إميل حبيبي باقٍ في حيفا: تاريخ ونضال، وهو يمُثِّلُ البقاء والصمود الفلسطيني بالأرض والوطن بكل مركبات القضيّة

single

استمعت مع الآلاف مساء يوم الاحد الموافق 12-11-2017 للبرنامج الذي أعدته الميادين عن الأديب والقائد الوطني والشيوعي الفلسطيني إميل حبيبي ( 29 آب 1921م – 2 أيّار 1996م)، والذي حاول أن يتناول جوانب مختلفة عن الأديب والقائد إميل حبيبي، والكتابة والحديث عن إميل حبيبي في هذه الأيّام ودائما هو دليل أهمية هذا الرجل الأدبية والفكريّة من جهة ودليل عمق المأساة الفلسطينية التي تجرع إميل مع جيله علقمها ومرها، وكان عليه أن ينهض من الرماد بواقعيّة وحس وطني مخلص، في القضية الفلسطينية المعقدة جداً في جميع نواحيها وبوجود أكثر من لاعب نرد عليك كفلسطيني أن تختار الأصح لشعبك في الظرف العيني والموضوعي، فالكلمة الثوريّة المغامرة لسيت دليلا على عمق الوطنيّة وكثيراً ما خبأت خلفها أخطاء وأحيانا "عمالة " لجهات ضد الشعب الفلسطيني نفسه.
 لست من جيل النكبة، ولكنني ولدت بعد النكبة، ومن والدي عرفت عمّا حدث في بلدنا وقرانا في المثلث، كيف سُلِّمت لإسرائيل التي أصبحت اليوم " الشقيقة " بدون منازع للعديد من الأنظمة العربية، التي كانت شقيقتها سراً، كما فضحها إميل حبيبي ورفاقه.
إميل حبيبي ورفاقه لم يتوقفوا على قضية البقاء هكذا... بل البقاء كشعب له جذور قويّة في هذه الأرض، له تراث خالد له ماض عريق، بيّنه إميل ورفاقه في أدبياتهم ومقالاتهم عرّفوا الأجيال من خلال الصحافة الحزبية التي بقيت هي أيضاً في حيفا شاهدة على العصر ومبشرة بعصرٍ جديد سيأتي رغم أنف الظالمين والحاقدين على هذا الطريق.
عرّفوا الأجيال على المدن والقرى العربية المهجرة عام 1948م، وعلى اللاجئين في وطنهم وجعلوا منها قضية نضالية، وطالبوا ولم يتنازلوا حتى اليوم بعودة اللاجئين حسب قرارات الأمم المتحدة وخاصة البند 194 الذي ينص بصراحة على عودة اللاجئين، وقف إميل حبيبي ورفاقه ضد وعد بلفور المشئوم ( 2 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917م ) وعرّفوا الأجيال بالغبن الموجود في هذا القرار وأبعاد المؤامرة على شعبنا الفلسطيني.
في السياسة المسئولة، ليس الأمر كطق الحنك في الصالونات" الثوريّة "، انت في السياسة المسئولة أمام شعب بكل مركباته عليك أن تقود الشعب وتكون في المقدمة آخذاً بعين الاعتبار الواقع الموضوعي، تاركاً الحلم يتحقق شيئاً فشيئاً ومن خلال النضال، فلا يوجد في الطبيعة ولا في السياسة سكون.
ولذلك الادعاء بأن إميل حبيبي ورفاقه أرادوا للعرب "أن يأكلوا ويشربوا في أرض السمن والعسل فقط" كما قال أحد المتناقشين، وهنا لا يهمني الاسم بل الفكر أو التفكير الذي طرحه، هي فرية على إميل حبيبي وعلى دربه النّضالي بل كم سخر من كلمة "أرض السمن والعسل" هذه في أدبياته لأنها من أدبيات الحركة الصهيونية بالأساس والتي يعارضها إميل حبيبي فكراً وممارسة.
وعلى الباحث أن يكون دقيقاً في تعبيره فلم يكن هناك قبل النكبة حزب شيوعي إسرائيلي وآخر فلسطيني، بل كان هناك الحزب الشيوعي الفلسطيني (بالأساس من اليهود)، وهو أيضاً وقف ضد الحركة الصهيونية وضد الاستيطان في فلسطين وضد مصادرة الأرض العربية (المنشور المشهور عام 1936م) ضد ترحيل الفلاحين في مرج ابن عامر ومصادرة أرضهم وشرائها من أسرة سرسق اللبنانية أو في لبنان، وعصبة التحرر الوطني الفلسطينية التي جمعت بالأساس الشيوعيين العرب.
بعد النكبة والوضع الجديد ولمن يناضل نضالا شعبيا وديمقراطيا وليس عسكريّاً، كان لا بد من توحيد القوى اليهودية والعربية في البلاد لمقارعة الحركة الصهيونية، ومن أجل بقاء من بقي وعودة اللاجئين، هذا المطلب الذي لم ينزل من أدبيات إميل حبيبي وحزبه.
لا إميل حبيبي ولا حزبه تبنيا رواية الاحتلال عام 1948م ولا احتلال 1967م، حين كانت القوى "الثورجية" بعد احتلال 1967م - لأنني شاهد على ذلك – تتوجه إلى نوادينا لتقول للشباب "أولاً وحدة الشرق الأوسط وحدة ثورية"، وتعايرنا أننا نقبل قرارات الأمم المتحدة 242، وغيره من قرارات لو كانت الدول العربية ذات كفاءات علميّة وقتالية ودبلوماسية لتغير وجه المنطقة كلها ولكن الفرج العربي يأتي دائما بالوقت المناسب لحكام إسرائيل والمعادي لشعبنا اليس الفرج العربي هو الذي أدى لتدمير سوريّا الوطنية هذه المرة بحجة الدين وبقيادة داعش وبتمويل من نفس المصدر الذي كان حليفا لحلف بغداد وكان يدعو لوحدة دينية "إسلامية" في وجه "الوحدة العربية" الذي كان رائدها الرئيس الخالد جمال عبد النّاصر، الذي ربط الفكر القومي بالاشتراكية بالوقوف الفعلي ومن خلال القوانين ضد الاقطاع والرجعية، ومن خلال الثقافة الوطنية الثوريّة والصداقة التاريخية مع قوى الثورة في العالم والتي مثلها في ذلك الحين "الاتحاد السوفييتي" و"كوبا" وأسس مجموعة دول عدم الانحياز، ولا أظن أحداً لا يعرف اليوم من الباحثين الجدد والقدامى من هي داعش ومثيلاتها من جبهة النصرة وأحرار الشام وغيرها من التسميات ومن موّلها ومن ما زال يريدها أن تبقى بحيث لا ترفع عصا العصيان على منشئها.
أليس الفرج العربي الذي تحدث عنه إميل في كل مرة يأتي هذا الفرج هو الذي يغرق حتى الأذنين في اليمن السعيد، الذي أصبح في القرن الواحد والعشرين اليمن التعيس؟، وحين لا يكون معك مدفع كيف من الممكن أن ترفع شعار " ما بنفع غير المدفع "؟ في مظاهرة يرخصها الحزب حفاظا على الناس وعلى المتظاهرين في ظروف شعبنا أدرى بها.
وقف الحزب الشيوعي وما زال فكراً وممارسة مع وحدة الجماهير العربية الباقية في وطنها منذ الدعوة للبقاء في الوطن لكل الناس وتعاون مع كل من يعز عليه الوطن ومن يعي ضرر مغادرة الوطن، حتى المؤتمر ضد قانون تركيز الأراضي في الستينات في عكّا والذي حضره ممثلون عن معظم القرى العربية بما فيها قرى المثلث، حتى لجنة الدفاع عن الأرض القطريّة، وبما أنني كنت واحداً من النشيطين في هذه الفترة فقد فضلنا أن يتبوأ العديد من المناصب غيرنا واكتفينا بالعمل في الحقل بين النّاس بين أهلنا لنأخذ منهم أسباب الصمود والتّحدي ونعطيهم الأمل بِأهميّة النضال وضرورته، إلى المؤتمر الذي منعه مناحيم بيغن، إلى تأسيس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، إلى تأسيس القائمة المشتركة كأذرع نضالية ديمقراطية معبرة عن وحدة العرب في بلادهم وعن دعم هذه الأقلية للسلام العادل، الذي عبر عنه إميل "سلام الشعوب بحق الشعوب "، هذه رسالة الحزب ليس في الصالونات الثورية و" المشاكسة" بل من خلال العمل الميداني اليومي والحثيث، وأنا أرى كيف يقدم رفاقنا زملاءهم الآخرين باحترام في كل مناسبة بشرط واحد وهو العمل النضالي المدروس والدفاع عن الوحدة النضالية.
أمّا القيمة الأدبية لإميل حبيبي التي يحاول البعض وليس بالضرورة من خلال الندوة نفسها فكل الدراسات الجديّة وغير المتحاملة والموضوعية تضع إميل حبيبي في المقدمة، وكمن قام بفتح جديد للرواية الفلسطينية في قلب الوطن، وعامّة، بعد الانتباه للشعر الفلسطيني الذي أبدعه محمود درويش، وسميح القاسم، وراشد حسين، وسالم جبران وغيرهم من خلال أدوات نضالية أرسى معالمها وأعطاها أسباب البقاء إميل حبيبي ورفاقه، والقارئ النبيه يعرف كم أعطت هذه الأشعار من قوة لمقاومة الظلم وما زالت هذه الأشعار تغنى من خلال "الميادين " وغيرها.
يستطيع كل مثقف العودة لدراسات البروفسور محمود غنايم ( باقة الغربية )، الذي من المناسب هنا أيضا أن أقدم له التحية عمّا بذله من جهد ورؤيا بعيدة المدى للكشف من خلال أبحاثه هو ومن خلال أبحاث طلابه عن الكنوز في أدب إميل حبيبي الفكرية واللغوية والأدبية، ولرفاقه في البحث العلمي الذين كتبوا وبينوا الجوانب المضيئة في أدبنا مثل البروفسور إبراهيم طه (كابول)، وغيرهم.
أنا من جيل كانت الجديد بالنسبة لي ولأصدقائي هي الغذاء الشهري، وملحق الاتحاد الأسبوعي (والذي ما زال يصدر حتى الآن على نفس النهج ونفس المسئولية الفكرية والحضارية رغم اختلاف الظروف، وهذه أيضا تحية للرفاق العاملين على إخراج هذا الملحق العريق)، وخاصة أيّام "النكسة" حزيران 1967م، و"سداسيّة الأيّام الستة" وكل حلقة نشرت في الجديد كنّا نتحلق حولها ونقرأها فرادى وجماعات، فتعطينا الأمل وتفتح أمامنا حيوات جديدة، وبعد ذلك "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبو النحس المتشائل" التي عرفت اختصارا بالمتشائل، ترجمت للغات عدة، لعمقها وأهميتها الأدبية والفكرية وواقعيتها،صحيح أن إميل حبيبي يقول ان فيها منه، وأي أديب لا يكتب أي كتابة لا تكون العديد من زوايا كتابته منه، وبما أنه ابن هذه الأقلية القومية المضطهدة في وطنها وقائد من قادتها استطاع أن يعبر عن خوالجها ودواخلها وآمالها وآلامها، ولذا أثناء قراءتها بكينا وضحكنا وفتحت لنا أبواب الأمل، وأبواب الحزب، والأمل بغد مشرق عزيز.
ويعرف المتناقشون جميعا سواء من أرادوا المس، أو التعبير عن رأي مخالف لإميل حبيبي ودربه أو من دافعوا عنه وعن دربه أن السياسة والتعامل مع الهم اليومي والوطني للجماهير يختلف عن الأدب الذي يحلق فيهِ الأديب لغة وبلاغة وخيالا.
ولذا كان إميل حبيبي وباعترافه هو يحاول أن يعبر بالأدب عمّا لا يستطيعه بالنص السياسي فيردف الأدب بالسياسة والسياسة بالأدب.
أذكر أن إميل حبيبي جاء أول مرة لعرعرة خطيبا في سنوات السبعين وإذا به يبدأ خطابه بأنهُ عرف عرعرة أكثر من خلال رسائل كاتب السطور، وكان الفصل فصل الربيع، وإذا به يبدع في وصف عرعرة وجمالها لأهلها، وبعد الوصف الجميل الرائع، ومقارنتها مع مناطق في أوروبا الشرقية شاهدها، وإذا به يقول: هل يريدون أن نترك هذا الجمال وهذه الأرض؟ هل يريدون أن لا نبنيها مدماكا مدماكا باعتزاز؟ هل يريدون أن لا نستقبل أهلنا الذين غادروها في يوم من الأيّام؟ فشروا.
وأذكر أنني قدمت الشاعرة الشعبية الأصيلة "الست بدرية" كما كنّا نناديها، لتقدم مقاطع وطنية لم تنس أن تقول فيها : "الله ينصركم يا شيوعيّة؟" وأن تغني لعبد الناصر، والسد العالي، والوطن الذي لن نتركه أبد الآبدين.
وماذا نفعل نحن الشيوعيين بعد الذي جرى في حركتنا عالميا، وما جرى في منطقتنا من تفاقم الرجعية العربية والعمالة للإمبريالية والاستعمار، إلاّ أن نبقى على هذا الدرب مع تطوير الأدوات والفكر مع تطور الحياة، وعلى درب الأميلين والتوفيقين وماير فلنر ويهوشوع إيرغية وغيرهم باقون على العهد. رغم أنف الظالمين.
( عرعرة – المثلث )
قد يهمّكم أيضا..
featured

لماذا يجب أن نصوّت في انتخابات الكنيست ولمن؟

featured

ان نكون احرارا... ان نكون اقوياء

featured

مأساة اللاجئين الفلسطينيين بسوريا

featured

كلمة وفاء لأخ وصديق

featured

آذار التحدِّي وكسر حاجز الخوف

featured

جريمة نجع حمادي..تهديم لمفهوم الدولة..

featured

مسرحية اللقاء الثلاثي - مأتم جنائزي للسلام العادل!

featured

أفيون الشعوب ومرآة العالم المعاصر