تعثر المفاوضات المباشرة

single

لا يكفي قول الرئيس محمود عباس "إن الشعب الفلسطيني لم يخسر شيئاً عبر الاستجابة للدعوة الأميركية والمشاركة في المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين في واشنطن" فهذا الوصف غير كاف، بل يجب إضافة فقرة أخرى تقول "إن الشعب الفلسطيني لم يخسر شيئاً بل أضاف لرصيده كسباً جديداً عبر تعرية الموقف الأسرائيلي الذي تمارسه حكومة نتنياهو المتطرفة المتمسكة بمواصلة الاحتلال الاستعماري والاستيطان التوسعي ورفض الانصياع لقرارات الأمم المتحدة وللمبادرات الدولية سواء كانت عربية أو أوروبية أو حتى أميركية".
واقعية الموقف الفلسطيني وصلابة تمسكه بحقوقه، ومرونته في التعامل مع كافة المبادرات والمواقف والاجتماعات المعنية بمعالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، أكسب الفلسطينيين المزيد من التعاطف والتأييد والتفهم، بينما التعنت الإسرائيلي وتطرفه أحرج أصدقاءه وعراه أمام المجتمع الدولي، وجعله منفرداً بلا مؤيد أو متعاطف او مساند، فالإدارة الأميركية على الرغم من انحيازها الدائم المتواصل للسياسة العدوانية الإسرائيلية وتوفر الغطاء لها وحمايته من أية عقوبات دولية جدية قد يتعرض لها، ومع ذلك لم تستطع واشنطن إخفاء خيبة أملها من مواقف وإجراءات حكومة نتنياهو وسياساته العدوانية المتعارضة مع المصالح الأميركية.
الفلسطينيون لا يملكون القوة أو القدرة لتوجيه ضربة قوية للاحتلال تؤدي إلى هزيمته ورحيله، وعليهم مواصلة الطريق التراكمي وكسب المزيد من الدعم والإسناد من المجتمع الدولي وخاصة في أوروبا وأميركا، واختراق المجتمع الإسرائيلي لكسب أصدقاء من بين صفوفه لعدالة المطالب الفلسطينية والحقوق الثلاثة المساواة والاستقلال والعودة، ولذلك تجسد المشاركة الفلسطينية في كل اجتماع أو مسعى أو مبادرة أو لقاء يتناول أو يعالج أو يبحث الموضوع الفلسطيني، تجسد الحضور الفلسطيني بكل أبعاده السياسية والقانونية والإنسانية، على الطريق الطويل، طريق استعادة حقوق الشعب العادلة المجسدة بقرارات الأمم المتحدة قرار التقسيم 181 وقرار العودة 194 وقرار الانسحاب وعدم الضم 242 وقرار الدولتين 1397 وقرار خارطة الطريق 1515.
صحيح أن الاستجابة الفلسطينية للدعوة الأميركية والمشاركة في المفاوضات المباشرة في واشنطن أوائل أيلول الماضي، تحمل مسؤوليتها الفريق القيادي الذي يقوده الرئيس محمود عباس، وأن قرار المشاركة بالمفاوضات المباشرة لم تحظ بموافقة المؤسسة الفلسطينية، وأن الجبهة الشعبية علقت عضويتها في اللجنة التنفيذية، ولكن هذا لم يشكل خللاً على المسار الوطني والائتلاف السياسي والمؤسسي الذي يقود منظمة التحرير، ولم يتحول إلى خطر عصف بوحدة المؤسسة، لسببين أولهما لأن نتائج واشنطن لم تفرض استحقاقاً مؤذياً للشعب الفلسطيني وعلى منظمة التحرير وسلطتها الوطنية وثانيهما لأن لقاء دمشق الفتحاوي الحمساوي، بين مشعل والأحمد أضاف حالة إسناد إيجابية وأشاع جواً من الطمأنينة، فأضعف قرار الجبهة الشعبية وقلل من أهميته، وفي الحالتين والسببين نسفا الرهان على مراكمة الخطوات الانقسامية وأزالا الكثير من الإحساس بالقلق وفتح الباب مجدداً لتعزيز الثقة بالنفس وبالمؤسسة وبالسياسة الواقعية الحكيمة التي يقودها الرئيس أبو مازن وفريقه وحمايتها واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني.
مرت جولة أو جولتان وقد تمر جولات من المفاوضات المباشرة أولهما لأن المفاوض الفلسطيني يتمسك أولاً بوقف الاستيطان وتحديد جدول الأعمال ليقوم على مسألتي الحدود والأمن، وثانيهما لأن المفاوض الإسرائيلي متمسك بالاحتلال ومواصلة الاستيطان، وكلاهما لم يتزحزح عن مواقفه المسبقة، الفلسطيني كما هو الإسرائيلي، إذاً أين هي المشكلة لأولئك الذين يحتجون على مواصلة المفاوضات ؟؟ المشكلة تكمن في مواصلة الاستيطان تحت ظل المفاوضات، فهل حقاً المفاوضات هي الغطاء للاستيطان ؟؟ إذا كانت كذلك يجب وقف المفاوضات فوراً ودائماً وبشكل مطلق لأن المفاوضات في هذه الحالة ستكون مدمرة ومخربة للمصالح الفلسطينية، ولكن هل سيتوقف الاستيطان بتوقف المفاوضات ؟؟ أم أن الاستيطان تواصل مع المفاوضات وفي غيابها سواء في ظل الانتفاضة الشعبية وتوقفها، وازداد الاستيطان على وقع العمليات الاستشهادية وبسببها.
الاستيطان استمر وتواصل مع مشروع الاحتلال وبسببه وامتداداً له، سواء في ظل الانتفاضة الشعبية أو العمليات المسلحة او في ظل المفاوضات، ولن يوقف الاستيطان إلا وقف الاحتلال وإزالته، نهائياً، فالاستيطان هو شكل الاحتلال وتعبيره العملي.
قد تتوقف المفاوضات، استجابة لموقف المفاوض الفلسطيني، وقد تفشل بسبب تصلب وتعنت طرفي التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي، لأن كلاً منهما متمسك بمواقفه، الفلسطيني بحقوقه الوطنية المشروعة، والإسرائيلي بأطماعه التوسعية الاستعمارية، ويبقى السجال والصراع واستدامة الصدام حتى تستجد ظروف تفرض عليهما الجلوس مرة أخرى على طاولة المفاوضات.
المفاوضات مثلها مثل العمليات المسلحة والانتفاضة الشعبية، أدوات أو وسائل لتحقيق غايات وأهداف سياسية، وإذا نظرنا إليها بهذه الرؤية تسقط الحساسية والتناقض والتعارض بين ما هو مع المفاوضات ومن هو ضدها.

h.faraneh@yahoo.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

شعب يعتصر الالم..!

featured

بين سلطة الجامع وسلطة الكنيسة

featured

يستبدّون وينظـّرون ضد الاستبداد!

featured

خلف قصص عواطف نتنياهو

featured

مَنْ يذبح مَنْ؟

featured

الأتراك الأبرياء وسياسات "السلطان"!

featured

عمل المستحيل في نضاله