قافلة الحرية جريمة لا تغتفر

single

ليست الـمرة الأولى، وقد لا تكون الأخيرة، التي تقترف فيها إسرائيل مجازر وجرائم حرب ضد الإنسانية، تستفز البشرية بصرف النظر عن دياناتهم أو قومياتهم أو أجناسهم، لأنها كما وصفها صائب عريقات "دولة مارقة فوق القانون" فأمثالها تمت محاسبتهم من جنوب إفريقيا إلى يوغسلافيا والعديد العديد من الدول والشخصيات الـمجرمة التي تم نبذهم عن الـمجتمع الإنساني كدول مجرمة أوصلها قادتها للإجرام والعزلة.
ما فعلته إسرائيل في فلسطين، وحصار بيروت وجنين ومخيمها وغزة وبحر البقر الـمصرية، كل جريمة كانت تستحق إسرائيل بسببها العزلة والعقاب، ولكنها كانت تفلت بسبب الدعم الأميركي والنفاق الأوروبي والضعف العربي الإسلامي.
سبق وللـمجتمع الدولي أن تعاطف مع اليهود، ومنحهم دولة ووطناً في غير أرضهم في حدود قرار التقسيم (181)، على أرض الشعب الفلسطيني، فأخذوا أكثر مما رسمه لهم قرار التقسيم العام 1947، فطردوا أهل البلاد وشردوهم وأصروا على فعلتهم، مع أن أبرز الـمؤرخين اليهود، ألان بابيه أقر وأرخ وأثبت التطهير العرقي الذي وقع على الفلسطينيين العام 1948.
لا نكره اليهود، لأنهم جزء من عقيدتنا الإسلامية والـمسيحية، ولكنهم لـم يستفيدوا من محنة الـمحرقة على أيدي النازيين، فمارسوا الـمحرقة التدريجية بحق شعبنا العربي الفلسطيني، ولا يزالون، ووسعوا دائرة جرائمهم لتنال من اللبنانيين والسوريين والأردنيين والـمصريين، وعلى كل من تصل اليه طائراتهم ودباباتهم، بالقتل والاغتيال .
مذبحة قافلة الحرية والسلام وصفها الرئيس الفلسطيني على أنها مدبرة ومخطط لها، ولهذا ستكون الشعرة التي تقصم ظهر البعير الإسلامي في مواجهة إسرائيل، إستراتيجياً، فقد سبق لإسرائيل وأن خسرت إيران، أقوى الدول الإسلامية حليفة لها، وها هي تخسر تركيا كدولة قوية تقف في طليعة الدول الإسلامية الـمتحضرة.
إسرائيل دولة قوية، تتصرف بغطرسة وتفوق، وتستطيع أن تفعل ما تشاء لأنها الأقوى على حلبة الصراع في مواجهة الشعب الفلسطيني الضعيف، ولكن غطرستها وتجاوزها للـمنطق وللقيم الدولية، يحملها بذور تلاشيها وانحسارها وهزيمتها كما حصل مع جنوب إفريقيا والـمانيا وقادة يوغسلافيا .
أين بريطانيا العظمى والـمانيا الفاشية وجنوب إفريقيا العنصرية والاتحاد السوفييتي العظيم، أين أصبحوا الآن رغم تفوقهم في ذلك الوقت، وهم أقوى وأكبر من إسرائيل، ألـم يهزموا بسبب معاركهم ضد الشعوب وآخرهم وأقواهم الاتحاد السوفييتي الذي دفع ثمن مغامرته الحمقاء في أفغانستان .
جريمة البحر ضد الـمتعاطفين مع الشعب الفلسطيني على أيدي جيش القتلة الإسرائيليين، استفزت الـمارد الإسلامي، وهو مارد ليس بفعل عمليات أسامة بن لادن الإرهابية، بل بفعل قوة تركيا الواقعية الوسطية، وبسبب عدالة قضية الشعب الفلسطيني، وبسب عمليات تهويد القدس وأسرلتها وصهينتها .
التبجح والتمرد والغطرسة الإسرائيلية غباء في الإدارة، وسوء الاختيار وسرعة في الانحدار نحو العزلة عن الـمجتمع الدولي، ورغبة في الانتحار السياسي، كما فعل قادة الـمستعمرين، ولذلك لن تمر جريمة اغتيال الـمتعاطفين في قافلة الحرية والسلام التركية، كما قال رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان .
نستطيع شتم وتكرار إدانة الاحتلال ما نشاء، فلا حسيب ولا رقيب على استعمال أقصى مفردات الاحتجاج على جريمة البحر الإسرائيلية بحق الأتراك والـمسلـمين قافلة الحرية، ولكن ماذا يفيد ذلك شعب فلسطين الـمحاصر بالاحتلال والانقلاب ؟
الاحتلال ليس بإرادتنا ولكن الانقلاب بأيدينا، فإذا لـم يكن متوفراً الآن التخلص من الاحتلال ويحتاج لـمزيد من الجهد والعمل والتضحيات، فالانقلاب بأيدينا ونستطيع تحويله إلى أداة قوة وفعل مؤثر لـمواجهة الاحتلال واختزال عوامل الزمن لزواله وتحقيق الحرية والاستقلال والانتصار، للشعب الفلسطيني، لـ "فتح" كما هو لـ "حماس"، وللديمقراطية كما هو لـ "الجهاد الإسلامي"، ولحزب الشعب كما هو لجبهة التحرير العربي .
أهل الضفة والقدس والقطاع مقبلون على إحدى أدوات وحدتهم وتقرير قيادتهم وانتخاب مؤسساتهم في تموز الـمقبل، ولذلك تستطيع "حماس" ان تتخذ قراراً سياسياً حكيماً وشجاعاً وتعلن موافقتها على إجراء الانتخابات البلدية، استجابة لـموقف اللجنة التنفيذية لـمنظمة التحرير وقرار الـمجلس الـمركزي الذي تنفذه حكومة الائتلاف الوطني في الضفة الفلسطينية يوم 17 تموز .
تستطيع حكومة "حماس" في غزة إعلان موافقتها على إجراء الانتخابات البلدية، كتعبير عن حسن نية حتى في ظل هيمنة "حماس" الانفرادية على قطاع غزة، ولكن الخطوة تمنح الفلسطينيين بارقة أمل في ظل الجريمة الإسرائيلية، وتشعرهم أن ثمة رداً حقيقياً وملـموساً يستهدف وحدة الطرف الضعيف لـمواجهة التفوق والغطرسة والـمجرمين الإسرائيليين !!
قرار اللجنة التنفيذية بإيفاد بعثة فلسطينية مركزية ثلاثية إلى غزة من أعضاء اللجنة التنفيذية ومن الأمناء العامين للفصائل ومن أعضاء اللجنة الـمركزية لحركة فتح، قرار حكيم ومهم وضربة على وجه اليمين الإسرائيلي، ولأعداء الوحدة الوطنية الفلسطينية، ولكل الـمستفيدين من التمزق والانقسام والانقلاب.
الوفد الفلسطيني الـمركزي الزائر إلى غزة يجب أن يحمل معه الأمل والرغبة في الوحدة والحوار والتآخي والـمصلحة العليا لشعب يتوق للوحدة كما يتوق للحرية والاستقلال.
وفد اللجنة التنفيذية وقادة الفصائل واللجنة الـمركزية لحركة فتح إلى غزة يجب أن يكون مقدمة لزيارة الرئيس أبو مازن للشطر الجنوبي من الوطن، لأنه رئيس الشعب الـمنتخب فهو لكل الفلسطينيين ورئيسهم بلا منازع .
هذا هو الرد على جريمة قافلة الحرية، ولا شك أن الشهداء الأتراك سينامون مرتاحين لأن أرواحهم وتضحياتهم فتحت الطريق لاستعادة الوحدة بين شطري الوطن الواحد، بين الضفة والقطاع، بين رام الله وغزة، بين "فتح" و"حماس"، في مواجهة العدو الواحد الذي لا عدو للشعب الفلسطيني غيره .

h.faraneh@yahoo.com
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

وماذا بعد الاعتراف بدولة فلسطين..؟

featured

صراعنا صراع وجودي وحَضاري

featured

سنة على العدوان المجرم

featured

في ذمة الله ايها القريب والخل الوفي

featured

ألثابت والمتحوّل ما بين الاممي، والقومي، والطائفي والذاتي

featured

الى متى تسيطر عليهم شهوة القتل؟

featured

"لاءات" نتنياهو الثلاث

featured

العروس الإسرائيلية