لا شك في ان الحزب كان دائما يقود المعركة من اجل السلام العادل والدائم في هذه المنطقة، ومن اجل منع اراقة الدماء وضد سياسة حكام اسرائيل العدوانية. ان المؤتمر السابع عشر ككل المؤتمرات الاخرى للحزب كان نقطة انطلاق جديدة من اجل تعميق نضاله السياسي والفكري والاجتماعي وهذا تمثل في زيادة التعاون مع قوى اخرى ضد سياسة حكام اسرائيل العدوانية وكذلك في زيادة صلته مع الطبقة العاملة وجماهير الشعب وقيادة نضالهم ضد سياسة الحكومة المعادية للجماهير الشعبية في هذه البلاد ومن اجل توحيد كل القوى في معركة مشتركة من اجل السلام العادل والدائم في هذه المنطقة والعالم اجمع. ومما لا شك فيه ان لهذا العمل كانت له نتائج ايجابية في تلك المرحلة.
ان سنة 1973 كانت من السنوات المشهودة في تاريخ قوى السلام والتقدم والاشتراكية في العالم كله حيث اعلن في الشهر الاول من هذه السنة عن انهيار العدوان الامريكي وتحقيق السلام للشعب الفيتنامي البطل وبهذا عمليا حقق انتصارا تاريخيا على الاستعمار الامريكي. وبقوته وبقوة مقاومته وجيشه وشعبه استطاع هذا الشعب البطل تحقيق مثل هذا الانتصار التاريخي وبدعم كامل من كل قوى السلام والحرية في العالم. ومما لا شك فيه انني اتذكر عندما كنا نخرج ليلا ونهتف بأعلى اصواتنا بشعارات التضامن والتأييد للشعب الفيتنامي البطل وضد العدوان الامريكي على هذا الشعب. ولذلك لم يكن صدفه ان تخرج الاتحاد بتاريخ 26/1/1973. بافتتاحها تحت عنوان: "ايها الاشقاء الفيتناميون: اننا نعيد معكم كما ستعبدون معنا" وقالت "ما احلى ان يعيش الانسان حتى يرى احلى امانيه التي طبعت حياته ونضاله جيلا كاملا، تحقق في حياته". في الوقاع ان الشعب الفيتنامي البطل وقيادته الشيوعية قد فرضت على الاستعمار الامريكي اتفاقية سلام كما يريدها الشعب الفيتنامي، وفرضت على الاستعمار الامريكي سحب جميع قواته العسكرية من الاراضي الفيتنامية كلها الامر الذي ادى في النهاية الى اعادة توحيد الاراضي الفيتنامية، واصبحت "سايغون" عاصمة فيتنام الجنوبية التي كانت قيادتها عميلة للاستعمار الامريكي هذه المدينة اصبح اسمها "هونشي مين" نسبة الى الزعيم الفيتنامي الخالد هونشي مين. واصبحت كل فيتنام دولة واحدة وعاصمتها "هانوي" وفي الواقع ان هذا الانتصار كان قد اعطى دفعة وقوة جديدة لكل الشعوب التي تكافح من اجل حريتها واستغلالها وحتى في اتفاقية السلام هذه التي فرضتها فيتنام كان هناك بندا يختص في كمبوديا ولاوس والذي جاء فيه عدم المساس بأراضي هذين البلدين وعلى الدول الاجنبية ان تضع حدا لأي نشاط ذي طابع حربي في كمبوديا ولاوس وان تسحب تماما هذين البلدين قواتها ومستشاريها العسكريين والعاملين العسكريين وان تسحب الاسلحة والمعدات الحربية من هناك.
ان القيادة الفيتنامية في مثل هذا الانتصار لم تنسى جيرانها وفي مثل هذه الاتفاقية للسلام كانت من الناحية العملية قد فرضت موقفها الثوري والمبدئي، لا شك ان اتفاق السلام هذا الذي فرض بقوة المقاومة البطولية للشعب الفيتنامي على اكبر استعمار في العالم. قد ادى الى زعزعة ثقة جميع المعتدين في اعتمادهم على الاستعمار الامريكي وبشكل خاص حكام اسرائيل الذين كانت تربطهم علاقات مع الدمى الامريكية في سايغون اصبحوا يحسبون الف حساب لهذا التطور الهام الذي جرى هناك في فيتنام لصالح الشعوب المناضلة ضد الاستعمار ورأت ان هذا المصير هو في الواقع الذي ينتظر في النهاية عدوانهم على الشعوب العربية.
لا شك ان كل قوى السلام والحرية في العالم كانت فرحة لهذا الانتصار الذي حققه الشعب الفيتنامي البطل ونحن الشيوعيين واصدقائنا والاكثرية المطلقة من الجماهير العربية في اسرائيل كنا ايضا فرحين ومسرورين جدا بهذا الانتصار ورأينا به في ذلك الوقت انتصارا للاشتراكية على الامبريالية وانتصار لقوى السلام والتقدم والخير على قوى الحرب والعدوان وعلى كل قوى الشر في العالم كله. وشحذنا بعزيمة جديدة من اجل الاستمرار في معركتنا العادلة ضد عدوانية حكام اسرائيل واسيادهم الامريكيين وفي الحقيقة كما كتبت الاتحاد اننا عيدنا مع الشعب الفيتنامي البطل في تلك الايام، واليوم كلي امل وثقة ان تعيد جميع الشعوب المحبة للسلام والحرية مع شعبنا العربي الفلسطيني عندما يحقق انتصاره باقامة دولته المستقلة وعاصمته القدس وان هذا اليوم سوف يأتي مهما عمل حكام اسرائيل وأسيادهم الامريكيين من مؤامرات واجرام بحق هذا الشعب الصامد الصابر.
*حرب اكتوبر ونتائجها*
ان سياسة حكام اسرائيل العدوانية والتوسعية والمدعومة من الامبريالية الامريكية، والمتنكرة للحقوق التاريخية والقومية للشعب العربي الفلسطيني ورفضها لحق هذا الشعب باقامة دولته المستقلة بموجب قرارات الشرعية الدولية ورفضها الانسحاب من المناطق العربية المحتلة واستمرارها في السياسة العجهية والمتعجرفة تجاه الشعوب العربية كانت السبب الاساسي التي ادت نتيجتها الى نشوب حرب جديدة في منطقتنا في سنة 1973 والتي نشبت بتاريخ 6\10\1973 هذه الحرب الجديدة التي نشبت في تلك الفترة وكانت لأول مرة مفاجئة لحكام اسرائيل هذه الحرب التي سميت في العالم العربي "بحرب اكتوبر" وفي اسرائيل سميت "بحرب يوم الغفران" ومما لا شك فيه ان مثل هذه الحرب كان متوقعا نشوبها خاصة وانه من المعروف ان أي شعب محتل لا بد له من مقاومة الاحتلال وفي الوقت نفسه لا يمكن لاي دولة او شعب يحترم نفسه وارادته الوطنية والقومية، ان يقبل باستمرار احتلال ارضه من قبل دولة اخرى مهما كانت مدعومة هذه الدولة من قبل قوى خارجية اخرى، ولذلك لا بد من ان يعمل بكل الوسائل المتاحة والممكنة من اجل استرداد حقه في ارضه والذي يعني في الوقت نفسه استرداد كرامته الوطنية والقومية التي ضربت نتيجة لمثل هذا الاحتلال. وبالرغم من ان هذه الدولة المحتلة مدعومة بشكل كامل ومطلق من الامبريالية الامريكية.
ان واقع الانتصار الساحق الذي حققه العدوان الاسرائيلي على الشعوب العربية في حرب حزيران سنة 1967، قد ادت بشكل لم يسبق له مثيل الى زيادة العنجهية والاستعلاء لدى حكام اسرائيل ونتيجة لهذا الواقع قد رأى حكام اسرائيل واسيادهم الامريكيين ان ميزان القوى بعد هذه الضربة المؤلمة التي وجهت للجيوش العربية وبشكل خاص للجيش المصري ان هذا الميل لميزان القوى سيبقى الى الابد لصالح حكام اسرائيل ولسياستهم العدوانية ولذلك لم يكن صدفة ان يعلن وزير الحرب الاسرائيلي موشيه ديان بعد هذه الحرب مباشرة انه الان هو يجلس في مكتبه وينتظر التلفون من قادة الدول العربية ومن عبد الناصر من اجل اعلان استسلامهم.
في تلك الفترة بعد حرب الايام الستة كان الرفيق توفيق زياد قد كتب قصيدته الشهيرة بعنوان "ست كلمات" وكان من هؤلاء الست كلمات كلمة "تلفون" اول الانباء من تل ابيب، قال ديان "ها هنا نحن سنبقى قاعدين، والذي يحتاجنا... يطلبنا في التلفون"
اخرالانباء من تل ابيب:
سيداتي سادتي!!
لم تبض الفرخة،
ما زالت... تلو..و..و..ب!!
وفي قصيدة اخرى من هذه "الست كلمات" قصيدة اخرى بعنوان "كيف؟" يقول فيها:
أي ام اورثتكم
يا ترى
نصف القنال
أي ام اورثتكم
ضفة الاردن
سيناء
وهاتيك الجبال
ان من يسلب حقا
بالقتال
كيف يحمي حقه يوما
اذا الميزان
مال..؟؟
وهكذا عمليا نرى ان التلفون لم يرن في ذلك الوقت بل رن فقط في اكتوبر سنة 1973، ولكن رنته كانت كالزلزال الذي وقع فوق رأسه ورأس حكام اسرائيل واسيادهم، لان الميزان مال كما قال رفيقنا القائد توفيق زياد. هذا هو عمليا مصير كل المحتلين مهما دام هذا الاحتلال فحتما له آخر. لقد كان قد صرح في تلك الفترة هذا الجنرال المتعجرف ديان حيث قال "انه موقن بأن السلام مع العرب سيتحقق اذا ما وافقت اسرائيل الانسحاب من جميع المناطق التي احتلتها في حزيران، ولكنه اضاف انه يفضل المناطق العربية على السلام" هكذا عمليا كان التوجه الاستعلائي من قبل حكام اسرائيل، والذي يعني من الناحية الفعلية تفضيل الحرب على السلام. وكان من الطبيعي امام هذه العنجهية والاستعلاء الذي نما بشكل مقرف لدى حكام اسرائيل بعد حرب حزيران العدوانية، وامام هذا الواقع كانت الشعوب العربية وقياداتها الوطنية تلملم جراحها وتتأهب من اجل العمل على اعادة تنظيمها من اجل اخذ الثأر واسترداد كرامتها الوطنية. وكأن الرفيق توفيق زياد قد نطق باسم كل الجماهير العربية عندما قال في قصيدته الشهيرة "فلتسمع الدنيا"
فلتسمع كل الدنيا
فلتسمع..!
سنجوع ونعرى
قطعا نتقطع لكن لن نركع
للقوة.. للفانتوم.. للمدفع
لن نخضع.. لن يخضع منا
حتى طفل يرضع..!!
وهكذا عمليا فان القيادة الوطنية للشعوب العربية رفضت الخضوع وكان في طليعة هذه القيادة في ذلك الوقت القائد الخالد جمال عبد الناصر، الذي تراجع عن استقالته التي اعلنها واعلن فيها مسؤوليته الكاملة عن الهزيمة، امام ضغط الجماهير الشعبية في مصر والعالم العربي وكل قوى السلام والحرية وكذلك امام الدعوة الصادقة الموجهة اليه من قبل اصدقائه السوفيات من اجل التراجع عن هذه الاستقالة ووعدهم له بأنهم سوف يعوضوه عن كل الاسلحة التي دمرت في تلك الحرب العدوانية.
بعد ان تراجع عبد الناصر عن استقالته كان قد اجتمع مجلس الامة المصري وقرر في هذا الاجتماع اعطاء الرئيس المصري كل الصلاحيات المطلوبة من اجل تطهير الجيش من القيادة التي خانت، حتى يتمكن من اعادة بناء الجيش المصري على اسس سليمة وبقيادة مخلصة وتحضيره من اجل استعادة هيبته ومكانته ودوره الضروري من اجل استعادة جميع الاراضي التي احتلت من قبل حكام اسرائيل، وبناء على ذلك ومنذ اليوم الاول لعدوله عن الاستقالة واخذ مهامه القيادية من جديد، بدأ العمل بشكل منظم في اتجاهين متوازيين واساسيين: الاتجاه الاول، هو التخلص من القيادة الخائنة من امثال المشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية في ذلك الوقت وشمس الدين بدران الذي كان قائد الاركان، وهذا تم خلال فترة قصيرة وبدأ بشكل فعلي من اجل اعادة تنظيم الجيش المصري وبنائه من جديد بمساعدة قيادة عسكرية امينة ومخلصة، بحيث بدأ في اعادة تسليحه بأسلحة حديثة ومتطورة، وتدريبه بشكل مكثف من اجل ان يكون جاهزا وان لا يأخذ مرة اخرى على غرة وان يكون مستعد "لليوم الموعود للمعركة التي سيخوضها من اجل استرداد ارضه وكرامته".
