مرتزقة ... وأقنان

single

أتسلى احيانا بقراءة الابراج في بعض الصحف التي تصلني. وفي احد اعداد جريدة "الاتحاد" الأخيرة قرأت نصيحة لمواليد برج الثور (وانا منهم)، بمعالجة القضايا التي يواجهونها، بأعصاب باردة، ورغم الصعوبة والمشقة في العثور على برودة الاعصاب، في هذا الزمن "من الجحيم الجليدي" فقد قررت المحاولة، وها أنا احاول.
في زيارتي الاخيرة لمصر اجرى صحفي جزائري مقابلة معي، سألني فيها عما يفعله المثقفون العرب هذه الايام إزاء القضايا الكبرى التي تشوه الحياة العربية من المحيط الى الخليج، قضايا الاحتلال والقمع والاستبداد والفقر والأمية والمرض والحرمان والتخلف والبطالة والصراعات الاقليمية والمذهبية والقبلية، فقلت: "بهدوء اعصاب": الصورة واضحة، ومعظم من تنعتونهم بالمثقفين العرب أصبحوا مجرد مرتزقة واقنان وعبيد في مزارع السلطة والنفوذ والاقتصاد والهمينة.
بعد عودتي من مصر وجدت هنا ما يكفي ويفيض عن الحاجة، من المصائب والويلات والهموم. فنسيت تلك المقابلة الصحفية، ولكن الصحفي الجزائري النشيط واصل عمله ونشر المقابلة، وقامت قيامة بعض المشتغلين بالشأن الثقافي.
إتصلوا بي في بث مباشر، من فضائية "هنيبعل" التونسية، ضمن برنامج: بلا مجاملة، وبدأ القصفُ والقصف المُضاد" واتفقنا اخيرا على ان معظم من ينعتونهم بالمثقفين العرب هم فعلا من المرتزقة والاقنان والعبيد، مع تأكيد الاحترام للقلة الشريفة من المثقفين الذين يواجهون القمع السياسي والاجتماعي والفكري والفساد الاقتصادي، بشجاعة وبوضوح ويدفعون الثمن كاملا، دفعة واحدة، او بالتقسيط غير المريح!
وعلمت من اخ عربي سوري ان شخصا اسمه "عبد" (اسم على مسمّى) ويعمل في صحيفة لبنانية – غير لبنانية، هاجمني بمقال شديد  اللهجة، لكنه لم يجرؤ على مواجهة موضوع "المثقف والسلطة"، لكونه، شخصيا، من المرتزقة الاقنان المعروفين في بلده، وفي حركة حقيرة ومُنحطة راح يُكيل لي الشتائم الطائفية، مشهّرا بي وبالطائفة الدرزية التي "تخدم" في الجيش الاسرائيلي!
قلت للاخ العربي السوري: ان هذا "العبد" هو من افرازات الطائفية المزمنة في لبنان التعيس، ويوم اجتاح الجيش الاسرائيلي لبنان وحاصر بيروت، لم يكن ذلك "العبد" وأمه واخته في صفوف المقاومة اللبنانية، بل كانوا يرشون الورد والارز على جنود الجيش الاسرائيلي!
لن اكرر هنا قصة السياسة الاسرائيلية مع عرب هذه البلاد ونهج فرّق تسد، ومسألة الخدمة الالزامية والخدمة التطوعية، بل اكرر لذلك "العبد" ان شعبنا هنا نجح في الامتحان وحافظ على جوهر تاريخه وروح وحدة مصيره رغم سياسة اسرائيل الرسمية والمنهجية، وان هذا الشعب، بكل طوائفه وعائلاته ومناطقه، يواصل الكفاح في سبيل حقوقه القومية والمدنية، ومن حقه ان يدعم "المثقفون" العرب مسيرته الوطنية التقدمية الشريفة والنظيفة. ونعلم ان المثقفين العرب الاحرار والشرفاء، من المحيط الى الخليج، يدعمون حقا هذه المسيرة المباركة، لكننا لا نُخفي ألمنا إزاء ظاهرة "المثقفين المرتزقة والاقنان والعبيد" الذين يخدمون اسيادهم الذين يوجّهونهم بالريموت كونترول، من واشنطن، الى لندن، فباريس، فتل ابيب، وسواها من عواصم الشر والفتنة التي لا تريد للعرب شيئا سوى الركوع للاحتلال الاجنبي والخنوع للاملاءات الاجنبية. والضلوع في الخيانة والهوان والتشرذم والانحطاط، وفي هذه الخانة المظلمة والمؤلمة يتحرك اشباه المثقفين، من المرتزقة والاقنان و"العبيد".
وبالمختصر، فنحن اعلى من ان يطاولونا، ونحن اقوى من ان يستفزونا، ونحن ارقى من ان يستدرجونا، ونحن ابقى من كل الهراء الطائفي القبلي المتخلف والذليل، اما هؤلاء فلن تخفى حقيقتهم على "المفتحين" من ابناء هذه الأمة، حقيقة كونهم مجرد "مرتزقة واقنان وعبيد"، البطولة عندهم خيانة، والهرب عندهم شجاعة، والثقافة لديهم بضاعة!
وببرودة اعصاب، حسب نصيحة زاوية "الابراج" في جريدة "الاتحاد" فاننا نسأل الله ان يهديهم سواء السبيل وان يفكّ عُقَدَهم لعلهم يرعوون ويتقون ويعقلون ويهتدون.. والله يهدي من يشاء.

 

(الرامة – الجليل – مدى الحياة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

حزبنا الشيوعي وآفاق اختراق الشارع الاسرائيلي، نحو السلام والمساواة والعدالة؟!

featured

قصة هدم بيت محمد نعمان أبو سالم هي قصتنا جميعا ، وصموده صمودنا

featured

كيف انتزعُ جلدي؟!

featured

ذكريات ختيار لم تمت أجياله - الخلاصة

featured

المعارضة السورية ومشروعها بيع الجولان لاسرائيل!

featured

قسطرة علاجية طلائعية للدماغ بالتخدير الموضعي تغني عن جراحة الدماغ وفتح جمجمة الرأس

featured

انتخابات اللا استقرار تثبت حالة التشرذم<br>وتعيد جدولة الأزمات

featured

هوية مصادرة يؤكدها البوركيني