ما من شك ان الواقع العربي يزداد سوءًا وانحطاطًا، ومجتمعاتنا العربية من محيطها وحتى خليجها، ينخرها التخلُّف والفساد وتسودها الصراعات المذهبية والدينية والعشائرية والنزاعات العرقية والفئوية، علاوة على اخفاق وفشل مشروع حركة التنوير والنهضة العربية، وانتشار التعصب الطائفي، عدا عن الفوضى الخلاقة التي تعيشها الأقطار العربية بفعل ما يسمى بـ "الربيع العربي"الذي تحوَّل الى "خريف عربي"، واثبتت تطورات الأحداث انه ليس سوى مؤامرة استعمارية وامبريالية دنيئة تستهدف تجزئة وتقسيم الأقطار العربية ونهب الثروات الطبيعية في المنطقة.
وفي خضم ما يجري من ذبح وقتل وصراع داخلي طائفي وارهاب دموي واعتداء على التراث والحضارة، وهيمنة القوى الأصولية والسلفية التكفيرية على المشهد، والتي تعتبر من اشد واشرس مقاتلي ومحاربي الفكر التنويري، نواجه ونشهد انتكاسة فكرية ومعرفية، ونكوصًا للعقلانية، وتراجعًا لحركة التنوير العربية التي أصابها الفشل والإخفاق والانهيار في أعقاب رحيل روادها وأعلامها البارزين من حمَلة مشاعل الفكر التنويري والإصلاحي والمدافعين عنه.
لقد شهدت مجتمعاتنا عبر تاريخها وتطورها نشوء وتأسيس حركات فكرية وسياسية، وظهور قوى عقلانية وعلمانية متنورة عملت وساهمت في نشر واعلاء راية فكر النهضة والتنوير، ولعبت أدوارًا هامة في الحياة السياسية والفكرية العربية، ولكن الأنظمة المستبدة مع القوى الدينية المتعصبة والمتشددة، حاربت بشدة هذه القوى الطليعية التنورية وقمعتها بالحديد والنار.
إن التنوير في جوهره يعني تغليب التسامح وقبول الرأي الآخر، والتخلص من التقليد، وفتح باب الاجتهاد، وتحرير العقل من الخرافات والأوهام والأساطير. وكم نحن بحاجة لمثل هذا الأفكار في أيامنا هذه.
وعلى ضوء ما يحدث الآن في مجتمعاتنا وأوطاننا العربية من تمزق وارهاب تكفيريٍّ وظلامي، هنالك حاجة وضرورة ماسة الى إحياء وبعث فكر النهضة والاصلاح والتنوير، وإرساء العقل والعقلانية، وسيادة الروح النقدية، وصناعة مستقبل جديد. ومن واجب ما تبقى من نخب فكرية وقوى متنورة ومتحررة وأحزاب تقدمية وعلمانية، العمل والسعي الى بث الروح الثورية مجددًا بين اوساط الشعب والجماهير العريضة، وترسيخ وعي ثقافي وفكري نهضوي وحضاري تحتاجه شعوبنا العربية الرازحة تحت نير الفقر والتخلف والعبودية والاضطهاد والقهر السياسي والاجتماعي.
