياً وقومياً لا مناص منه عندما يتعرّض شعب أو حركة لقمع. ولا يرفع شعار عدم التدخّل أكثر من الدول التي تتدخّل في كل شؤون الدول في العالم. (يتبع، غدًا).

 

(عن "الأخبار" اللبنانية)

قد يهمّكم أيضا..
featured

في راهنية الواقع العربي

featured

خطر وجودي إسمه العنف!

featured

حملة ساقطة ضد محمد بكري

featured

كما الشتاء الغزير رحل ترحل أنت

featured

هل يتعظ "المجتمع الدولي"؟

featured

ماذا يبقى من الحقوق الوطنية والدولة اذا هوّدت القدس ودفن حق العودة؟!

featured

لماذا الخوف من الإسلاميين؟ امنحوهم فرصة للفشل (1+2)