ان نكون احرارا... ان نكون اقوياء

single

*كلنا نتحدث عن "ازياد ظواهر العنف"... واعتقده صار بديهيا.. انه حين نعترف بـ "ازدياد ظواهر العنف" يجب ان نعترف ايضا ان برامج وطرائق علاج هذه الظواهر التي اتبعت حتى اليوم والتي يستثمر بها الاموال والطاقات الهائلة قد اخفقت ايضا او على الاقل بعضها...*

 

  • أومن حتى الصميم بقول غاندي – محرر الهند بمبدأ اللاعنف- "يجب ان تكون انت التغيير الذي تريده للعالم".... فلنكف الآن الآن عن الحديث عما يجب ان يغير الآخرون بانفسهم.. وليبدأ كل منا بتغيير نفسه.. هذه هي الطريق الاصعب وهذه هي الطريق التي لا طريق لنا غيرها وهذه هي الطريق التي ستؤمن لجميعنا عيشة افضل..

 

نكثر الحديث وانا ايضا عن الاوضاع الصعبة السائدة في مجتمعنا.. ففي الامس كان حديثي وزميلاتي في العمل عن طلاب مدارس يحاولون بأساليب عنيفة جدا، كسر الزجاج الخلفي للحافلة التي يستقلونها في طريق عودتهم الى البيت.. هؤلاء الطلاب لا يكفون عن هز الزجاج حتى يهيل كله على الشارع.. هذا ليس بحدث عابر... فما حدث في هذه الحافلة حدث في حافلات اخرى في المدينة.. كسر الزجاج الخلفي للحافلة "لعبة" تتناقل بين الطلاب من مكان الى آخر.. هدفها –باعتقادي- "التخويف والاثارة"، الطلاب الذين يكسرون الزجاج لا يحسبون العواقب، و لا يأبهون بمن قد يصاب من جراء فعلتهم.. في احدى الحافلات اوقف السائق حافلته.. غضب... صرخ... حاول الاتصال بالشرطة.. ترك الحافلة.. وهم.... هؤلاء الطلاب الذين لا تتعدى اعمارهم الخامسة عشرة استمروا بفعلتهم.. هكذا.. باعصاب باردة.. لم يخجلوا.. ولم يخافوا.
في نفس اليوم علمت عن تعرض مجموعة شباب لطالبَي مدرسة كانا في طريق عودتهما الى البيت... الشباب اعتدوا بالضرب المبرِّح على الطالبين.. وسرقا سلسلة ذهبية لاحدهما.. الاعتداء كان في وضح النهار وفي شارع رئيسي يعج بالناس.. الطالبان حاولا حماية نفسيهما بما يملكانه من طرق... لم يتدخل احد من المارة لحمايتهما.. فلا هما ابنًي ولا شقيقَي ولا صديقَي من مروا من هناك وقت الاعتداء.. وعليه فلم يكن داعٍ لحمايتهما.. هذا هو منطق الناس البغيض والمخزي والمغضب في هذه الايام..
مر النهار وكنت قد سمعت وتحدثت عن عدة حوادث اعتداء.. وسرقات.. وخناقات حدثت في فترة وجيزة.. قلت لنفسي "اننا ننام ونفيق.. وننام ونفيق.. وتمر الايام ونجد ان شيئا لم يتغير ونجد ان احاديث اليوم لا تختلف عن احاديث الامس..". لقد بات الوضع مملا.. ولم اعد اطيق المشاركة في هذه الاحاديث.. لانني سئمت كثرة الندب.. سئمت من نفسي ومن الجميع.. سئمت سماع المسؤولين واصحاب الوظائف يتحدثون عن "مكافحة ظواهر العنف في المجتمع" من على المنابر....سئمت هذه التسميات المرتبة بشكل مغيظ... سئمت من ان نفس الناس يطرحون نفس الحلول... سئمت هذا كله.. ففي هذا الوقت الذي يخطب فيه المسؤولون ويخطط الفاهمون ونندب نحن .. يعاني من يعاني.. في هذا الوقت اهين ذلك السائق حين لم يستحق.. وحين كان يؤدي عمله باخلاص وتفان... وفي هذا الوقت اهين هذان الطالبان - اللذان اعرفهما بالصدفة، واحبهما كثيرا – اهينا وخافا وتألما وسُرقا، حين كان من المفروض ومن الطبيعي ان يصلا الى بيتهما بأمان...
كلنا نتحدث عن "ازياد ظواهر العنف"... واعتقده صار بديهيا.. انه حين نعترف بـ "ازدياد ظواهر العنف" يجب ان نعترف ايضا ان برامج وطرائق علاج هذه الظواهر التي اتبعت حتى اليوم والتي يستثمر بها الاموال والطاقات الهائلة قد اخفقت ايضا او على الاقل بعضها...

 

 

* التغيير يبدأ من عندنا

 


مطالبة الوزارات بالميزانيات.. اتهام الشرطة بالتقصير وتحميلها المسؤولية.. بناء البرامج واطلاق التسميات الرنانة عليها...كل هذا اصبح مألوفا وسهلا نوعا ما... فنحن نحب ان نشغل انفسنا بالتفاصيل التقنية لانها اسهل.. ولانها تبقي المسؤولية بعيدة عنا.
اني اعرف بين الاشخاص الذين يعملون في برامج مكافحة العنف –الممولة بالصدفة من الوزارات – ممن لا يعرفون سوى التعامل بأساليب قمعية ودكتاتورية مع الناس.. هذا التعامل لا يمكن تسميته الا بالعنف.. فهؤلاء الاشخاص كما طلاب المدارس في الحافلات يريدون القول "نحن الاقوى".. ولا يهمهم احداث التغيير الحقيقي عبر هذه البرامج.. الا اننا لا نتحدث عن ممارسة هذا النوع من العنف ولا نطالب "بمكافحته".. لان بمكافحته لا نستطيع تذنيب لا الشرطة ولا الوزارات ولا غيرها... مسؤولية مكافحة هذا النوع من العنف تقع بكاملها علينا.. ولذلك يغض اغلبنا النظر عنها...
اعرف ايضا امرأة تعمل في مجال "التربية" قالت لي يوما انها لن تدخل طفلها الى احدى الحضانات لان بها "اطفالا من الشؤون" – هكذا دعت هذه المرأة "المثقفة ومربية الاجيال" الاطفال الذين يعيش اهاليهم ظروفا صعبة – هذا التصنيف وهذا التعامل العنصري واللا انساني مع الناس.. مع الاطفال.. مع ابناء نفس البلد.. يدعى بنظري "عنفا"، الا اننا لا نطالب بمكافحته وحتى اننا نكاد لا نراه، ولربما يفكر معظمنا كما تفكر هي...
أومن حتى الصميم بقول غاندي – محرر الهند بمبدأ اللاعنف- "يجب ان تكون انت التغيير الذي تريده للعالم".... فلنكف الآن الآن عن الحديث عما يجب ان يغير الآخرون بانفسهم.. وليبدأ كل منا بتغيير نفسه.. هذه هي الطريق الاصعب وهذه هي الطريق التي لا طريق لنا غيرها وهذه هي الطريق التي ستؤمن لجميعنا عيشة افضل..
أومن ايضا ان على جهاز التربية – مخيب الآمال بما يفعله حتى اليوم- تقع مسؤولية كبيرة لا بصناعة المتعلمين والمثقفين..بل بصناعة الاحرار... لان الانسان الحر.. محاميا اصبح او نجارا او مديرا او معلما او مزارعا او اي شيء، سيعرف حتما.. كيف يحب نفسه وكيف يحب الناس وكيف يحب مجتمعه... سيعرف كيف يحترم الجميع.... سيعرف كيف يكون انسانا... سيعرف كيف يطور نفسه ويغير مفاهيمه..
فعندنا في مجتمعنا الكثير الكثير من المفاهيم السطحية واللا إنسانية .. عندنا مثلا نحكم على الانسان بحسب نوع السيارة التي يقودها.. وشكل الملابس التي يرتديها.. ومستوى المطاعم التي يرتادها.. ولهجة الحديث التي يستعملها... عندنا.. يخجل البعض من استعمال الباص !!.... عندنا... يقولون عمن يقرأ كتابا في الاماكن العامة "مزيفا"... نريد جيلا حرا يقول عاليا عاليا.."مفاهيمكم هذه مضحكة وبالية وفي جعبتنا مفاهيم جديدة.. انسانية.. منطقية.. وحلوة.."

 

 

* الثورات العربية.. درس في الحرية...

 


غضبت كثيرا حين انتقلت السلطات في الدول العربية دمقراطيا الى احزاب الاخوان المسلمين بعد الثورات، غضبت اولا لان الشعب اختار من يفرقه لا من قال عاليا بان "الدين لله والوطن للجميع"، وغضبت ثانيا لان هذه الاحزاب حصدت ما لم تزرع، الا انني لا اوافق من اعتقد بعد نتائج الانتخابات انه كان من الافضل لو لم تحصل الثورات، لا اوافقهم وارى انه من المُحزن ان تُحصر اهمية الثورات بمن سيحكم البلاد الآن..
في بداية انفجار الثورات كنت اقول دائما بان لي شرف العيش في هذا الزمن الجميل، هذا الزمن الذي اعاد فيه الشباب الثائرون والشابات الثائرات للقوة معناها الحقيقي، لقد اثبتوا بان الاقوياء ليسوا من يُخيفون بل من لا يخافون، لقد اثبتوا بان الاقوياء ليسوا من يكذبون بل من يواجهون الكاذبين بشجاعة وثقة، لقد اثبتوا بان الاقوياء ليسوا من يملكون العقارات والملايين بل من يحبون كل حارة وكل بيت وكل شارع وكل شبر في بلادهم دون ان يملكوا شيئا، لقد اثبتوا ان الاقوياء هم من يملكون الحقيقة، لقد اثبتوا بأن الاقوياء ما هم الا امثالهم.
"الاقوياء هم الاحرار.. والاحرار ليسوا الا من يمنحون ولاءهم للحق والحقيقة فقط" هذا هو الدرس الاكبر والأهم الذي علمنا اياه هؤلاء الثائرون الاحرار... هذا هو الدرس الذي يجب ان يستبدل برنامج وزارة التعليم الجاف والمتخلف الذي لا يعرف سوى كيف يجرد الانسان من انسانيته...
 لا تنظموا في المدارس والمؤسسات التربوية اياما وبرامج تدعونها "ضد العنف" وتستثمرون فيها الطاقات والاموال.. اكاد أؤكد لكم ان ايا من الاولاد او البنات الذين سيشاركون في هذه الايام لن يكف عن استعمال العنف...
لا تطالبوا بزيادة الميزانيات لتطوير حوسبة المدارس.. ولا بزيادة الحصص.. اكاد أؤكد لكم ان هذا كله لن يصنع من الطالب انسانا افضل..
اطلبوا المساعدة ممن قد يمكّنكم من رؤية الانسان الذي في الطالب الجالس في صفكم.. اطلبوا المساعدة لتتمكنوا من معاملة الاولاد والبنات باحترام وبحب بغض النظر عن قدراتهم التعلمية او انتماءاتهم الدينية او اوضاعهم الاجتماعية..لا تجعلوا ميتساف وزارة المعارف ولا بجروتها يحددان لكم كيفية معاملة طلابكم وطالباتكم .. قولوا لاولادنا ولبناتنا الا يخافوا من قول الحقيقة.. الا يخافوا من ان يكونوا هم كما هم... الا يخافوا من صد من يهينهم... قولوا لهم ان الناس لا يشبهون بعضهم البعض وان هذا طبيعي.. قولوا لهم ان من يقدر اقل بالبجروت حتما سيقدر اكثر في امور اخرى لا تقل اهمية ... وان هذه هي القوة الحقيقية... ولا يوجد غيرها.. ولا يوجد غيرها..
 عندها.. وفقط عندها سيصعد الطلاب الى الحافلة ولن يكسروا زجاجها... لكي يقولوا... "نحن اقوياء".

قد يهمّكم أيضا..
featured

أعطوا الطلاب والمعلمين حقوقهم

featured

ليس ردا بل تكملة

featured

اعادة رسم الادوار

featured

وحدة اليسار الفلسطيني بين الحاجة الملحّة والواقع المؤلم

featured

نحو تعليق عضوية البرلمان الإسرائيلي

featured

الثابت والمُتحول

featured

قرار رمزي، لكنه مهم

featured

من ذكرياتي مع الاتحاد