محاكمة إسرائيل لجرائمها ضد الإنسانية ضرورة ملحة: أية محكمة؟ وكيف؟ ولماذا؟

single

إسرائيل وجرائمها ضد الإنسانية:

      عندما يقتل إنسانٌ، في حالة غضب أو جنون، شخصاً ما، يُطلَق عليه اسم قاتل ويُعدَم أو يُسجَن مدى الحياة. فماذا نسمّي المسئولين في إسرائيل وقد قتلوا، عن قصد وسابق تخطيط وبرودة دم، آلاف المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء، وشردوا الملايين من المدنيين الآمنين من منازلهم وقراهم، وفرضوا حصاراً ظالماً على شعب لتجويعه والقضاء عليه؟ إننا نظلمهم إذا أطلقنا عليهم اسم "قتلة"، بل ونظلمهم حتى إذا أسميناهم " سفّاحين".

      منذ أن تأسست إسرائيل وهي تقترف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية سنة بعد أخرى وترتكب المذابح الهمجية في جميع أرجاء المنطقة: مجزرة بلدة الشيخ (1947)، مجزرة قرية سعسع في الخليل ومجزرة دير ياسين ومجزة قرية أبو شوشة ومجزرة اللد (1948)، مجزرة قرية قبية (1954)، ومذبحة قرية قلقيلية ومذبحة مخيم خان يونس (1956)، ومجزرة مدرسة بحر البقر بمحافظة الشرقية في مصر (1970)، ومذبحة صبرا وشتيلة في بيروت (1982)، ومذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل (1994)، ومجزرة قانا في جنوب لبنان التي وثقها تقرير لجنة تحقيق شكّلتها الأمم المتحدة (1996)، ومجزرة مخيم جنين (2002)، ومجزرة قانا الثانية في لبنان (2006)، وآخرها مجازر غزة (2008ـ2009) التي راح ضحيتها أكثر من 1500 شهيد وأزيد من 5000 جريح من المدنيين الأبرياء جلّهم من الأطفال والنساء والشيوخ.

      ورغم كل هذه المجازر التي يرتكبها المسئولون الإسرائيليون، فإن أياً منهم لم يُسَق إلى محكمة وطنية أو دولية، وذلك بفضل الدعم الأمريكي والأوربي في المحافل الدولية، وخوف السياسيين من تهمة معاداة السامية، وكيل الغرب بمكيالين في قضايا حقوق الإنسان، وتقاعس الدول العربية عن السعي إلى محاكمتهم. إن السكوت عن جرائم إسرائيل يشجعها على استمرارها في هذا النهج الوحشي، كما يشجع العنصريين الآخرين في العالم على اقتراف جرائم التطهير العرقي. ولهذا فإن السكوت عن جرائم إسرائيل هو، بحدّ ذاته، جريمة ضد الإنسانية. فقد نصت ديباجة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2391 (د ـ 23) الصادر بتاريخ 26/11/1968 على " أن المعاقبة الفعالة لجرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية عنصر هام في تفادي وقوع تلك الجرائم وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية وتشجيع الثقة وتوطيد التعاون بين الشعوب وتعزيز السلم والأمن الدوليين". كما أن البروتوكول الأول المكمِّل لاتفاقيات جنيف والصادر عام 1977 ينصّ على التزام الدول الموقِعة بمحاكمة الأشخاص مرتكبي هذه الجرائم بغض النظر عن جنسياتهم.

       ولهذا ينبغي عدم تفويت الظروف المواتية الراهنة لسوق هؤلاء المجرمين الإسرائيليين إلى المحكمة الجنائية الدولية.

أنواع المحاكم الدولية:

      توجد ثلاثة أنواع من المحاكم الدولية:

أولاً، محكمة العدل الدولية:

      وهي الجهاز القضائي الأساسي لمنظمة الأمم المتحدة. وقد تأسست هذه المحكمة سنة 1945 واتخذت من لاهاي في هولندة مقراً لها. وتختص هذه المحكمة في النظر في النزاعات التي تقع بين الدول، وترفعها إليها الدول المعنية. كما تقدّم المحكمة الاستشارات القانونية للهيئات الدولية التي تطلب ذلك منها كتلك الاستشارة القانونية التي قدمتها المحكمة للجمعية العام حول عدم شرعية الجدار العازل الذي بنته إسرائيل. وتتألف المحكمة من 15 قاضياً من جنسيات مختلفة تنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن لمدة 9 سنوات، ويتغير ثلثهم كل ثلاث سنوات. وقد سحبت الولايات المتحدة اعترافها بالسلطة القضائية الإلزامية لهذه المحكمة.

ثانياً، المحكمة الجنائية الدولية:

      على الرغم من أن الجمعية العامة للأمم المتحدة هي التي دعت إلى إنشاء هذه المحكمة، فإنها ليست جهازاً من أجهزة منظمة الأمم المتحدة، وإنما هي هيئة دولية مستقلة دائمة. وقد انعقد مؤتمرها التأسيسي في روما عام 1998 ووضع نظامها الأساسي، ثم تأسست المحكمة عام 2002، واتخذت من هولندا مقراً لها. وتختص بمحاكمة الأفراد المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية. وقد وقَّع على ميثاق هذه المحكمة 105 دول. ورفضت أمريكا وروسيا والصين والهند التوقيع على هذا الميثاق، ثم وافق الرئيس الأمريكي بيل كلنتون على التوقيع على ميثاقها " للدخول في اللعبة والتأثير على أنشطة المحكمة " مع التحفظ المتعلِّق بعدم محاكمة الجنود الأمريكيين المتهمين بجرائم حرب.

ثالثاً، المحاكم الدولية الخاصة:

      وهي محاكم خاصة ظرفية مؤقتة يُنشئها مجلس الأمن الدولي لمحاكمة مسئولين متهمين بجرائم الإبادة والتطهير العرقي أو جرائم الحرب، أو الجرائم ضد الإنسانية. ومن أمثلتها المحكمة الدولية الخاصة التي شكلها مجلس الأمن الدولي للنظر في جرائم الحرب المرتكبة في يوغسلافيا السابقة سنة 1993، والمحكمة الدولية التي شكلها لمعاقبة المسئولين عن جرائم الإبادة الجماعية في راوندا سنة 1995.

ماهية جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية:

      إن تحديد هذه الجرائم منبث في مبادئ القانون الدولي، وفي قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، وفي الاتفاقيات الدولية كاتفاقيات جنيف خاصة الاتفاقية الرابعة التي تحمي المدنيين في أوقات الحرب، وفي النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ العسكرية الدولية التي مثل أمامها قادة ألمانيا النازية، وفي نظام روما التأسيسي للمحكمة الجنائية الدولية.

      وبصورة عامة فإن هذه الجرائم تشتمل على الأفعال المحظورة دولياً خاصة عندما ترتكب في نطاق هجوم واسع أو منهجي على مجموعة من السكان المدنيين. وتتضمن هذه الأفعال جرائم القتل العمد، والإبادة، واستخدام أسلحة محظورة دولياً، والتعذيب، والاغتصاب، وكذلك الجرائم التي تمس بالحرية البدنية للمدنيين أثناء الحرب كالسجن والحرمان الشديد، وإبعاد السكان أو النقل القسري، وكذلك  تلك الجرائم المرتكبة على أساس التمييز العنصري مثل الاسترقاق، والاضطهاد، والفصل العنصري.

      ويعرّف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية منطوق " الإبادة " بالمفهوم التالي: " الإبادة: إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يُقصد بها أهلاكهم الفعلي كلياً أو جزئياً." و كذلك " إلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير بأعضاء من الجماعة"، كما ينص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3 (د ـ 1) الصادر بتاريخ 13/2/1946 على أن الجرائم ضد الإنسانية لا تقتصر على قتل المدنيين أثناء الحرب فقط ، وإنما تشمل كذلك " انتهاك حقوق سكان البلاد الأصليين الاقتصادية والسياسية، وسياسة الفصل العنصر من ناحية أخرى، باعتبارهما جريمتين ضد الإنسانية."


الأدلة على ارتكاب إسرائيل لجرائم ضد الإنسانية:

      لقد وقع الإجماع مؤخراً، حتى في العديد من المؤسسات الغربية، على إن إسرائيل ارتكبت جرائم ضد الإنسانية في عدوانها الأخير على أهل غزّة. وهنالك العديد من الجمعيات الحقوقية الدولية، وجمعيات غير حكومية وطنية، وبرلمانيون أوربيون، وصحفيون، وناشطون في المجال الإنساني، أعدوا تحقيقات وتقارير موثقة تدين قادة الكيان الصهيوني. فقد كان قصف إسرائيل للمدارس، والجامعات، ودور العبادة، والمدنيين العزل، ومقرات الصحفيين، وقوافل الإغاثة التابعة للأمم المتحدة، وسيارات الإسعاف، وتهديدها وأمرها للمستشفيات بإخلاء المرضى وقصفها لها، من الأمور الواضحة الموثقة. وسنعرض بعجالة لبعضها:

استخدام الفسفور الأبيض في المناطق الآهلة بالمدنيين:
الفسفور الأبيض هو مادة حارقة لها نشاط كيمياوي شديد عند ملامستها الهواء، وتنفذ في الجسم بسهولة مسببة حروقاً إليمة. وتستخدمه الجيوش المتقاتلة لإحداث ستار أبيض تخفي وراءه تحركاتها أثناء المعركة. والفسور الأبيض في هذا الاستعمال بالذات ليس محظوراً دولياً، ولكن يُمنع استعماله في المناطق الآهلة بالمدنيين. وقد استخدمته إسرائيل في غزة. وبحثت منظمة العفو الدولية التي تتخذ لندن مقراً لها، هذا السلاح الإسرائيلي وأسلحة أخرى محظورة استعملتها إسرائيل في عدوانها على أهل غزة المدنيين. وهذا ما أيده جيكوب كيلنبرجر رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر إذ قال عند زيارته لمستشفى الشفاء في غزة: " إنني لم أرَ أثار رصاص في أجسام الأطفال القتلى والمصابين." وهو يشير بذلك إلى تحريم ضرب المناطق الأهلة بالسكان بالأسلحة الثقيلة. كما أن المقرر الخاص للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية، ريتشارد فالك، صرح بأن " الأدلة الدامغة على انتهاك القواعد الأساسية للقانون الدولي الإنساني دامغة"، ومن هذه الانتهاكات عدم سماح اسرائيل " لأي طفل أو امرأة أو مريض أو معوق من سكان قطاع غزة بمغادرة منطقة الحرب ". ولهذا فإن السلطات الإسرائيلية احتجزت ريتشارد فالك في مطار بنغوريون مدة 20 ساعة، ما اضطر المفوضة العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة من التنديد بهذا الفعل مضيفةً  إن سياسة إسرائيل تجاه سكان الأراضي الفلسطينية يشكل في حد ذاته " جرائم ضدّ الإنسانية".


 وقد أنكرت إسرائيل أول الأمر استخدامها الفسفور الأبيض، ثم اعترفت به عندما ظهرت الأدلة وألقت اللوم على مجموعة عسكرية معينة قالت ستحقق معها، ثم زعمت أنها لم تنتهك القانون الدولي عندما استخدمت الفسفور الأبيض. 


مجزرة مدرسة الفاخورة في جباليا:


      تشبه هذه المجزرة في تخطيطها و تنفيذها مجزرة قانا التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية في قرية قانا اللبنانية بتاريخ 18/4/1996 وقتلت 109 من المدنيين معظمهم من الأطفال والنساء، عندما كانت إسرائيل تحتل جنوب لبنان وكان شيمون بيريز رئيس وزراء إسرائيل. فلكي يقتل الجيش الإسرائيلي أكبر عدد من المدنيين بأقل عتاد وأقصر وقت، فإنه ينذر السكان بإخلاء بيوتهم وإلا تعرضوا لموت محقق. وعندما يهرع السكان ويلجئون متجمعين في مكان يبدو لهم آمنا، يقوم الجيش الإسرائيلي بقصف ذلك المكان وقتل أكبر عدد منهم دفعة واحدة. ففي قانا لجأ أهل القرية إلى مركز قيادة القوة الفيجية في اليونيفيل (قوات الأمم المتحدة)، وفي مخيم جباليا للاجئين شمالي غزة، لجأ السكان المدنيون، يوم 6/1/2009 إلى بناية مدرسة الفاخورة التابعة للأنروا، وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين. فقصفها الجيش وقتل 45 من النساء والأطفال والشيوخ. وفي كلتا المجزرتين زعم الإسرائيليون بأن البناية كانت تضم مقاتلين. وفي كلتا الحالتين، كذّبت الأمم المتحدة مزاعمهم. فقد نفى جون غينغ مدير عمليات الأونروا في غزة زعم إسرائيل نفياً قاطعاً، وقال: " إن المدنيين ليسوا آمنين لا في بيوتهم ولا في مؤسسات الأونروا عندما يلجئون إليها." 


 وعلى كل، فإن إسرائيل تحتقر الأمم المتحدة التي أنشأتها. ففي اليوم الذي كان فيه بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة، يجتمع مع قادة إسرائيل في محاولة لتنفيذ قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار في غزة الذي لم تلتزم به إسرائيل، قامت قواتها بقصف قافلة الإغاثة التي تحمل علم الأمم المتحدة.


قصة المدرسة الأمريكية في غزة:


   كنتُ أتابع نشرة أخبار الفضائية الأمريكية (سي أن أن) مساء يوم 23/1/2009، عندما أثار دهشتي مراسل الفضائية في إسرائيل، بِن ويدمان، الذي يعيش في المنطقة منذ 15 عاماً ويجيد اللغتين العربية والعبرية. فقد أرسل تقريراً مصوراً عن المدرسة الأمريكية في غزة. وكان هذا المراسل قد بعث قبل سنتين بتقرير عن هذه المدرسة صوّر فيه البناية الجميلة والتجهيزات الجيدة للمدرسة، وقال فيه إنه على الرغم من أن المدرسة كانت لمساعدة أبناء اللاجئين الفلسطينيين، فإن تلاميذها المئتين هم من العوائل الميسورة نسبياً التي في مقدورها تسديد الأجور الدراسية البالغة ثلاثة آلاف دولار سنوياً.

      في تقريره الثاني، وقف أمام مكان المدرسة التي طالها القصف الإسرائيلي ودمّرها تماماً وأحالها إلى مجرد ركام. وأكد هذه المراسل أن المدرسة لا علاقة لها بتاتاً بأي نشاط حربي، وأن القصف الجوي ليلاً أدى إلى مقتل حارس المدرسة. ثم وقف هذا المراسل أمام رُبع جدار مهدّم ولكنه يحمل قطعة تدشين الافتتاح، وقرأ كلماتها التي تقول إن تلك المدرسة بُنيت بأموال الشعب الأمريكي. وهنا أطرق المراسل قليلاً، ورفع رأسه وقال بتردد وخشية:" أنا لا أستطيع أن أفهم. هذه المدرسة بُنيت بأموال الشعب الأمريكي. والطائرات والقنابل التي قصفتها هي من أموال الشعب الأمريكي. أنا لا أستطيع أن أفهم ذلك!! ".

      يا سيدي المراسل، إن السؤال الأصعب هو: كيف تفهم توفيق بلادك بين دفاعها عن حقوق الإنسان، وبين استخدامها الفيتو أكثر من 40 مرة لمنع مجلس الأمن الدولي من التنديد بمجازر إسرائيل وجرائمها ضد الإنسانية وانتهاكها أبسط حقوق الإنسان؟.


مَن يقيم الدعوى ضد إسرائيل؟

      إن المحكمة الدولية المختصة في الوقت الحاضر التي يمكنها النظر في جرائم إسرائيل ضد الإنسانية في غزة هي المحكمة الجنائية الدولية. ويمكن أن يقدِّم إليها الدعوى أحد الأطراف الثلاثة التالية:

مجلس الأمن
المدعي العام للمحكمة (وهو اليوم الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو)
سلطة البلد المعنى.
   ولما كان احتمال قيام مجلس الأمن بالدعوى منعدماً، واحتمال رفع المدعي العام للمحكمة الدعوى ضد إسرائيل ضعيفاً، فإن الطريق الأمثل هو رفع  الدعوى من قبل السلطة الفلسطينية، والحكومة المصرية (لأن المدنيين في مدينة رفح المصرية قد أُجبِروا على ترك منازلهم ووقعت إصابات بينهم نتيجة القصف الإسرائيلي). وأقترح أن تقوم جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي برفع الدعوى كذلك باسم جميع الدول العربية والإسلامية.

   ولكن خبراً بثته فضائية الجزيرة أثار حيرتي، ومفاده أن مجموعة من الأطباء النرويجيين جمعوا أدلة طبية وعلمية تدين إسرائيل باقتراف جرائم ضد الإنسانية في عدوانها على غزة، واتصلوا برئاسة السلطة الفلسطينية من أجل التحدث إلى الرئيس الفلسطيني أبو مازن، غير أن الرئيس رفض التحدث إليهم. ولعل سيادة الرئيس يخشى أن تؤثِّر إقامة الدعوى على مفاوضات السلام " الجارية". غير أنه لا تناقض بين دعوى على مجرمين ومفاوضات السلام، بل لا تناقض بين المقاومة ضد المحتل والتفاوض معه في الوقت نفسه. فعندما طلب الأمريكان من الزعيم الفيتنامي هوشي منه وقف المقاومة الفيتنامية أثناء المفاوضات، قال: "إذا أوقفنا المقاومة لم يعد ثمة شيء نتفاوض عليه."

هذه ثقافتنا وتلك ثقافتهم:

      ويتساءل المرء لماذا يصر المسئولون الإسرائيليون على تكرار قتل النساء والأطفال والشيوخ وهدم المنازل وتجريف الأراضي الزراعية وقطع الأشجار واستخدام الأسلحة المحرَّمة دولياً؟

       الظاهر أنهم يشعرون في أعماقهم بأنهم مغتصبون لأراضي الفلسطينيين وبيوتهم، وهؤلاء متشبثون بحقوقهم؛ ولهذا فإن إبادة أكبر عدد من الفلسطينيين ومسح آثارهم، سيقلل من مطالبتهم بحقوقهم كحق العودة الذي أقرته الأمم المتحدة. ويبدو أنه فاتهم فهْم مقولة الإمام علي " بقية السيف أنمى".

      ومن ناحية ثانية، يبدو أن تراثهم الثقافي الحربي الذي يشتمل على "يشوع 16:22: وحرّموا كل ما في المدينة من رجل وامرأة، من طفل و شيخ حتى البقر و الغنم والحمير بحد السيف." و " صموئيل15:3 : فالآن اذهب واضرب عماليق وحرّموا كل ما له، ولا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلا وامرأة وطفلا ورضيعا وبقرا وغنما وجملا و حمارا"، لا يشتمل بالمقابل على وصيةٍ مثل وصية الخليفة أبي بكر الصديق إلى يزيد بن أبي سفيان، قائد أحد الجيوش المتوجهة إلى الشام لتحرير أهلها من قبضة الرومان: " إني موصيكم بعشر كلمات فاحفظوهن: لا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً صغيراً، ولا امرأة، ولا تهدموا بيتاً أو بيعة، ولا تقطعوا شجراً مثمراً، ولا تعقروا بهيمة إلا لأكل، ولا تحرقوا نخلاً ولا تغرقوه..."، وهي وصية نعلّمها لأبنائها في المدارس، وقد سبقت مفهوم الغرب لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بأكثر من ألف وأربعمائة سنة.

كاتب أكاديمي عراقي مقيم في المغرب.

قد يهمّكم أيضا..
featured

جنون القوة وقوة الجنون

featured

يوم الأرض، خلاصة كفاحنا

featured

الانقسام يزيد التشبّه بالاحتلال!

featured

جامعة القبائل العربية

featured

رفع الحصار قضية الجميع

featured

"أحّيي"

featured

حكومة الرفض والتطرّف

featured

مرتزقة ... وأقنان