أشكركم أهلي أهالي الطيرة، على تكريمي بتكريم رفيقي وصديقي وأخي نسيم أبو خيط. أبدأ بشكركم لأنكم أنتم أهالي الطيرة جميعا تستحقون التقدير والثّناء والمحبة، على الرّوح الوطنية وعلى التّعاون وعلى احترام كل من وطئت قدماه طيرتكم طيرتنا الطيرة الصّعبية، وأشكركم شخصّيا لأنكم كرّمتموني بتكريم أبنائكم إخوتي ومعلمي وأصدقائي، الأستاذ طيب الذكر درويش خطيب بوصوله لجيل الثمانين في مبنى بلدية الطيرة، والأستاذ طيب الذكر محمد سمارة قبل وفاته في المركز الثّقافي البلدي، وها أنتم تكرّمونني بالاحتفاء بأبي واثق، فما أسعدني يا أهلي بينكم.
واسمحوا لي الآن أن أخاطب المحتفى بهِ أمامكم، مع بعض الذِّكريات الطّيّبة والتي ربّما لن أنساها ما حييت:
اوّلا: سمعة نسيم الطيبة في بلده الطيرة والتي كنت أستمدها من بعض طلاب صفي أطال الله في أعمارهم وبعضهم موجود في هذه القاعة، عن المعلم الذي فصل من عمله نتيجة آرائه السّياسية وانضمامهِ لحزب الطبقة العاملة، الحزب الشيوعي، في أيّام الحكم العسكري الظّالم، ووقفته البطولية في وجه الإرهاب والذي قال مع طيب الذكر محمد عبد الكريم منصور، والمعلم الذي فصل مع المجموعة فتحي شبيطة، الذي أصبح محاميا مدافعا عن المعتقلين وعن قضايا شعبه، أطال الله عمره وغيره "يا وظيفة اعزبي ويا جراية ارحلي" فإننا لقيمنا حافظون، وضد سياسة الاضطهاد القومي مجنّدون.
ثانّيا: بعد عام 1973م، عندما انضممت رسميا لركبكم، فكنت الرفيق الهادئ، الذي يقول كلمته ويمشي، لا يعادي، وخلال ذلك عرفتك كجامع نقود بيع الجريدة الأسبوعي في منطقة المثلث الكبرى، وأذكر كلماتك وأنت تقول: يا مفيد أنت تعطيني ثمن الجريدة كما تأخذه من الناس تماما. أي حتى لا تبدل النقود، وكُنّا نتحدث عن أهمية خلق ثقافة الأمانة والمحافظة على المال العام ومال الحزب لأننا نؤسس لقيادة دولة ومجتمع بكاملهِ ولا يستطيع الصمود في قيادة أي شعب من يخون أمانته.
أمّا حديثك عن صحن الحُمُّص الذي كنتَ تتناوله مع عمال البناء في وادي النسناس عندما تخرجُ من بيتك مع زقزقة العصافير الطيراوية الجميلة لتصلِ إلى مكتبك في جريدة الاتحاد حتّى قبل وقت الدّوام الرسمي، كنت تصفه – أي صحن الحمُّص الحيفاوي - بأنّهُ شهِيٌّ، ولكنّه "كصبةِ الباطون" يغني عن تناول الطّعام حتى آخر اليوم. وتبقى على هذه الوجبة الصباحية في معظم الأيام حتى تعود إلى البيتِ وتتناول الطّعام الأشهى المُعَدُّ على يدي شريكة حياتك أم واثق. وما زلت أستعمل كلماتك عندما أتناول الحمص مع أحدهم فأقولُ له قولتك: "تعال يا أخي نأكل صبة باطون" فأحدثه قصتك مع الحمُّص الحيفاوي.
ثالثا: أذكر زاويتك الأسبوعية "صورة قلمية "التي كنت تنشرها في الاتّحاد وكتبت فيها عن لقاء أبناء العمومة في إحدى الدّول الأوروبّية الشرقية الاشتراكية في حينِهِ، أولهم عصام أبو عيطة، ابن رفيقنا طيب الذكر عبد الحميد أبو عيطة، من الطيبة والثّاني ابن عمه الذي هُجِّر وكان في تلك الفترة يعيش في العراق، الأول في الحزب الشيوعي في إسرائيل، والثاني في حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق، وصفت في حينه اللقاء ببراعة الصحفي وكاتب المقالة المبدع فأبكيتني أنا الشّاب ونقلتُ لك مشاعري وتقديري لنقل الصورة الحقيقية لمأساة شعبنا وللأسلوب الذي تناولت فيه الحدث، فيا لك من كاتب مقالة مرهف الحس.
رُبّما تكون هذه دعوة بالمناسبة لأكاديميينا الذين بحثوا القصة والشعر والرواية في أدبنا المحلي، أن آنَ لهم أن يبحثوا "أدب المقالة" على أنواعه المختلفة، من المقالة الأدبية إلى المقالة الاجتماعيّة والسِّياسِيّة وغيرها من أنواع أدب المقالة، ولدينا كتّاب مقالة وكتّاب أعمدة يشار اليهم بالبنان في جميع بلداتنا العربية، وغيرك من هذا البلد الطيّب أيضا.
رابعا: بعد انهيار النّظام الاشتراكي، والذي كان كما وصفه طيب الذّكر القائد والشّاعر توفيق زّيّاد بمثابة هزة أرضية صَدّعت العديد من الأعمدة، ولكنّها لم تستطع أن تهز قناعاتنا بصدق قضية شعبنا العادلة ولا بصدق نضالنا العادل من أجل جماهير شعبنا العربي الفلسطيني الرابضِ على أرضه، التقينا وأذكر أننا نظرنا مليّا بوجوه بعضنا البعض، ولسانُ حالنا يقول : قد نغيِّرُ في أسلوب الكتابة ولكن الجوهر يبقى دائما، وهو الأبقى. وكنتُ أسعدُ جدا عندما التقيكَ مع صديق عمركَ طيّب الذكر غازي شبيطة، فأستمد منكما القوة، وربّما أنتما كذلك.
خامسا: اعطيت لي هذه الكلمة كي أتحدث باسم مجلّتنا الثقافية الإصلاح، التي حاول أن يرميها بعض الجَهلَة، بتُهمٍ باطلِة، وعندما اطلعتَ عليها، وكنتَ تعرفُ بعضا من تاريخها منذ عام 1971م، أشهرتَ قلمك وكتبتَ بعضَ المقالاتِ وندعوكَ من هذا الحفلِ أن تتابعَ الكتابة، وسجّلت اشتراكك السّنوي، مساندا ومعاونا على طريق الخيرِ والصّواب والتّطوع لشعبنا وثقافته التّقدمية بالأصل. ولئلا أطيل والحديث معك وعنك ذو شجون، أتمنى لك طول العمر ووافر الصحة والسّعادة مع أمَّ واثِقٍ، شريكة حياتك الأصيلة، ومع أبنائكَ ومع أهلي أهالي الطيرة، التي كان كتابك الأخير عنها، نوعا من التّقدير لبلدنا (بلدك وبلدي الطيرة)، الذي يستحق دوما أكثر من ذلك.
(كلمة الكاتب في حفل تكريم نسيم أبو خيط "أبو واثق")
