تتحدث الصحف والأخبار عن شيء تسميه صفقة القرن وهو شيء يتعلق بالقضية الفلسطينية عن إيجاد حل لها وبالأحرى أن نقول فرض حل لها ينهيها حل فُصل على مقاس دولة إسرائيل كما يريده نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية. إن هذا المشروع وبالرغم من عدم الإعلان عنه جليا بعد وبشكل واضح وماذا يتضمن، إلا أن تباشيره بدأت تطل وأول الغيث لم يكن قطرا بل كان وابلا من الظلم واكل الحق كان موضوع القدس والاعتراف بها على أنها عاصمة دولة إسرائيل، وهذا هو المطلب الأول لرئيس حكومتها أما بقية ما تتضمنه هذه الصفقة فهو ما كشفه نتنياهو هو بنفسه ما يريده هو ويقول فيه بان لا حق عودة، لا الى مناطق ألف باء وغيرها، إسرائيل تصادر وتقيم المستوطنات أينما تشاء ولا حدود تمنح للسلطة ميزة الاستقلالية. ومنطقة الأغوار هي حدود إسرائيل مع الأردن يعني أن فلسطين كلها لإسرائيل لا ضفة ولا غيره وأن يعيش الشعب الفلسطيني داخل حواكير أو قل مزارع.. فتكون حاكورة الخليل أو نابلس، لا دولة واحدة مشتركة ولا دولتين لشعبين إلى أن تدبر إسرائيل لهؤلاء الناس من الفلسطينيين الذين بقوا فيها بمن فيهم عرب الداخل مصيبة أخرى تتخلص بها منهم نهائيا، وتكون الدولة اليهودية البحتة وبدون غرباء أو ما يسمونهم "غوييم". إن هذا هو ما يفكر به وما يريده نتنياهو وان صفقة القرن فلا أراها تخرج عن ذلك ولعلنا هنا نستعرض متطلبات هذه الوليدة كيف وماذا حضر لها حتى تظهر وفي هذا الوقت.
أما وقد أيقنا بان صفقة القرن هي شيء ليس فقط يتعلق بالقضية الفلسطينية إنما هي من أساس القضية الكبيرة جدا أما السبب ولماذا هي كبيرة هو أنها قضية قامت ولا تزال ترزح تحت الضيم والظلم واكل حق الغير عنوة وبالقوة، لذا فهي من نوع المشكلات الصعبة الثقيلة تبقى فوق العامل الزمني الذي شئنا أم أبينا هو موجود وظيفته الطبيعية هي أن يعمل على تقادم الحدث وطمسه مهما كان ومع ذلك تبقى القضية الفلسطينية عسيرا هضمها وصعبا طمسها ونسيانها، وقد حاول نتنياهو بكل ما في وسعه تنفيذ كافة برامج الربيع العربي التي إنما وضعت خصيصا لهذا الغرض وما تضمنته هذه البرامج من أحداث جسام من خراب وتدمير والذبح والتهجير. لم يترك ولو إمكانية واحدة كانت تسمح لإشعال نار بين أي فريقين وفي أي مكان في المنطقة إلا وأشعلها، وكل ذلك لعله يطمس القضية و ينسي شعبنا الفلسطيني حقه وعبثا حاول وفشل هو والشلة من الأعوان من حوله وهم كثر، وكما يقال عندنا بالعامية مائه تحف ومائه تزف ومائه تباري هودجها، أي هودج نتنياهو خوفا عليه من السقوط .. انه لم يكن فشلا وحسب إنما فشل جاء وأزاح كل الركام الذي تكدس جراء أحداث ما أسموه بالربيع العربي فوق هذه القضية لطمسها وان تنسى والذي حصل وبدلا من أن تطمس ها هي القضية تعود لتكون هي العنوان، وهنا ثمة سؤال يسأل وهو انه ولنفرض أن صفقة القرن ووفق عليها ونفذت هل كانت إسرائيل لتقتنع وترضى بالذي وصلت وحصلت عليه؟ الجواب بالطبع لا إن إسرائيل تتطلع إلى أكثر من ذلك والى ابعد منه بكثير إنها تصبو لأن تكون هي الدولة الأولى والأقوى في المنطقة هي صاحبة النفوذ الأكبر، يعني هي التي تحكم المنطقة ومن هذا المنطلق هي عملت وتسببت للقضاء على بعض الدول وإزاحتها من طريقها، فقد بدأت بالعراق ومن بعدها يجيء دور إيران فها هي صبح مساء تحرض عليها، تتمنى لو لم يحصل اتفاق ما بين إيران والدول الخمس زائد واحد بخصوص النووي وحتى اليوم تحاول عرقلته وهي تبحث عن مقاول ينفذ لها ضرب إيران وليس بعيدا إن تتبرع السعودية بذلك، فالسعودية ودول الخليج هم تحالف واحد مع إسرائيل الخادم الأمين ومن يدري فلعل صلة قربى تربطهم. ولعلمك القارئ الكريم إني قرأت مقالا بعنوان "الأصل اليهودي لآل سعود".
أما سوريا فدُمرت ومصر حضروا لها جماعات لتخريبها وتركيا دولة صديقة وبذلك تكون إسرائيل هي الدولة الوحيدة المهيمنة في المنطقة ويتسنى لها إكمال مشروعها الذي هو بناء إسرائيل الكبرى حلمها الأكبر. الذي إقامته لها علاقة أساسية ومرتبط ارتباطا وثيقا بالقضية الفلسطينية والتي هي من صلب هذا المشروع الحلم وذلك كونها اللبنة الأولى فيه وعدم تسويتها تكون حجر العثرة في الطريق والمضي في إتمامه وكيف لهذا المشروع أن يتم وما دام هم أصحابه لم ينتهوا بعد من تثبيت ملكية الجزء منه، ولذا فإننا نلحظ مدى الاهتمام الكبير لإسرائيل وانشغالها في إيجاد "حل" والتخلص من هذه القضية وجعلها نسيا منسيا والتفرغ لخطوات أخرى حلا يكون بشروطها هي وكما تريده هي، أنها لا تريد إعطاء دولة للشعب الفلسطيني تفاوضهم فقط تمريرا للوقت وعلى مسمع ومرأى من الرأي العالمي ويقول الناس أن إسرائيل تريد السلام فقط على عينك يا تاجر، على أمل أن يطول المشوار وتطمس القضية وينساها أهلها.
أما بالنسبة لإطالة المشوار فتكون كما قلنا إطالته مقصودة تفاوض متى تريد وتعطل المفاوضات متى تريد والحجة عهدناها وهي مقولة لا يوجد شريك لدى الطرف الآخر يفاوضونه والمقصود مفاوض كما يريدونه هم على هواهم وتعطل المفاوضات، ولا يكون مجرد وقت فراغ يمر هكذا إنما يكون مليئا بالأحداث التي حضرت سلفا وإحداث الربيع العربي خير مثال على ذلك وأثناء ذلك تقوم هي بمد اليد لسرقة أراض أخرى قطعة هنا وأخرى هناك وإقامة استيطان جديد وهكذا دواليك.
وفي خضم هذا المعترك من الأحداث والناس في توهان، يدفعون بصفقة العمر وتولد وكأنها حدث من هذه الأحداث أما مخططات التحضير لهذه الصفقة فكانت على عدة مسارات تم تنفيذها متلاحقة والمطلوب منها هو إرباك الناس وجعلهم يعيشون طيلة الوقت ضمن دائرة الخوف وعدم الوعي أما ماذا كانت وكيف تم تنفيذ ذلك فيمكن إجماله بالخطوات الآتية:
في البداية افتتح المشهد وقامت الدنيا ولم تقعد أشعلت الحرائق في شتى بقاع دول منطقة الشرق الأوسط بان أدخلت داعش وتحت ستار المسمى والشعارات الدينية عاثوا في البلاد بطشا وإرهابا، وكل هذا تم بمعرفة وتخطيط مسبق من قبل إسرائيل وأمريكا على يد جماعاتهم هذه ولقد كشفت وسائل الأعلام بصورة لا تقبل الشك عن مضمون هذه التحضيرات وأكدت على وجود هذا التحضير المسبق الهادف والذي من بين ما يهدف إليه هو التخويف كما سبق واسلفنا ودب الرعب في قلوب الناس، وإلا فماذا كان الغرض من عرض صور لداعش تقود اسرى للنظام مثلا مكبلين بالسلاسل وقد اعدوا لهم اللباس الخاص الذي شاهدناه عند إعدامهم وكما اللباس كذلك حضور محطات إعلامية لإخراج تلك المشاهد ولماذا تم نشرها؟ أليس لغرض من وراء ذلك؟ بلى إن كل هذا إنما يوحي إلى هدفين أولا وجود تحضير خطط له سلفا وثانيهما نشر الخوف والرعب في قلوب الناس وإدخالهم حالة الاستسلام.
لم يكن باب التخويف هو الوحيد الذي اتبع على يد إسرائيل وأمريكا لكن ترافق مع المخطط لتفتيت البلاد وجعلها دويلات مدى تحركها وتمددها لا يتجاوز حضن تلك الدولتين دائما تحت السيطرة، أو قل مشيخات متشاحنة على خلاف مع بعضها أو يسهل جعلها تختلف و متى يريدون لتكون كل الوقت منشغلة ومنصرفة إلى حل مشاكلها التي ليس أسهل منها أن تولع في كل لحظة، وحتى مع جماعات المعارضة التي هم أوجدوها ضد نظام الأسد اتبعوا نفس أسلوب التفتيت لم يريدوهم فريق واحد بل فرقاء معارضة، لهم خلافات في الرأي والرؤيا بمسميات مختلفة حتى إلى الحد أنهم يتقاتلون فيما بينهم أحيانا وكل هذا شاهدناه وليس أسهل من أن تكون لك جماعة وتطلق عليها الاسم الذي تريد وهي كثيرة وببلاش، كالنصرة مثلا أو جند الشام أو أجناد بيت المقدس وغيرها وغيرها أسماء يصعب حصرها. إن كل ما ذكرناه من تحضير وخلق بلبلة هي التي تسمى بالفوضى الخلاقة التي هي بيت القصيد الذي حضرت وتريد أن تصل إسرائيل وأمريكا إليه والذي وما أن تخرج شعوب المنطقة منه يكونون وكأنهم في دوخان غير واعين ولا ينتبهون لما يمرر من مشاريع تكون لمصلحة البطلين إسرائيل وأمريكا.
وفي خضم مثل هذه الظروف ما الذي يعني هذه الشعوب أكثر معالجة مشاكلهم الخاصة أم القضية الفلسطينية قضية غيرهم حتى ولو كانوا إخوة، والجواب بالطبع سيكون قضيتي أولا ثم بعد ذلك التفت الى الآخر ولكن هل يتسنى لي ذلك ما دام مفتاح الإرهاب في جيوب هاتين الدولتين؟ لا أظن.
وما أن أدركت أمريكا وإسرائيل بان نجم الإرهاب وقد بدا يخبو والمفتاح يسحب من جيبهم فها نحن اليوم نرى كيف أن أمريكا تكاد تأكل نفسها عندما أحست بفشل مشروع دواعشها وأنها على شفا الخروج من المنطقة وترك الميدان لروسيا، وهي تحاول مستميتة لكي تبقي لها موضعا في سوريا وحتى أنها تساعد سرا وتدعم تلك الجماعات الإرهابية وتمدهم بكل ما يحتاجونه، وكيف لا وهي التي أوجدتهم منذ البداية لكي يبقوا ويا حبذا لو يسيطرون ويتم برنامج تقسيم المنطقة من جديد حسب البرنامج الذي وجدوا من اجله وكم مرة حتى قامت القوات الأمريكية وقصفت الجيش السوري وادعت بان ذاك إنما حصل بالخطأ؟ إنها تتذرع بشتى الحجج مرة تدعي مشفقة على الشعب الكردي تناصره ليس حبا لأن ينال دولة إنما فقط ليبقى لها بحجتهم ولو موطئ قدم في المنطقة تكون ذريعة لبقائهم فيها وعندما أيقنت فشل كل ذلك فها هي تلوح بالتهديد إلى اللجوء إلى حجة السلاح الكيماوي كسبب لاحتلال سوريا، وكأنهم يستعيدون حجتهم لاحتلال العراق سنة 2003 بادعائهم آنذاك زورا وبهتانا بان العراق كان يمتلك أسلحة محرمة دوليا وقاموا بمحاربته واحتلاله والواقع انه لم يكن هذا هو السبب بل كان وكما رأيته أنا أوامر إسرائيلية صدرت إلى البيت الأبيض للقيام بذلك للتخلص من العراق التي كانت دولة قوية وغنية فقد صمدت في وجه إيران في الحرب ثماني سنوات خرج منها أكثر قوة وحيث أن إسرائيل خطتها تسعى لأن تكون هي الدولة الوحيدة المسيطرة في المنطقة ولن تسمح لدولة أخرى أن تنافسها أو تقاسمها ذلك، لذا صدرت الأوامر وتم احتلال العراق وتدميره وهذا ما كان. ولا زالت بقايا القوات الأمريكية متواجدة فيه إلى هذا اليوم أما إسرائيل فهي تتعاون مع المعارضة ونراها وكلما أحست بان النار تخبو تذهب وتقصف أهدافا سورية فهي أيضا وكما أمريكا هدفها أن تبقى مشتعلة.
وهنا وعلى ضوء كل ما تقدم وبعد فشل كل مخططاتهم عندي ما أهمسه في أذن نتنياهو ولعله يعتبر وأقول له عالج الأمور بجدية واترك أسلوب الغطرسة والاستعلاء والغرور فانك إنما تغرر بشعبك أيضا اذهب، واتفق مع الشعب الفلسطيني ولا احد غيره أعطه حقه ولا يغرنك انك أقوى جيشا والأحدث سلاحا نعم ولكن هذا لن يدوم طويلا والى الأبد انه قانون الحياة وهل خطر ببالك مرة انه سيأتي يوم تعمل فيه حسابا لحزب صغير وليس دولة كحزب الله وها هو يحصل. وفي نظري وإذا ما فاض عليك البحر من البشر واقتل ما استطعت فلا سلاح ينفع أو أن تستند إلى حاكم عربي ليس فيه خير لأهله وشعبه فتكون كمن يستند إلى حائط مائل آيل للسقوط خشب مسندة وماذا ترجو من خونة، إن كل ما اعد من برامج وضعت لتعود بالتالي إلى التخلص من القضية الفلسطينية نفذ وفشل ولم يأت بحل، فماذا بعد؟
(كفركنا)
