بين الواقعية والترميز

single

ما أعنيه بالترميز هو التعامل مع حدث ما على أنه يتخطى حدوده ويصبح قابلًا لعبور الأزمنة بحيث ترسخ في الذاكرة الجمعية لشعب ما، وما من مجتمع في العالم استطاع الحياة والاستمرار بها وبناء كيان قومي بلا رموز، سواء كانت عسكرية أو ثقافية فحاصل جمع الرموز في النهاية هو ما يشكل الوجود المعنوي، فالراية مثلا هي مجرد قطعة قماش ملونة، لكنها تستحق أحيانًا أن يموت الناس في سبيل استمرارها عالية وخفاقة لا تُنكَّس إلا بشكل رمزي أيضًا تعبيرًا عن حداد وطني .
وكذلك النشيد فهو مجرد كلمات إذا عُزل عن مغزاه الرمزي، لكنه بدلالاته المعنوية يستوقف الناس لتحيته، حتى البطل بالمفهوم التاريخي، فهو إنسان ليس خارق القوة، ومن البشر الفانين لأنه يموت جسدًا، لكن بقاءه على قيد الحياة في الموروث الوطني هو ما يعطيه البعد الرمزي، والرموز لا تعيش بمفردها أو لمجرد التغنِّي بها، إذ لا بد من استمرار الوجود بمعناه المادي أيضًا كي يحتضن هذه الرموز ويحولها إلى رافعة قومية أو إلى شاحن للإرادة والعاطفة معًا .
وحين تقرأ عن مواقف رمزية في التاريخ لعبت دورًا هائلًا في استدعاء الاحتياطي القومي من طراز ما ردده الروس في الحرب العالمية عن اقتراب الألمان من قبر ديستويفسكي فإن ذلك لا يعني أن روسيا كلها تكثفت وتقطرت في رجل واحد حتى لو كان أديبًا فريدًا، لكن الشحنة الرمزية في مثل هذه المواقف تُضاعف من قوة الاستجابة والرد على التحدي . والتاريخ ليس مجرد تراكم من الوقائع، فهناك فائض يتجاوز هذه الوقائع هو ما يسميه "بونفوا" الشحنة الشعرية للتاريخ، وحين يصر الواقعيون جدًا أو الذرائعيون على التقليل من شأن الرموز فإن ذلك يعني أنهم لا يرون في الحياة غير مجرد البقاء شأن الحيوانات، وحين تستباح رموز شعب ما ولا يقوى على الدفاع عنها فإن نهايته تصبح وشيكة، لأن تجريده من رأسماله الروحي يعني طرده من التاريخ حتى لو بقي عالقًا بالجغرافيا شأن كل ما هو غير بشري!
وتصبح حاجة الشعوب ماسة لاستذكار رموزها في لحظات الخطر، وحين وقف باعة الكتب الفرنسيون على ضفاف نهر السين أثناء الاحتلال النازي لبلادهم بدأوا يصرخون بأسماء رموز ثقافية ووطنية في وجوه جنود الاحتلال، وعندما قُصف مسرح فرنسي كان يعرض مسرحية عن المقاومة تشبث الحضور بمقاعدهم ومنهم من خسر حياته لكي يرسل إلى الغزاة برقية سريعة عن اعتزازه بانتمائه القومي .
وما تتعرض له رموزنا العربية الآن من تشكيك يُنذر بما هو أبعد من الهزيمة . . إنه أول السطر في فصل الانقراض المعنوي .

قد يهمّكم أيضا..
featured

عليه السلام

featured

وشهد شاهد من اهله!!

featured

«أبو حرب» اليمني

featured

ها نحن نخوض معاركها مجدداً

featured

انتصار الامعاء الخاوية

featured

العالم لا يستمع إلى غزة إلا عندما يطلقون النار على إسرائيل !

featured

فرح الأرض العالمية لا بد قادم