شعب يعتصر الالم..!

single
لا تزال احداث فلسطين تستأثر باهتمام كبير، محليا وعربيا وعالميا، بعد ان هب شعبها عاريًا، منتصب القامة، ماردًا عملاقا، في وجه المحتل الجلاد، رافضًا الخضوع والخنوع ليقلب حسابات المخمورين المغامرين، بعد ان ظنوها لحظة فرض الامر الواقع. لكن حساباتهم شيء، وحسابات هذا الشعب الحي شيء آخر. فاليمين المتطرف المهووس، الذي يتحكم في اسرائيل برئاسة نتنياهو هو المسبب لما يجري حاليا من فورة وغليان في الشارع الفلسطيني، وتلك الهستيريا المنفلتة في الشارع اليهودي. وحكومة نتنياهو هي المسؤولة عما يجري الآن، وهي التي تتحمل نزيف الدم الجاري من كلا الطرفين، وتلك المعاناة الشديدة ، والخوف الذي اصبح سيد الموقف في الشوارع والساحات.
إن من جر الامور واوصلها الى هذا الحد هو نتنياهو وحكومته، ووزراؤه، ونوابه، وجوقة يمينه المتطرف، والمتعب والمتخلف. وليس بامكان هذا الدعيّ، ولا من حقه، ان يشير باصابع الاتهام الى "الارهاب الفلسطيني"، ولا حتى الى الشباب والصبايا الذين جرّهم وحوّلهم الى حملة سكاكين. فالفلسطيني، وخاصة هذا الجيل الشاب والواعد، يتطلع الى غد افضل، ويحلم بالحياة الحرة الكريمة مثل غيره من شباب العالم. هذا الشاب الفلسطيني، او تلك الصبية الفلسطينية، لم يفكر ابدا ولم يحلم بان يكون السكين سلاحه. كما انه لا يحمل العداء والكراهية لأحد. ولم يتصور هذا الجيل من الشباب حتى في كوابيسه ان يتخذ العنف سبيلا له، او التعرض للآخرين على غير وجه حق. لكني اتهم وبأعلى صوت هذا الذي يقود اسرائيل اليوم، انه هو الذي زرع الكراهية، ونفث السموم، واشعل الحرائق، وفتح باب العنف على مصراعيه. وهذا الذي فعله هو ارهاب دموي بامتياز، يحصد ارزاح الابرياء من كلا الطرفين. وعلى المجتمع الاسرائيلي ان يعي هذه الحقيقة ويدركها قبل فوات الاوان، لان الرجل الممسك بزمام امورهم يقودهم الى الهاوية، ويجرهم الى المجهول، ويلقي بهم في مهاوي الردى.
 هذا الرجل هو الذي اغلق ابواب اي حل سلمي مع الفلسطينيين، وتنكر لكل المواثيق والاعراف، وانهى كل الاتفاقات التي كان بالامكان تطويرها الى حل سياسي معقول ومقبول، وهذ الرجل وسياسته من يتحمل حالة الاحتقان، والغليان الحالية لانه من دفع في هذا الاتجاه، ولا يريد ان يتراجع وان فعل شيئا من هذا ظاهريا فمن اجل امتصاص الضغوط وعلى سبيل المناورة. فاذا كان اليوم يطلب من وزارئه ونوابه ان يقتحموا المسجد الاقصى لعله يوفق في احداث تهدئة، فلماذا لم يمنع وزراءه ونوابه ومستوطنيه في السابق من المضي قدما في تحدي الفلسطينيين والعرب والمسلمين واستفزازهم في ادق مقدساته؟ ولو كان صادقا فيما يقول اليوم لما اوصل الامور الى هذا الحد، وهو المحرض على الاقتحامات المتكررة، وهو المستفز الاول، حين استصدر القوانين والقرارات الحكومية ذات الطابع الفاشي باطلاق النار بهدف القتل على الشبهات. انها اعدامات ميدانية ارادها للفلسطينيين، وهي محمية من القانون، اذ يكفي ان يدعي مطلق النار انه قتل من كان يقذف الحجارة، عندما يصبح كل فلسطيني يتحرك هدفا لآلة القتل واعدامه بشبهة القاء الحجارة. ونحن نعلم ان نتنياهو، وحسب خياله المريض، اصبح يعتقد ان الوقت مناسب له لفرض حلوله الاستسلامية على الطرف الفلسطيني، بعد ان سدّ كل الآفاق في وجهه. لكنه نسي ان هذا الشعب الحي، وهو يعتصر الالم، قادر على ان يستنبط دائما وسائل المقاومة المناسبة في كل مرحلة، وان يربك المخططات، ويقلب المعادلات. فهذه سُنّة الحياة، وطبيعة الاشياء، فالانقسام الفلسطيني بلا شك يضعف القضية، ويضعف الفعل المقاوم، لكن هذه الحالة الشاذة ليست نهاية المطاف، حتى وان تكالب على هذا الشعب الكثيرون بهدف الانقضاض عليه وطمس احلامه.
 وجميع هؤلاء لا يدركون الطبيعة النضالية لهذا الشعب، فهو القادر دائما على الخروج من بين الرماد كطائر الفينيق ليقول بزخمه الثوري الاسطوري: "اني موجود وبدوني لا حلول ولا سلام، ولا امن، ولا استقرار". وهذا هو المهم، ونحن نحرص على هذه الوثبة التي يسجل وقائعها اليوم شعب فلسطين. وانا لا اريد ان اقول إننا امام انتفاضة ثالثة، كما يقول البعض، فالانتفاضة الاولى عام 1987، وان كانت شعبية، الا انها كانت بقيادة الشهيد ابو جهاد. والانتفاضة الثانية عام 2000 كانت بقيادة القائد الخالد ياسر عرفات، ولا اظن اليوم ان هناك قيادة تقف وراء الانتفاضة الثالثة، نتيجة للوضع المأزوم. لكنني اعلم ان جنرالات الوثبة الحالية هم جيل الشباب الفلسطيني، الذي ضاق ذرعا بهذه الاوضاع، وعند كل الاطراف. وهو الذي يتحضر للامساك بزمام اموره. وخصوصية هذا الوضع قد تفرض عليه ان يستنبط وسائل نضالية من اجل ازاحة كابوس الاحتلال عن كاهله. وحتى يكون ذلك فإنني مؤمن ان هذا الجيل من شباب فلسطين لن يفرط بحقه، ولن يستسلم باي حال من الاحوال، وسيظل يحمل الراية حتى يسلمها الى الاجيال القادمة، مرفوعة، منتصبة ومنتصرة. فلا تراهنوا على نسيان هذا الجيل او تخاذله، او تفريطه، فهو وحده صاحب المستقبل، وصاحب الزمن. فارهاصات التغيير ورسم معالم جديدة في المنطقة تلوح في الافق، والايام القادمة تحمل في طياتها مزيدًا من المفاجآت السارة اعتمادًا على ما يحصل الآن في اكثر من جهة. فلست كغيري غارقا في غيبيات افسدت العقول والغتها، وتناثرت في الافق ضجيجا كما لو انها انطلقت من طبل اجوف، تبيع وتشتري الاوهام، وتتاجر بأشياء لا لون ولا طعم ولا رائحة لها، سوى انها اضغاث احلام. اليست هذه غيبيات في زمن الارادة والتحدي والابداع..؟! "قل جاء الحق وزهق الباطل، ان الباطل كان زهوقا".
ومعذرة اذا خرجت وتشعبت قليلا عن السياق، فقد اختلطت كل الاوراق، وتجري الآن عملية فرز حقيقي، كان لا بد منها حتى تستقيم الامور..!
قد يهمّكم أيضا..
featured

الشعوب لا تفنى

featured

محلّة العمّال

featured

لانتشال سوريا من السيناريو الليبي

featured

لكبح الثور الأمريكي الهائج!

featured

لحظات تاريخية طال انتظارها

featured

سعد الدين الشاذلي، بطل العبور

featured

عبقرية مصر - في خمسة أيام

featured

تجربة صحافي محترف مع "الجزيرة"