ألأُستاذُ المُربِّي حنا مخول، وَداعًا!

single

كانت نَكبةُ الشّعبِ الفلسطينيِّ؛ فهُجِّرتُ قسرًا، في التاسعةِ من عُمري، من قريتي البِرْوَةِ إلى البُقَيْعةِ؛ ومن مكانِ عملِهِ : أستاذًا للغة العَرَبيَّةِ في الكُلٌِيَّةِ الثانويَّةِ في قريةِ البَصَّةِ، " هُجِّرَ" حنا مخول قسرًاإلى قريتِهِ البُقَيْعةِ. وفي البُقَيْعةِ عَرَفْتُهُ أستاذًا أتلَقَّى على يديهِ دروس اللغة العربية. لا تغيبُ صورتُهُ عن ذاكِرَتي، وهوَ يَتَرَنَّمُ طَرِبًا بِأَوْزانِ البُحورِ الخَليليَّةِ للِشَّعرِ العَرَبِيِّ، أمامنا نَحْنُ طُلابَ الصَّفِّ السّادسِ الابتدائيِّ؛ وبِتَأْثيرِ هذِهِ الحالةِ من الانسجامِ مع موسيقى هذِهِ البُحور، حَفظْتُ منها أوزان البُحورِ : الطَّويل، والبَسيط، والوافِر.
يَقُولُ الأديبُ الفلسطيني ُّ جبرا إبراهيم جبرا، في سيرَتِهِ الذّاتِيَّةِ، في كتابِهِ "البِئرُ الأولى": "أَشَدّ المُفَتِّشينَ وَقْعًا في أَنْفُسِنا كانَ خليلُ السَّكاكينِيُّ، بِلُغَتِهِ الفُصحى التي يُطلِقُها بِصَوتٍ رَنّانٍ رَغْم َ بَحَّتِهِ الغَريبَةِ يَتَنَغَّمُ بِمُفْرَداتِها ويَجْعَلُها لا ساحِرَةً لِلْأُذْنِ فَحَسبُ، بل مٓفهومَةً أيضًا"؛ من هُنا يَظهَرُ واضحًا أنَّ الطّالبَ حنا مخول قدِ اتَّخذَ أُستاذَهُ الكبيرَ خليل السكاكينيَّ قُدوَةً، فَذَوَّتَ في وَعْيٍهِ كُلَّ تلكَ الميزات التي ذَكَرها جبرا إبراهيم جبرا لِتكونَ لَبِنَةً أساسيَّةً في مَبْناهُ اللُغَوِيِّ . وبتأثيرِ هذِهِ الميزاتِ ذاتِها التي تَسْتَشْعِرُها حتى وهو يَتَحدَّثُ بالأمور الحياتيَّةِ اليَوميَّةِ مع النَّاسِ، أحببتُ أنا نفسي اللغة العربيّة..
كُلَّما عايشتَهُ ولازَمتَهُ أكثر، تَعرَّفتَ على جَوانبَ وسجايا فيه مُقنِعةٍ. صاهَرْتُهُ فَتَكَثَّفَتْ لي معه لقاءاتٌ وجَلَساتٌ حميمِيَّةٌ، لا تَكَلُّفَ فيها ولا مجاملة؛ فتعرَّفتُ على تلك الجوانبِ ولامستُ تلكَ السّجايا:
وَجَدْتُ أَنَّهُ لا يَغْتَرُّ بالمظاهرِ الخارجيَّةِ لِلْمَرْءِ مهما زهَتْ أو بَرَقَتْ،مَخافَةَ أن "يَخْلِفَ ظَنَّكَ الرّجُلُ الطّريرُ"؛ بل يَلتفِتُ إلى الإنسان الذي في داخِلِهِ؛ وعلى هذا المبدَإِ لم يألُ جهدًا في إعلاءِ شَأنِ هذا الإنسانِ الذي فِيهِ هو نفسِهِ، وإثرائِهِ رُوحِيًّا بِالإيمان الصّادقِ الواعي؛ وعِلميًّا بالدِّراسةِ في الجامعةِ، وبِالدّرس والتَّنقيبِ في مُختَلَفِ الكُتبِ والمراجع اللغويّة والأدبيّة والتربويّةِ، الثَّرِيَّةِ بها مكتبتُهُ؛ كما أنَّه لم يَبخُلْ عليه بِشَيْءٍ من ماديات الدنيا: مَأكَلِها، ومَشْرَبِها، ومَلْبَسِها. أعطى بناتِهِ وأبناءَهُ ما أعطاهُ لنَفسه؛ فدَرَسوا وتعلموا مُضيفين إلى ذَلِكَ ما زرع فيهِم من العصاميَّةِ والطموحِ، والنزوع الى الأعلى دائمًا.
وجدتُهُ إنسانًا يعرفُ قيمة الوقت والزمن في الحياة؛ وقيمةَ الدِّقَّةِ في التَّخطيط؛ رافقَهُ هذا الوعيُ على المستوى الشَّخصيِّ، وعلى المستوى العامِّ، فكان أمينًا على زمن الآخرينَ : في تدريسِهِ، وفي التخطيطِ لإِدارةِ المدارسِ التي كان مديرًا لها.
وجدتُهُ مِضيافًا، صادقًا في وُدِّهِ، وفيًّا للصديق؛ ومع ذلك كان ذا مَوقفٍ مُحَدّدٍ واضحٍ، في كلِّ أمرٍ من أمور الدّنيا، لا يجتَهدُ في إرضاءِ محدِّثِه على حسابِ قناعتهِ بموقفهِ، وإنهاءً للحظةِ نقاشٍ حَرِجَةٍ؛ كي يُرضى عنه، فٓيٓحسُنَ في عينَيّ مُحَدِّثِهِ بأيِّ ثمنٍ؛ بل كان الرّأيُ العاقلُ، مَدعومًا بمنطقٍ مدروسٍ، من غيرِ أن يُؤذِيَ بكلمةٍ جارحةٍ، أو إشارةٍ مُهينةٍ؛ وكانت شجاعتُهُ باديةً في الدِّفاعِ العنيدِ العَقلانيِّ عن رأيهِ وموقفِهِ؛ وكأني به يَستَوحي قولَ المتنبي الشاعر العربيِّ :

 الرّأيُ قَبْلَ شجاعةِ الشُّجعانِ      هُوَ أوَّلٌ وهيَ المَحَلُّ الثّاني
 فَإِذا هما اجتَمع الِنَفسٍ حُرّةٍ       بَلَغتْ مِنَ العَلْياءِ كُلَّ مكانِ

وَداعًا أَيُّها المُرَبّي الكَبير؛ وَداعًا عَمِّي حَنّا؛ وَداعًا أَبَا فِراس.. إِلَّا أَنَّني " رَأَيتُ الكَريمَ الحُرَّ لَيسَ لَهُ عُمرُ " فَأَنتَ - وَإِن غَيَّبَكَ المَوتُ - باقٍ حَيّا في الذّاكِرَةِ : ذاكِرَةِ الأَعدادِ الكَبيرَةِ مِنَ المُشَيِّعينَ لَكَ، وَ المُعَزّينَ بِرَحيلِكَ، ذاكِرَةِ الأَجيالِ الَّتي تَخَرَّجَت عَلى يَديكَ، ذاكِرَةِ أُسرَتِكَ: بَناتِكَ وَ أَبنائِكَ وَ أَحفادِكَ، ذاكِرَةِ حِجارَةِ بَيتِكَ، ذاكِرَةِ الأَرْضِ الَّتي احتَضَنَكَ ثَراها؛ وَ في الذّاكرةِ الجَماعِيَّةِ وَ المُجتَمَعِيَّةِ لِشَعبِنا.
وَداعا : " فَإِنّا مِن مُقيمٍ وَراحِلِ"



(حيفا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

قافلة الحرية جريمة لا تغتفر

featured

"صفقة القرن" وليدة "الربيع العربي" ومنتج من منتجاته

featured

باراك أوباما... والتنحي عن قيادة العالم

featured

عن أماكن ضاعت وأخرى يصعب الاهتداء إليها

featured

انتهى مونديال المنتخبات لينطلق مونديال الانتخابات

featured

الى حضرة المحررين والمسؤولين في صحيفة "الاتحاد"

featured

يعقوب الفلسطيني

featured

تحرر من طاغية وليس حرية